رئيس مجلس الادارة

أحمد السيد النجار

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

طوكيو .. فى مرمى العنف

إيمان عارف
فى سابقة تكاد تكون الأولى من نوعها منذ عقود شهدت العاصمة اليابانية طوكيو حادثة طعن مؤسفة راح ضحيتها عشرات من المعاقين ما بين قتيل ومصاب اصابات بالغة، لتنضم بذلك إلى قائمة من العواصم العالمية التى روعت بحوادث مماثلة راح ضحيتها العشرات بسبب الإرهاب أو العنف أو الجنون.

ورغم إعلان السلطات اليابانية السريع لدوافع الجريمة بعد تسليم القاتل لنفسه واعترافه بجريمته التى أرجعها إلى كراهيته الشديدة للمعاقين ورغبته فى تخليص العالم من أعباء وجودهم، فإن ذلك لا ينفى حقيقة أن حالة الهلع التى أحاطت بالجريمة فور وقوعها وقبل اتضاح دوافعها، كان لها ما يبررها، ليس فقط بسبب ضربات الإرهاب المتلاحقة التى أرقت الجميع - ولكن وهذا هو الأهم- بسبب سمعة طوكيو كأكثر مدن العالم أمانا، والتى تؤكدها الاحصاءات الحكومية المتتابعة التى توضح غالبا تراجع معدلات الجريمة إلى مستوياتها الدنيا مقارنة بالمعدلات العالمية. فضلا عن طبيعة الشعب اليابانى وحساسيته الشديدة من أقل المؤشرات تأثيرًا على النواحى الأمنية والإجتماعية، إلى جانب القوانين المشددة التى تفرضها الحكومة على حمل السلاح ولعل ذلك ما يبرر أن معظم حوادث القتل الجماعى تحدث طعنا بالسكاكين.



وكلها عوامل أسهمت فى حفاظها على لقب أكثر المدن أمانا فى العالم، رغم بعض الحوادث الفردية المتناثرة على مدى زمنى واسع مثل تلك التى شهدتها المدينة عام 1995 على يد جماعة دينية متطرفة تطلق على نفسها «أوم شين ريكو» أو الحقيقة المطلقة، عندما أطلق بعض أعضاء هذه الجماعة غاز «السارين» السام فى محطات المترو ما أدى لمصرع العشرات.

وهنا لابد من الاشارة إلى أن الأمن فى المجتمع اليابانى ليس مسئولية الشرطة فقط، ولكنه مسئولية المواطنين أيضا، حيث تقوم الشرطة بحملات لتشجيع المواطنين للتعاون معها بالإبلاغ عن كل ما يثير الريبة أو الشك فى الشوارع والأحياء التى يقيمون فيها، وتستعين فى سبيل ذلك بالمشاهير والممثلين، والى جانب ذلك تستمر السلطات فى اعتمادها على ما يعرف بعسكرى الدرك الذى يقوم بدوريات ليلية يجوب فيها شوارع منطقته وهو ما يزيد من الاحساس بالانضباط والأمان، فضلا عن تميزها بالانتشار الواسع لنقاط الشرطة الصغيرة المعروفة باسم «الكوبان»، وهى مراكز شرطية صغيرة المساحة للغاية توجد أمام جميع محطات القطارات، ولا يقتصر عملها على المراقبة والعمل الأمنى فقط بل تقدم للمواطنين جميع أنواع المساعدة المتوافرة والمطلوبة.

وكلها عوامل اسهمت فى ترسيخ صورة المجتمع الآمن فى أذهان المواطنين والزائرين على حد سواء، رغم بعض الحوادث النادرة كتلك التى حدثت مؤخرًا.

ومع أن الكشف عن ملابسات الحادث يعد كافيا لإغلاق هذا الملف، كونه حادثا جنائيا قام به شخص مختل، الا أن ذلك لم يمنع حالة القلق التى انتابت الجميع، كونه جاء فى أعقاب تطورات سياسية هامة يشهدها المجتمع اليابانى، سواء تلك المتعلقة بالحياة الحزبية أو الاشارات المتفرقة التى تظهر بين الحين والاخر حول العائلة الامبراطورية وولاية العرش. وكان الحدث السياسى الهام الذى حظى باهتمام المراقبين والمحللين فى الداخل والخارج بل واعتبروه علامة فارقة فى الحياة السياسية فى اليابان هو، فوز الإئتلاف الحاكم فى اليابان فى الانتخابات البرلمانية التى جرت مطلع الشهر الحالى بثلثى المقاعد، وهى أغلبية يمكن أن تسمح له بالبدء فى مراجعة القيود الدستورية المفروضة على العمليات العسكرية فى الخارج، والتى وضعت بعد هزيمتها فى الحرب العالمية الثانية، حيث يمكن القول إن هذا التطور دق جرس إنذار لدى جيران اليابان فى منطقة جنوب شرق أسيا، الذين اعتبروا أن هذا التطور يمكن أن يشكل خطرًا على اليابان وعلى استقرار المنطقة، فى اسقاط واضح على الماضى الاستعمارى لليابان والذى مازالت بعض الدول تطالبها باعتذار واضح وصريح عنه.

هذا التوجه القلق من قبل جيران اليابان يقابله أيضا قلق فى الداخل مما يمكن أن تحدثه محاولات تعديل الدستور من مشاحنات سياسية داخلية، ما بين مؤيد لهذا التوجه ومعارض له حيث ينظر المحافظون للدستور، على أنه رمز مهين لهزيمة اليابان فى الحرب، بينما يعتبره المؤيدون مصدرًا للسلم والديموقراطية فى فترة ما بعد الحرب، خاصة وأن هذا الفوز دعم من قبضة رئيس الوزراء «شينزو آبى» على السلطة. وكلها مخاوف أوجدت حالة من الترقب فى أسواق المال خشية أن يؤدى طرح هذا الموضوع لصرف اهتمام رئيس الوزراء عن خطط انعاش الاقتصاد المطلوبة. وهو ما دفع رئيس الوزراء وكبار الشخصيات فى الحزب للتأكيد على أن تعدديل المادة التاسعة المتعلقة بالتوجه السلمى للبلاد لن يمثل أولوية فى المرحلة القادمة. فضلا عن تأكيدات آبى نفسه بأنه من المبكر للغاية الحديث عن تعديلات محددة فى الدستور مشيرا إلى أنه مازال أمامه عامان فى رئاسة الحزب، وأن التعديل كهدف للحزب يجب أن يتم التعامل معه بهدوء.

فاذا أضفنا الى ذلك تصاعد المخاوف العالمية من تفشى الإرهاب، واعتبار السلطات اليابانية أنها ليست بمأمن تام من هذا الخطر، خاصة بعد تعرض اثنين من مواطنيها للذبح على يد تنظيم داعش الإرهابى فى العراق العام الماضى، وهو ما سلط الضوء على الخطر الذى يحيط بالمواطنين اليابانيين فى الخارج، ودفع الحكومة لتشكيل وحدة دولية لمكافحة الإرهاب تعمل اساسا فى مجال جمع وتحليل المعلومات، فى خطوة تأتى فى اطار سعى الحكومة لاتخاذ جميع الاجراءات التى من شأنها منع الإرهاب وحماية المواطنين من أى خطر، فضلا عن تعهدها بالعمل مع دول العالم لمكافحة الإرهاب ومنع أى عمليات ارهابية، وإعلانها اتخاذ خطوات لتحديث قدرتها على جمع المعلومات الاستخباراتية.

وكلها تحديات تدفع للتساؤل عما إذا كانت ستدفع باتجاه فتح ملف تعديل الدستور بكل ما سيصاحب ذلك من جدل وصخب سياسى متوقع أم لا؟ وهو تساؤل ستجيب عليه تطورات الأيام المقبلة على الصعيد الأمنى والسياسى.

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق