رئيس مجلس الادارة

أحمد السيد النجار

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

الأهرام.. سحر المبنى وألق المعنى

صلاح سالم
فى البدء كان الكلمة.. بحسب سفر التكوين، وكان الأمر اقرأ.. مفتتحا للقرآن الكريم، وفى الحالين كانت الغاية هى الحقيقة فى صورتها القدسية العليا

وفى بدء اليقظة العربية الحديثة كانت الصحافة ضرورة اقتضاها التاريخ.. وفى طليعة الصحافة العربية كانت الأهرام سفرًا للحقيقة ولكن فى صورتها الدنيوية الممكنة، وشعلة للاستنارة فى دنيا العرب القاحلة.

ولدت الأهرام قبل مائة وأربعين عامًا، بمدينة الإسكندرية على يدى لبنانيين مارونيين هما سليم وبشارة تقلا، هربا من الاستبداد العثمانى إلى مصر بعدما استحالت ملاذًا آمنًا للعرب .. نبتة صغيرة وليدة، لم يكن يحلم غارسوها أن تربة مصر بهذا الجود وأن للاسم (الأهرام) كل هذا السحر وذاك الخلود.

رحل المؤسسون وبقيت الأهرام. توالت العصور وتحولت مصر من السلطنة إلى الخديوية إلى الملكية إلى الجمهورية وبقيت الأهرام. هبت على مصر رياح تحولات وثورات بدءا من انتفاضة عرابى 1882، مرورا بثورتى 1919، ويوليو 1952، وصولا إلى 25 يناير و 30 يونيو، والأهرام كما هى فى قلب الحدث بالفكرة والصورة، شاهدة عصر فى كل الأحوال، وصانعة له فى بعضها، كما كان الأمر فى خمسينيات وستينيات القرن المنصرم، حينما قادت مصر حركة التحرر العربي، فكان كبار القادة يحجون إليها من أربعة أنحاء العالم ليتعرفوا على صورة الواقع كما تصنعه مصر وتتصوره الأهرام.

لم تكتف الأهرام بعرض الواقع بل سعت إلى فى فهم الحقيقة، وربما حادت الأهرام يوما أو بعض يوم عن الحقيقة بزعم التزام ما، تبريرا لحكم قاصر، أو تلبية لرغبات زائفة، إلا أن ذلك بقى استثناءا هامشيا، سرعان ما تجاوزته، بحكمة التاريخ وحس المسئولية.

طلبا للمعنى والمخبوء، فيما وراء الظاهر والمشهود، استضافت الأهرام، على صفحاتها نخبة العقول المصرية، فاستحالت نافذة تنشر الاستنارة فى أربعة أنحاء الأمة، وجسرا يسير عليه ويتفاعل من خلاله العقل المصرى العربى مع الفكر الإنساني. ضمن تلك النخبة ثمة علامات ورموز تركوا البصمة واضحة والأثر نافذا.. نذكر منهم توفيق الحكيم المفكر والأديب، الذى استحالت عصاه قلما ورمزا، وحماره كناية ومجازا، فيما سالت حكمته على قارىء الأهرام لأكثر من ثلاثين عاما.. ونذكر أيضا عبد الرحمن الشرقاوى الكاتب والأديب الذى أطل على قارىء الأهرام لربع القرن تقريبًا، ناشرًا ضياء فكره اليسارى ثم الإسلامى مغلفا، فى الحالين، بالعمق والنبل.. ونذكر كذلك د. لويس عوض، الفارس الشجاع الذى لم تتوقف معاركة الثقافية يومًا حول قضايا الفكر واللغة والهوية.. ونذكر بالذات الأستاذ أحمد بهاء الدين، الكاتب السياسى المجيد، والصحفى البارع، الذى رأس تحرير الأهرام، فكان أحد أبرز قادتها عبر تاريخها.

ونذكر بكل الفخر أديب مصر العظيم نجيب محفوظ، الذى بلغ آفاق العالمية سائرا على جسر الوطنية الخالصة، فكان شبيها بل قرينا بالأهرام التى نشرت له أدبا وفكرا، واستضافته كاتبا متوجا قبل أن يتوجه العالم بجائزته الأرفع، التى تظل حتى الآن هى الوسام الأكبر على صدر الأدب العربى.

ونذكر أخيرا د. زكى نجيب محمود الذى أظنه أهم من كتب على صفحات الأهرام مع نجيب محفوظ، ولعله القرين الفلسفى له. فكلاهما يجسد النموذج الكلاسيكى للمبدع الذى يصبغ عصره بصبغته هو فيكون علما عليه.. وكلاهما طال به العمر وكثر إنتاجه وصاغ مدرسته على مهل وفى حكمة على عكس آخرين لم تنطوى مواهبهم على حكمة الاستمرار وملكة الانتظام فكانوا كالشهاب الخاطف سرعان ما ينطفئ.. وكلاهما أيضا عاش مراحل إبداعية مختلفة، إذ مر على محفوظ نزعات تاريخية، وأخرى واقعية / اجتماعية، وصولا إلى الرمزية، بينما توالت على زكى نجيب محمود مراحل صوفية روحية، ووضعية منطقية، وصولا إلى التوفيقية. واسمحو لى، لضعف شخصى تجاه هذا الرجل، أن أختتم حديثى بوقفة عاجلة عند علاقته الأثيرة بالأهرام، انتظارا لوقفة مطولة عند فكره هو، ربما فى ذكرى رحيله.




لقد عاد الرجل من لندن عام 1947 حاملا للدكتوراه فى (الجبر الذاتى)، وداعيا إلى ثورة علمية دار فى فلكها وألف فى سياقها: «المنطق الوضعي»، «نحو فلسفة علمية»، «خرافة الميتافيزيقيا» الخ. داعيًا إلى تخليص الثقافة العربية من هيمنة الميتافيزيقيا (الفلسفة التأملية) وتبنى الوضعية المنطقية (فلسفة علمية تتمحور حول التحليل اللغوى والمنطق الرياضى) كطريق ارتآه ضروريا للعقلانية والتقدم، فيما كان يُهاجم كثيرًا وبضراوة من تيارات رجعية تحت مظنة إنكاره للدين باعتباره مجرد «ميتافيزيقيا»، وإلى درجة اضطرته إلى تغيير عنوان كتابه «خرافة الميتافيزيقيا» إلى «موقف من الميتافيزيقيا». ولذا فقد اعتز كثيرًا بوصف العقاد له (أديب الفلاسفة وفيلسوف الأدباء)، ليس لأنه وصفًا مستحقًا، حيث كان قادرًا على نقل الأفكار الفلسفية بلغة أدبية سهلة للقارىء العام، بل لأنه شهادة تمكين صادرة عن شخصية لها مثل الحضور «العقادى». لكن التمكين الأكبر أتاه من الأهرام، يوم انضم إلى العقد الفريد من كتابه الكبار، كدرة فلسفية فى مفرق التاج الأدبى والنقدى، ليطل من نافذته العالية على جموع قراء العربية.

عبر ثمانى عشرة عاما متصلة (1974 ـ 1992) استضافته الأهرام ليكتب مقال الثلاثاء، فكان ذلك فتحا كبيرا له، وللأهرام معا. بالنسبة له كانت الكتابة للأهرام بمثابة تقدير كبير لم ينله قبله سوى عمالقة الفكر المصرى الحديث والمعاصر. كما كانت فرصة ذهبية أحسن استغلالها لعرض جل مؤلفاته، صانعا لتقليد غير مسبوق فى الصحافة والثقافة العربيين، وهو أن يصدر العمل، المؤلف مسبقا كدراسة ذات بنية صارمة، ولكن فى مقالات مسلسلة محكمة البنية، قبل أن تضمه دفتا كتاب، وهنا نجد أثر الأهرام واضحا فى عمل الرجل الذى هيكل مشروعه الكبير على مقاس الصحيفة الكبيرة، ليخرج من كهف أستاذ الفلسفة الكبير إلى آفاق المفكر الفلسفى المرموق.

وبالنسبة للأهرام كان زكى نجيب محمود أكبر عقل نظرى كتب على صفحاتها، وصاحب أبرز مشروع تجديدى فى الفكر العربي، ربما حتى بروز المفكر المغربى الكبير «محمد عابد الجابري» ومشروعه «نقد العقل العربى». كما تمكن الرجل من ترك بصمته ليس فقط لدى قراء الأهرام ومريديها، بل وفى أبناء الأهرام وصحفييها. فبالنسبة لكاتب هذه السطور بالذات، كان الرجل ملهما إلى الحد الذى احتل معه موقع الجد الفكري، وإلى درجة لم أستطع معها تصور أى مستقبل لى بعيدًا عن جدران الأهرام التى أطل منها الجد معلما، وذلك دون أى تفاعل مباشر اللهم سوى لقاء عابر بمؤتمر للجمعية الفلسفية أغسطس 1992م فى مدرج (78) بآداب القاهرة، تم خلاله الاتفاق على لقاء عامر لم يتم أبدا، حيث التحقت بالخدمة العسكرية بعد شهرين فقط، وقبل خروجى منها كان الرجل العظيم قد التحق بالرفيق الأعلى والأعظم.. فليرحمه الله الرجل، وليبق لنا الأهرام ممتزجا بمعناه، شامخا كإسمه.

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق