رئيس مجلس الادارة

أحمد السيد النجار

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

كبار الكتاب.. المدفعية الثقيلة للأهرام

محسن عبد العزيز
بالتأكيد هو أغرب إتفاق فى الصحافة المصرية والعالمية، ذلك الذى تم بين محمد حسنين هيكل وتوفيق الحكيم عندما تعاقد هيكل مع الحكيم على أن يأخذ خمسة آلاف جنيه سنويا ـ وهو مبلغ يساوى مايحصل عليه هيكل نفسه كرئيس لتحرير الأهرام فى ذلك الوقت ـ مقابل أن يأتى الحكيم للأهرام فقط، ودون أن يقدم أى عمل.

هكذا كان العقد، وإذا كتب توفيق الحكيم أى شىء ونشره فى الأهرام، يحاسب عليه بشكل مستقل غير هذا العقد.

اندهش الحكيم مثلنا تماما وسأل هيكل : وأنت ماذا تستفيد ؟ رد هيكل كما روى يوسف القعيد فى كتاب محمد حسنين هيكل يتذكر : أريد منك البقاء فى الأهرام والحضور إليه والجلوس فيه، تلتقى مع شباب جديد من الممكن أن يستمعوا إليك وأنت تتكلم ويستفيدوا منك، ويتناقشوا معك. المطلوب أن تكون موجودا وفقط.

وبذلك انضم الحكيم إلى كتيبة كتاب الأهرام التى كانت تضم الدكتور حسين فوزى والدكتور لويس عوض ونجيب محفوظ ويوسف إدريس وبنت الشاطىء.

ومنذ هذه اللحظة ـ ربما ـ أصبح كل كاتب يتوق للإنضمام للأهرام وكتاب الأهرام فأنضم دكتور زكى نجيب محمود وعبد الرحمن الشرقاوى ومصطفى محمود وإحسان عبد القدوس وأحمد بهاء الدين، ومحمد سيد أحمد،وأنيس منصور، ولطفى الخولى.

وبذلك حوت الأهرام برصانتها وقدرتها غير المحدودة كل المدارس الفكرية فى مصر. وأصبحت هى المعبر الرئيسى عن الدولة المصرية سياسيا واقتصاديا وفكريا ساعدها على ذلك ـ غير ثقلها الفكرى ـ قيامها بإنشاء أول مركز للدراسات السياسية والاستراتيجية.

وعندما قام الرئيس جمال عبد الناصر بزيارة للأهرام أول فبرايرعام 1969 والتى استمرت نحو خمس ساعات. قال له هيكل عند دخوله القاعة للقاء كبار الكتاب : هنا ستجد كل المدارس الفكرية وكافة الاتجاهات، ستجد حسين فوزى الذى يقول بحضارة الشمال الأوروبى ويناشد المصريين الإبحار والإتجاه شمالاً وستجد توفيق الحكيم الذى يقول بحضارة البحر المتوسط وستجد عائشة عبد الرحمن التى تقوم بالتوجه الاسلامى، ستجد من يقولون بالماركسية ومن يقول مصر المملوكية كنجيب محفوظ. ولويس عوض الذى يقول الغرب غرب عصر النهضة (كتاب محمد حسنين هيكل يتذكر).

أتاحت الأهرام لكبار كتاب مصر أن ينشروا إبداعاتهم بجرأة وحرية لا تقدر عليها أى صحيفة أخرى. فقد نشر توفيق الحكيم بنك القلق التى إنتقدت دور المخابرات أيام عبد الناصر. وغضب صلاح نصر مدير المخابرات الأشهر ونقل غضبه للمشير عبد الحكيم عامر الذى غضب هو أيضا وأشتكى لعبد الناصر.

وروى هيكل ليوسف القعيد أن عبد الناصر إتصل به وقال له : عبد الحكيم عامر غاضب جداً مما نشر وطلب أن يحمل إليه الحلقة التى نشرت ليطلع عليها بنفسه فى وجود عبد الحكيم عامر.

وأخذ هيكل نسخة الأهرام للرئيس وأثناء القراءة توقف عبد الناصر قائلا: إذا كان توفيق الحكيم قد نشر يوميات نائب فى الأرياف وقت الملكية، ألا يستطيع نشر بنك القلق فى وقت الجمهورية ؟ هذا رأيه من حقه أن يقوله. لابد أن تنشر كاملة بدون أى حذف.

ويقول هيكل أن توفيق الحكيم عندما سلمه القصة لم يكن يتوقع النشر وأنه قال له إذا كانت لديك شجاعة الكتابة فستكون عندى شجاعة النشر.

لعل أهم إنجاز لمحمد حسنين هيكل هو الإنشاء الثانى للأهرام، ومهما اختلفنا حوله وعليه فلا يمكن أن ننسى أنه تسلم الأهرام فى وضع سيىء فجلها أهم وأحدث جريدة فى الشرق الأوسط.

والفنان المبدع داخله دفعه لأن يجمع حوله صفوة عقول مصر، وأن يمنحهم الحماية والحرية بعلاقته غير العادية بالرئيس جمال عبد الناصر.

فقد نشر رواية أولاد حارتنا لنجيب محفوظ بشكل يومى وكان المفروض أن تنشر كما هو معتاد أسبوعيا. ولكن هيكل تنبه مبكراً، إلى ماسوف تثيره هذه الرواية من جدل فقرر نشرها يوميا قبل أن يتنبه بعض رجال الدين ويحاولوا وقف النشر.

كان هيكل يقدر الكلمة وأصحابها وكثيراً ما أحتفل الأهرام بأعياد ميلاد كبار الكتاب وفى عيد ميلاد نجيب محفوظ الخمسين سأل هيكل نجيب محفوظ أن يطلب منه أى شىء وسوف يحققه له، فطلب نجيب محفوظ أن تحضر أم كلثوم حفل عيد ميلاده وبالفعل حضرت أم كلثوم هذا الاحتفال وكانت هذه أول مرة يرى نجيب محفوظ أم كلثوم التى كان يحبها جداً، وأطلق اسمها على إحدى بناته.

> > >

قضية تجديد التراث التى تثار بين كل فترة وأخرى كانت عنوان معركة كبيرة خاضها لويس عوض عندما نشر فى ملحق الأهرام عام 1964 سلسلة مقالات على هامش الغفران، تناولت أدب الأخرة حول تصور الشعراء والأدباء للجنة والنار بداية من هوميروس فى الأدب اليونانى الى المعرى فى الأدب العربى وصولاً الى دانتى فى الأدب الإيطالى وأثارت المقالات عاصفة من الهجوم ضد لويس عوض من المحقق الشهير محمود شاكر وأخرين، وصدرت ثلاثة كتب فى عام واحد للرد عليه هى «أباطيل وأسماء» لمحمود شاكر، و «الغزو الثقافى» لجلال كشك و«دراسات نقدية فى ضوء المنهج الواقعى» لحسين مروة إلى جانب مئات المقالات فى مصر والعالم العربى، وكل ذلك لأنه قال إن المعرى تأثر بالثقافة اليونانية فى كتاب «رسالة الغفران» كانت المعركة حقيقة ضد فتح باب الاجتهاد والتفكير الحر. وعلق لويس عوض قائلا «إن الازدهار الأكبر فى الفكر العربى إقترن بفتح باب الاجتهاد على مصراعيه أيام مجد العرب خلال القرون الأربعة الأولى للهجرة، وإن انتكاسة العرب بعد الدولة العباسية الثانية لم تقترن بالتفكك السياسى فحسب بل بإغلاق باب الاجتهاد بسبب الضعف السياسى ذاته.

فالضعيف وحده فى جزعه على ذاته هو الذى يخشى محاسبة النفس وإحصاء مايملك من عدة وعتاد، ويؤثر أن يعيش فى عالم من أوهام الكمال وأكاذيب الفردانية المأثورة عن جنة المجانين.

ولم يتوقف تيار الحرية الذى تمتع به كتاب الأهرام على وجود محمد حسنين هيكل وما يبسطه من حماية ولكنه استمر للآن، لأن البذرة احتوت شجرة كبيرة جذورها ثابتة وفرعها فى السماء.

فكانت مفكرة يوسف إدريس وعلى مقهى فى الشارع السياسى لإحسان عبدالقدوس وإسلاميات عبدالرحمن الشرقاوى، وفلسفة زكى نجيب محمود وشطحات مصطفى محمود، بمثابة مدفعية الأهرام الثقيلة التى تنبه القارىء كل صباح مع فنجان القهوة، ومثلما تبسط الشمس ضوءها ينشر الأهرام أفكار الحرية والعدل والمساواه والبناء.

وهكذا حملت الأهرام دائما عبء التنوير والتجديد فى الفكر والإبداع مما جعل كتابها عرضة للهجوم سواء كتبوا عن القديم ورجاله أو عن المستقبل وأيامه فعندما كتب عبدالرحمن الشرقاوى مقالات على إمام المتقين وكانت تنشر فى الأهرام أيام الأربعاء من عام 1984 تعرض لهجوم شديد بعد أن أتهمه ثروت أباظة بأن ما ذكره عن موقف الإمام على من المال هو موقف الشيوعية وليس موقف الأسلام، وكان ذلك فاتحة هجوم شديد حيث إتهم الشرقاوى بإهانة الصحابة!

ورد الشرقاوى على الهجوم قائلا: إن المصالح الفاسدة هى التى تصرخ وتعوى وتتهم، وهى التى تحرك ذلك العنف من الرجال.. المصالح، لا العقول ولا الإفهام والبصائر!! وتعسا لهذه المصالح الفاسدة التى جعلت ومازالت تجعل من بعض الرجال أنصاف رجال!

وبعيدا عن المعارك السياسية وما كان يفجره من قضايا شائكة يكتب يوسف إدريس يوما عن بخل توفيق الحكيم ونجيب محفوظ.. قائلا: أن بخل الحكيم جد لا هزل فيه فهو مثلا لا يكتب إلا بقلم رصاص من النوع المضلع الباهت المتعب جدا فى إمساكه والكتابة به. أرخص قلم رصاص يباع فى السوق، وحين سألته عن سر تمسكه بالكتابة بالقلم الرصاص، قال: حتى إذا ضاع لا أحزن عليه!

هذا القلم له أحد عشر عاما وأن أرى الأستاذ الحكيم يكتب به ليس فقط لأنه لا يضيع، بل أنه ليبلغ من قبح المنظر لدرجة لا يمكن معها لإنسان ما أن يأخذه سهوا. بل حتى لونه الأصفر له حكمة: لماذا يا أستاذ توفيق؟ لأنه لون باهت منفر فى الأقلام بالذات.

وإذا كان توفيق الحكيم هو الذى يملك الحضور البخلى المسرحى، فإن نجيب محفوظ هو البخيل الذى لا يستطيع إنس أو جن أن يكشفه فى لحظة بخل، فهو لا يخلع أبدا ملابس التنكر حتى بينه وبين نفسه. فنجيب محفوظ لا يطلب لك طلبا وإنما يحدد عليك قاطعا عليك طريقة الاختيار قائلا: مضبوط ولا سادة؟ وهكذا تجد نفسك بين القهوة والقهوة.

ويوم الخميس الذى كنا نلتقى فيه بمكتب توفيق الحكيم. كنا نشاهد الحكيم وهو يزاول متعة البخل بكل صهللة واستمتاع، بينما بخل نجيب محفوظ سبب له كثيرا، من الجهد النفسى الخفى لمعرفة عدد الشايات التى طلبت وفناجين القهوة، والمشروبات الغازية، وإذا علمت أن عددنا يصل أحيانا الى العشرين، فتصور محنة صديقنا الكبير ابو النجب، ونحن منطلقون على حجيتنا نقهقه ونحلل ونسخر، بينما الحكيم يزين لنا أهمية البخل ونجيب محفوظ يجهد نفسه فى عد فناجين الشاى والقهوة حتى لا يختلط عليه السعر إذ الفارق بينهما مهول، فنجان القهوة بثلاثة قروش، والشاى بقرشين!

ولم تتميز الأهرام بالمقالات الطويلة لكبار الكتاب فقط ولكنها تميزت فى العمود الصحفى أيضا فكان عمود يوميات لأحمد بهاء الدين من أفضل الأعمدة فى الصحافة العربية بما يحويه من عمق وطرح جرىء لأخطر القضايا دون رهبة أو خوف من أحد حتى عد بحق ضمير الوطن. وعلى نفس الصفحة الأخيرة للأهرام كان عمود مواقف لأنيس منصور الذى لا يمكن أن تغفل قراءته مهما إختلفت معه.

وعندما مات أحمد بهاء الدين كان سلامه أحمد سلامه وعموده من قريب معبرا عن نبض الوطن، ووجد فيه القارىء ما يعوض غياب بهاء الدين.

وعلى نفس الطريق تستمر أعمدة صلاح منتصر وفاروق جويدة ومكرم محمد أحمد وأسامة الغزالى حرب وعمرو عبدالسميع.

كما أن كتيبة الكتاب الكبار، جلال أمين، ونوال السعداوى، وسناء البيسى، عبدالمنعم سعيد، وجابر عصفور، وأحمد عبدالمعطى حجازى وسمير أمين، وصلاح سالم، وخيرى منصور الخ يواصلون مسيرة الأستنارة والفكر الحر التى وضع لبنتها آباء الكتابة الكبار فى الأهرام.

عندما تولى الأخوان الحكم تنبهوا إلى أن قوة الأهرام تكمن فى كتابها وقدرتها الفكرية والإبداعية فعملوا على التضييق على الكتاب وقاموا بإلغاء العديد من العقود لبعضهم، كما ألقوا باللوحات الفنية لكبار الفنانين فى أحد المخازن دون النظر إلى قيمتها الفنية أو المادية التى تقدر بملايين الجنيهات. كان الهدف هو القضاء على الأهرام كأهم معقل من معاقل التنوير والليبرالية..

يبقى القول أن مكانة الأهرام الراسخة كأحد أهم مؤسسات الدولة أو قوتها الناعمة جعلت لها الكلمة الفصل فى الأحداث الكبرى أو الرسائل التى تود الدولة أن تعبر عنها..

وروى لى المشير محمد عبدالغنى الجمسى أن خطة التمويه فى حرب أكتوبر إعتمدت على نشر خبر فى الأهرام عن قيام ضباط القوات المسلحة بأداء العمرة قبيل حرب أكتوبر.

وفى ثورة 25 يناير عندما نزلت الأهرام بمانشيت «الشعب اسقط النظام» تلقفته كل وكالات الأنباء والتليفزيونات العالمية، ورفعه الثوار فى ميدان التحرير. لأن الأهرام كلمتها حاسمة فى موازين القوى الحاكمة للوطن. ولذلك يقال إن الخبر الذى لم ينشر فى الأهرام لم يحدث وحتى من مات ولم ينشر نعيه فى الأهرام فإنه لم يمت.

فكل الجرائد يمكن أن تكتب ما تشاء لكن عندما تكتب الأهرام، سوف يترك الناس كل شىء.. ويقولون أنظر الأهرام قالت.. وإذا قالت صدقت.. إنها الأهرام  140 عاما من التاريخ. والفكر والإبداع والبحث عن الحرية من أجل بناء الوطن.

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق