رئيس مجلس الادارة

أحمد السيد النجار

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

الرعب والخوف يسكنان تركيا

أنقرة ــ سيد عبدالمجيد
راح الانقلاب الهستيرى والمثير للجدل ليبقي آخر مزدوج شديد المرارة والقسوة فى آن، وجهه الأول ليس فقط أقلمة أظافر المؤسسة العسكرية التى كان يشار لها بالبنان، بل الاطاحة ببنيتها التقنية وهويتها التي أكتسبتها خلال مسيرة البلاد الناهضة التي نفضت عن نفسها خيبات السلاطين ودراويش الخلافة وهي تتجه بخطى واثقة نحو غرب هو ملاذها الأبدي، والتضحية بعناصر فاعلة كثير منهم كانوا في الأصل يمقتون المتأسلم داعية الإرهاب فتح الله جولين حتى وأن ظهر الأخير « مخادعا « مرتديا قناع الورع والتقوى الزائف.

أما الوجه الثاني فهو الانقضاض على ما تبقي من العلمانية والإرث الكمالي نسبة إلى مؤسس الجمهورية مصطفي كمال أتاتورك ومحوه من كل مناحي الحياة المدنية ، وبحيث تكون النتيجة من هذا وذاك كيانا مغايرا تماما لتركيا التي عرفها العالم منذ إنسلاخها من ردائها العثماني الرث في عشرينيات القرن المنصرم لتصبح أخرى جديدة تماما.
غير أن المذهل والمثير للسخرية في نفس الوقت، هو أن تلك الحملات أخذت ومازالت عنوانا عريضا ألا وهو صون الديمقراطية، ولأن الأخيرة ليست كمثيلتها التي عرفتها الإنسانية وخبرتها على مدار قرنين من الزمان، فطبيعي ان يكون الحاصل المراد تدشينه مسخا كفاكاويا ولكن بنكهة أردوغانية.
وها هي أجواء الرعب، على حد تعبير رئيس تحرير صحيفة جمهوريت جان أوندر ، التي اشاعتها ديمقراطية حزب العدالة والتنمية الحاكم وميلشياته الإعلامية المؤججة بشعارات الموت للخونة ، لم تعد تترك أى جزء من فضاء البلاد إلا وروعته تهديدا ووعيدا ، لكل من تسول له نفسه التمرد على الحق الذي تجلي مع القائد فجر السبت السادس عشر من يوليو لحظة الانتصار النهائي على الطغمة الارهابية الذين تواروا خلف النياشين.
ورغم هذا المد الستاليني والخوف الذي تسرب إلى قطاعات عريضة من المجتمع بما فيها النخب خشية من أن تطالهم يد الأمن الذي لن يجد صعوبة، فالتهم جاهزة وهي الانضمام إلى الكيان الموازي فى إشارة إلى جولين، إلا أنه لم يمنع من أقاويل متناثرة وعبارات تلوكها الألسن همسا تخفي براكين غضب تعتمل داخل النفوس التي باتت حائرة تتزاحم أسئلتها وتتمحور: هل الحاصل في بلادهم له مثيل في الماضي القريب أو البعيد؟ ثم يردون هم أنفسهم قائلين حتما هناك شبيه له بأركان المعمورة ولكن في أصقاع موغلة في الدكتاورية والإستبداد.
فثلاثة أسابيع كاملة والميديا المرئية كلها ذات الصوت الوحيد الذي لا وجود لغيره ، ولن يوجد على الأقل في المستقبل المنظور، تم تسخيرها لخطاب دعائي ديماجوجي، لا يتغير على مدار الساعة ، فشاشتها تعيد لقطات لتفجيرات ومقاتلات وهي تقصف « معقل نبض الشعب « إنه البرلمان حصن الديمقراطية. وعلى نحو فلكلوري راحت تكرر ذات المشاهد التي وصفت بالشجاعة والجسارة ، وتم تصويرها عندما هبت الجماهير الرافضة للانقلابيين اتباع الخائن الكبير جولين .
ولأنه لم ينس ما تعرض له من إساءة وغبن في مستهل صعوده السياسي بسنوات التسعينيات وإقصاءه وهو المنتخب من منصبه كرئيس بلدية إسطنبول ، ثم الزج به إلى السجن عقابا له لإلقائه قصيدة شعر فسرت بأنها تشجع على الكراهية والفتنة ،أعقبه نزول الدبابات لتجوب شوارع ضاحية سينجان بالعاصمة أنقرة في أستعراض للقوة ولتذكيره هو ورفقائه الاسلاميين الجدد بالخطوط الحمراء ، ها هو يرد الصاع صاعين، بتنصيب محاكم للإنقلابيين بنفس المكان ولا بأس من تسويق حجج أنه لا توجد محكمة يمكن أن تسع هذا العدد الضخم، غير أن الحقيقة هي أن أردوغان أراد توجيه ضربة إنتقامية إضافية للعسكريين لعلها تشفي غليله، ثم أن زمرته ربما ذكرته، كيف ساوي الجيش زعيم منظمة حزب العمال الكردستاني عبد الله أوجلان الإنفصالي الإرهابي بعدنان مندريس أول رئيس وزراء إسلامي منتخب حينما تمت محاكمته بجزيرة إمرالي ببحر مرمرة التي كانت مسرحا لإعدام الأخير قبل خمسة وخمسين عاما.
والسؤال ماذا بعد كل هذه الممارسات؟ ما هو مستقبل المؤسسة العسكرية؟ هل سيتمكن اردوغان من بسط سيطرته الكاملة عليها خاصة أنه يسعي إلى جعل رئاسة اركانها ضمن صلاحياته الرئاسية؟ الإجابة يقينا ستكون كلا، صحيح أن الجيش في أضعف حالاته وأن ثمة شرخ ضرب بنيانه إلا أن تحويله بعد تسعة عقود إلى أداة طيعة في يد أردوغان أمر صعب المنال أن لم يكن مستحيلا، انطلاقا من أيدلوجيته الكمالية التي مازالت مغروسة في أوصاله رغم محاولات الطمس الممنهجة والإقصاء والاستبدال التي تمت خلال السنوات القليلة الماضية . أيضا وهذا هو المهم أرتباطه الحميم بوجدان المواطن العادي الذي هو عقيدة محارب جسور، بإختصار لن يصبح الجيش من الماضي، واردوغان يعلم ذلك جيدا والدليل أنه لازال يؤرقه هاجس إنقلاب يحدث في اية لحظة، ويوم الأحد الماضي خير مثال حينما استيقظ سكان مدينة اضنة جنوب البلاد والتي تحتضن قاعدة إنجيرليك الجوية على تدابير أمنية مشددة، وتصريحات رسمية انطلقت من معلومات استخباراتية أكدت أن هناك تحركا عسكريا، يعزز ذلك إستمرار النداءات الحكومية والرئاسية على السواء للمواطنين بالتواجد بالميادين حتى الخامس عشر من أغسطس الجاري، ولتسهيل الأمور عليهم ستظل حافلات النقل العام مجانا.

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق