رئيس مجلس الادارة

أحمد السيد النجار

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

تنازل الإمبراطور .. هل يفتح باب التغيير فى اليابان؟

> إيمان عارف
يبدو أن اليابان اصبحت على موعد دائم مع الاحداث الاستثنائية المتلاحقة، فلم يكد يمر وقت طويل على الزخم الذى أحدثه انتخاب أول سيدة فى منصب عمدة طوكيو، بكل ماتبع ذلك من حديث عن التغير الذى يشهده المجتمع وتقبله لصعود المرأة فى المناصب القيادية العليا، وبينما تحيى اليابان ذكرى سقوط القنبلة الذرية على هيروشيما ونجازاكى، شهدت البلاد حدثا نادرا كان مثار حديث وتكهنات وسائل الاعلام والمجتمع برمته وهو خطاب امبراطور اليابان اكهيتو-83 عاما- الذى ألمح فيه لرغبته فى التنازل عن العرش بسبب تقدمه فى السن وخشيته من عدم قدرته على القيام بواجباته على الوجه الأكمل كما اعتاد على مدار الـ27 عاما الماضية، فى خطوة غير مسبوقة فى تاريخ اليابان الحديث، حيث لم يسبق لأى امبراطور أن تنازل عن العرش خلال الـ200 سنة الماضية.

ومع أن تنازل الملك عن العرش لولى عهده يعد اجراء معروفا ومعمولا به فى العديد من دول العالم، الا أن الوضع فى اليابان يعد مختلفا الى حد كبير نظرا لعدة أسباب، أولها بلاشك خصوصية المجتمع اليابانى وتفرده بمحددات وتقاليد ثقافية تجعل الحديث عن الشأن الامبراطورى من الموضوعات الحساسة ، وثانيها المكانة والاحترام الذين تتمتع بهما العائلة الامبراطورية فى اليابان بشكل عام، والمكانة الخاصة التى يتمتع بها الامبراطور الحالى، ليس فقط كونه يعد رمزا للدولة ووحدة الشعب كما ينص الدستور ولكن لكونه يعتبر فى نظر الكثيرين يمثل هو وزوجته ضمير الأمة بعد أن كرسا حياتهما للإهتمام بالمواطنين اليابانيين خاصة فى فترات الكوارث الطبيعية. أما ثالث الأسباب وأهمها على الإطلاق فهو الدستور الذى يمنع الامبراطور من التنازل عن العرش خلال حياته ويلزمه بالبقاء فى المنصب حتى الوفاة، بل ويحدد الاسباب التى تجيز نقل بعض المهام والصلاحيات لولى عهده، ولعل ذلك هو السبب وراء الاهتمام الإعلامى المكثف فى الداخل والخارج بالخطاب الذى لم تتعد مدته عشر دقائق، وحرص المواطنون اليابانيون على مشاهدته بشغف عبر الشاشات العملاقة فى الشوارع والميادين، خاصة وأنها المرة الثانية التى يتحدث فيها الامبراطورمباشرة للمواطنين. حيث كانت المرة الأولى عام 2011 عقب كارثة الزلزال والتسونامى الذى ضرب شمال شرق اليابان وتسبب فى كارثة التسرب الاشعاعى فى فوكوشيما، وهى إجمالا المرة الثالثة فى تاريخ اليابان الحديث فيما بعد الحرب العالمية الثانية، حيث سمع اليابانيون لاول مرة صوت والده الامبراطور هيروهيتو عبر الراديو عام 1945 معلنا هزيمة بلاده فى الحرب واستسلامها بلا شروط.

وهنا يشير المراقبون إلى أنه رغم التكهنات والتسريبات التى سبقت الخطاب حول نيه اكهيتو التنازل عن العرش، فقد جاء الخطاب خاليا تماما من كلمة التنازل أو التقاعد، وذلك تفاديا لخلق مشكلة قد تضعه فى مواجهة مع الدستور الذى لا ينص على الطرق القانونية المتبعة لمثل هذه الخطوة ولا لمجرد التعبير عنها بشكل علنى، ليأتى الخطاب فى صورة تلميح واشارة للحكومة والبرلمان ببحث الطرق القانونية اللازمة لتعديل الدستور لتلبية هذه الرغبة. وهو أسلوب طالما اتبعه الامبراطور على مدى العقود الماضية لتوضيح آرائه السياسية بهدوء وتأن. ومن هنا كان رد رئيس الوزراء شينزو آبى بأنه يأخذ كلام الامبراطور بجدية وأن حكومته بصدد دراسة ما يمكن عمله. وهى اجابة عامة غير محددة تعكس المأزق الذى تواجهه حكومة آبى، المعرضة لتلقى اللوم اذا أيدت تنازله عن العرش استجابه لرغبته الشخصية التى تحظى بتأييد الرأى العام المتعاطف معه طبقا لما تظهره الاحصائيات، وأيضا اذا حاولت عرقلة ذلك استجابة لاعتراضات التيار المحافظ داخل المجتمع. وهو ما يعنى أن المؤيدين والمعارضين سيكونون حذرين بشدة كى لا تؤدى هذه الخطوة للتأثير على العائلة أو على قضية وراثة العرش بحيث تضعها فى مرمى التجاذبات السياسية مستقبلا.

ولعل هذا المأزق هو ما دفع الامبراطور كى يتوجه للرأى العام ويخاطبه مباشرة، ويتحدث كمواطن يشارك الآخرين أفكاره ومخاوفه، وهو ما اعتبره المواطنون نوعا من الصدق والحديث من القلب، وقابلوه بالتفهم والتأييد، خاصة وأن اليابان تعد بكل المقاييس مجتمعا يشيخ ويضم عددا هائلا من كبار السن، ومن هنا كانت حالة التعاطف الكبيرة مع رغبة الامبراطور فى أن يتقاعد بهدوء، بل واعتبار الكثيرين أنه بينما يتعامل الدستور مع الامبراطور كرمز للدولة فإنه يسلبه فى نفس الوقت حقه الانسانى فى التقاعد وهو أمر لابد من تغييره، خاصة وأنه أعطى أفضل ما لديه من أجل الواجب الوطنى وقد حان الوقت كى يستريح.

ورغم ذلك يتخوف الكثيرون من أن تعديل القانون فى هذا الشأن ربما يكون مقدمة تشجع على فتح الباب واسعا لمناقشة موضوع أكثر حساسية والخاص بالسماح للنساء باعتلاء العرش، وهو أمر يحظره الدستور الحالى، وإن كان سبق طرحه أكثر من مرة خلال العقد الماضى، خاصة فى ظل عدم وجود وريث ذكر للعرش حتى ولادة الأمير هيساهيتو عام 2009، ثم أغلق الحديث تماما فى هذا الموضوع بمولده، بعد أن أثار الكثير من الجدل داخل المجتمع بين مؤيد ومعارض.

فضلا عن أن البرلمان اذا حقق رغبة الامبراطور فى التنازل عن العرش فسيكون ذلك أكبر تحول تشهده العائلة الامبراطورية منذ الحرب العالمية الثانية، بل ويتحسب البعض من تداعيات ذلك على هوية اليابان السلمية، حيث ينظر كثير من اليابانيين للامبراطور الحالى باعتباره حارسا على هوية اليابان السلمية فى مواجهة صعود تيار اليمين داخل المجتمع.

لقد نجح اكهيتو من قبل فى ادخال العائلة الامبراطورية لعصر الحداثة، واعتبره المتخصصون فى الشأن اليابانى صاحب سبق فى أكثر من مجال، فهو أول من تزوج من عامة الشعب، وأول من تفاعل مع المواطنين انسانيا فى أوقات الكوارث، وأول من اهتم بلعب دور فى تضميد جراح جيران اليابان ممن عانوا خلال حقبة ماضيها الاستعمارى، فكان أول امبراطور يابانى يزور الصين وذلك عام 1992، بل أنه أعرب العام الماضى عن ندمه الشديد لخوض بلاده الحرب فى الذكرى السبعين لانتهاء الحرب العالمية الثانية، وكلها تصرفات اعتبرت نجاحا فى تحديث النظام الامبراطورى بخطوات صغيرة وتدريجية ولكنها فعالة، ومساهمة ملموسة فى نشر ثقافة السلام ورفض للنزعة القومية المتشددة التى سادت خلال الحرب العالمية الثانية. ومن هنا اعتبر المراقبون أنه بخطابه الاخير خطا خطوة جديدة فى اتجاه إدخال مزيد من التحديث للنظام الامبراطورى اليابانى.

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق