رئيس مجلس الادارة

أحمد السيد النجار

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

بريد الجمعة يكتبه : أحـمـد البـــرى
حـب الخـريف!

فى سن الجلال والاحترام تشتد حاجة المرء إلى شريك حياته طلبا للإيناس، والشعور بالراحة والطمأنينة، ففى هذه السن المتقدمة ينصرف الجميع إلى مشاغلهم، ويظل الرجل المسن والمرأة العجوز اسيرين للوحدة القاتلة، هنا يكون زواج «الونس» ـ إن صح التعبير ـ هو الحل المناسب لكليهما، ويتطلب هذا الزواج مرونة من الطرفين وعدم التمسك بالماديات، وتقريب المسافات، وإيثار كل منهما الآخر، فيواصلان معا مشوار الحياة فى هدوء وسكينة، وإليكم الرسالة التالية:

أنا طبيبة أكملت سن السبعين، وقد جلست إلى نفسى، واسترجعت شريط ذكرياتى، ووجدتنى أكتب إليك حكايتى التى قلبتها صفحات الزمان بكل مافيها من قسوة وألم ومفاجآت غير متوقعة، وصفعات هزت كيانى، وزلزلت حياتى، ثم هاأنا أتعرض لصفعة جديدة تكاد تدمر البقية منى كعجوز تحاول أن تلتمس الراحة والهدوء فى آخر محطات العمر، وقد بدأت قصتى منذ تخرجى فى كلية الطب، حيث تقدم أحد الشباب إلى أبى طالبا الزواج منى، ولم تجد أسرتى فيه ظاهريا ماتعيبه عليه، ولا على أسرته، فوافقت على ارتباطنا، وحاولت أن أتأقلم على حياتى الجديدة، وتغاضيت عن أشياء كثيرة، وأنجبت ولداً وبنتاً، ولكن للصبر حدود، إذ ضقت بتصرفاته معى، وتأكدت أن الحل الآجل أو العاجل هو الطلاق، واجتمعت العائلتان، وذهب كل منا إلى طريقه، وكان طريقى واضحاً، إذ كرست حياتى لابنىَّ وربيتهما بمفردى، ودون سند ولا معين إلا الله عز وجل، وتخرج ابنى فى كليته، وسافر إلى دولة أوروبية واستقر بها، واستكمل دراساته العليا، وعمل فى إحدى الوظائف المهمة، وتخرجت ابنتى هى الأخرى وتزوجت فى إحدى محافظات الصعيد، وشغلت نفسى بالعمل حتى بعد سن المعاش.

وخلال رحلتى فى الحياة عرفت زميلاً لى فى العمل، وهو فى الوقت نفسه جار لنا، وربطتنى به وبزوجته صداقة وطيدة، وكانت هى نعم الجارة والأخت والصديقة لى، وكانت أسرتها أقرب لى من أهلى، وعشنا وربينا أولادنا معا، وامتدت صداقتنا عشرين عاما حتى رحلت عن الحياة، وبكيتها كثيراً. ولا أبالغ إذا قلت لك أننى بموتها أحسست أننى انقطعت من شجرة، وان منبع الحنان والطمأنينة الوحيد فى حياتى قد جف، فلم أجد بعدها من أبثه همومى، ولا من أشكو إليه متاعبى، وبعد عام على رحيلها جاءنى زوجها، وأفاض فى شرح مابيننا من صلة، وأنه هو أيضا تقطعت به السبل، ويريدنى زوجة له يستكمل معها مشوار الحياة بما فيه من مودة ورحمة، فرددت عليه بأننى لم أفكر فى الزواج بعد انفصالى عن زوجى، وأننى تعديت سن الستين بعامين، كما أننى أكبره بعام ونصف العام، فابتسم قائلاً إنه يعلم ذلك ولا يهتم به حيث إننا تخرجنا فى الكلية نفسها، وكان من الممكن أن نتعارف ونتزوج وقتها، لكن تصاريف القدر جرت بما قدره الله لنا، فأمهلته إلى حين إتمام زواج ابنتىّ، وقد أقمت لها حفل زفاف كبيراً وسعدت بها، وبشقيقها الذى جاء من الخارج خصيصاً لمشاركة أخته فرحتها، وبعد أن أنهيت مهمتى تجاه ابنى، حان وقت حسم أمر الزواج، فأديت صلاة الاستخارة، وارتاح قلبى لهذا الارتباط طلباً للصحبة والإيناس.

واتصلت بأخوتى، وأبلغتهم بأمر زميلى وجارى، فوافقوا عليه، وأثنوا على أخلاقه وقالوا لى إنهم يعرفون عنه كل خير، ولكن لم يعلق أحد منهم على تفاصيل الارتباط سوى أختى الكبرى التى سألتنى: على أى شىء اتفقتما؟، وهى بالطبع تقصد الماديات، فرددت عليها بأننا لم نتفق على شىء، فقالت: إن الزواج عقد، وكل عقد له شروط، فأفهمتها أن ارتباطى بهذا الرجل بالذات له وضع خاص، إذ أننى أعرف عنه كل شىء، وهو ابن أصول، وسوف يعطينى أكثر مما أطلبه، فعرضت علىّ أن يكون زوجها هو الوسيط بيننا بصفته كبيرنا، وحينئذ سيكون بإمكانه أن يتفق معه على التفاصيل الخاصة بزواجنا، فلم أقتنع بأن أفعل ماتشير علىّ به، ووجدتنى أقول لها : أنت لا تعرفين كيف كان يتعامل مع زوجته وأولاده ومن ثم فلا حاجة لى لإملاء شروط عليه.

وتطرق حوارى مع أختى إلى جوانب كثيرة، وأكدت علىّ ألا أضع نفسى مكان زوجته الراحلة، فقد كانت قريبته وأم أولاده، وكان يحبها كثيراً، وانتهت جلستنا بإصرارى على موقفى فثقتى فيه جعلتنى أضعه فوق كل الرسميات، وظل حسن الظن به هو الغالب عندى، وكان وقتها يقوم بتشطيب منزله، ويسكن فى شقة فى المنزل الذى أملكه، فأجلنا الزفاف إلى حين إتمام بيته، ومرت أيام سادها الحديث عن الهدية التى سيقدمها لى بمناسبة الزواج، وسألتنى صديقاتى وشقيقاتى : ألن يحضر لك هدية بهذه المناسبة؟، فرددت عليهن، طبعا، ومرت الأيام واقترب موعد عقد القران، فإذا به يتجاهل هذا الأمر تماما. وربما لم يخطر بباله، فأرجعت ذلك إلى احتمال قلة «السيولة النقدية» معه، إذ كان قد انتهى لتوه من بناء البيت، وفسرت الموقف بأنه ليس لديه مايكفى ثمن هدية ذهبية ! فسارعت إلى شراء مايليق بى وبه، وادّعيت للجميع أنه الذى اشتراه لى، وعندما ألتقيت معه قلت له إننى أعلم أن المبانى أرهقته مادياً، وأننى لا أريد أن أسمع كلمة من أحد، ولذلك اشتريت ذهبا لى باعتبار أنه هو الذى أهدانى إياه، فأثنى على تصرفى، وقال بالحرف الواحد «الذهب ده ثمنه عندى, وهو فعلا هديتى إليك, وانتقلت إلى بيته، ووجدت أن ابنه الأكبر يسكن فى شقة مستقلة ومتزوج ولديه طفلان، والثانى خاطب ويستعد للزواج وله شقة مستقلة أيضا، أما الأصغر فمازال فى مرحلة الجامعة وهناك شقة خاصة به، لكنه يعيش مع أبيه فى شقته، وتبين لى أن زوجى لديه هوس بفكرة جمع أبنائه وتناول الطعام معهم على مائدة واحدة ووجدتنى أقضى معظم الوقت فى المطبخ لإعداد الوجبات وغسل الأطباق !

وبعد أقل من شهر وجدته يقول لى بلا مناسبة «عمرك شفتى راجل بيجيب ذهب لواحدة عمرها ستين سنة»، فأصابنى الذهول والخرس فى آن واحد، إذ لم يجد أسخف من هذه العبارة حتى يتنصل من وعده لى، ولو أنه تناسى الأمر، ولم يقل شيئاً لكان أهون علىّ بكثير من كلامه القاسى الذى يؤكد أنه لا يتحسس كلماته قبل أن يقولها حتى لمن تحمل له الحب والتقدير.

وابتلعت هذا الموقف المرير، وحاولت ألا يؤثر على علاقتى به التى لم تبدأ بعد، ومرت الأيام، وتزوج ابنه الثانى، ثم رزقه الله بطفلة ولدت بعيب خلقى فى القلب، وعندما فحصها الأطباء أفادوا بأن حياتها فى خطر، وتحتاج إلى جراحة عاجلة فى دولة أوروبية مشهورة بهذا النوع من الجراحات، وأحسست بأنه لا يملك المال الكافى للسفر، فذهبت إلى البنك الذى أدخر مبلغا به، وسحبت ألف يورو، ووضعته فى مظروف، ولم أخبر زوجى به، وحين ذهبنا لتوديعهم فى المطار، فوجئ بى، وأنا أعطى إبنه هذا المبلغ، فنظر إلىّ، وبدا لى أنه استعاد موقفه من الهدية التى لم يشترها لى، وقارن بين موقفه منى، وموقفى من حفيدته، ولكن يبدو أننى تخيلت شيئا، والواقع شىء آخر، وأن مثله لا يفكر إلا فى نفسه، وبأننى بالفعل كما قالت أختى, لست فى وضع زوجته الأولى، فلقد مرضت، وتقررت لى عملية تبديل مفصل الركبة، وجمعت معلومات كثيرة عن هذه الجراحة من خلال صفحات الانتر نت، ولما أخبرته بما قرأته لم يدعنى أكمل جملة واحدة فى كلامى إليه، وقاطعنى قائلا: «ده موضوع يخصك، اتصرفى فيه زى مايعجبك»!، وهنا جفت الكلمات فى حلقى، ولم افتح هذا الموضوع مرة أخرى، بل ولم تجر لى الجراحة حتى الآن, ومازلت عاجزة عن الحركة السليمة!.

ومنذ عام ابتلانى الله بالمرض الخبيث، وبدلاً من أن يؤازرنى ويساندنى فى محنتى، فإننى عانيت من تصرفاته وتجاهله لى الكثير، ولو حكى لى أحد أنه فعل ذلك مع جار له، أو قريب ماصدقته، وسألت نفسى: لو أنه هو الذى ابتلى بالمرض أكنت سأتخلى عنه، وهل كان يقبل منى أن أعامله بطريقته؟، إنه لم يستفسر عن أية ماديات خاصة بالعلاج، وحين جاء يوم العملية الكبرى، لم أجده بجوارى، فذهبت إلى بيتى الخاص، وأخبرت ابنى وابنتى بأمرى، فجاءانى، وظلا معى، أما هو فقال لى كلاما مقتضبا بأن أذهب إلى المستشفى مع ابنى، وبعد أن أتخذ إجراءات الدخول، وأكون فى الغرفة الخاصة بى، أتصل به، أى بعد أن أكون قد سددت مبلغا فى حساب المستشفى تحت العلاج!

لقد أدركت بعد ثمانى سنوات من ارتباطى به أننى تزوجت شخصا آخر غير من عرفته على مدى عشرين عاماً، شخصا كان هدفه بعد رحيل زوجته أن يجد بديلة لها بـ «بلاش» وفى الوقت نفسه تعيش معه ولا تكلفه شيئاً.. يعنى تخدم بـ «لقمتها»، لدرجة أننى حينما كنت أختنق من طول الحبس فى البيت، أرتب رحلة لنا نحن الاثنين فى مستوى متميز، وأدفع تكاليفها بالكامل، وأحدث نفسى قائلة : يكفينى أن يأتى معى ويكون إلى جوارى، أما هو فلا يبالى فلديه متعه الخاصة، ورحلاته المستمرة، وله رحلة كل شهر مع أصدقائه وأيضا بصحبة أبنائه حيث يذهب معهم للنزهة أحيانا، وإلى المصايف فى فترة الصيف، وأبقى وحيدة أعد موائد الطعام لمن يذهب، ومن يجىء!

أما علاقتنا الخاصة فلها مفهوم غريب لديه، إذ يعتبرها منّة من الرجل للمرأة يجب أن تشكره عليها، بل وتقدم له كل فروض الولاء والطاعة!، لقد بلغ السيل الزبى، ووصلنا الى «قرار الانفصال»، وكل منا لديه ما يبرره، وبالنسبة لى أعتقد أنه استنفد غرضه منى، إذ ماذا يفعل بامرأة عجوز ومريضة ؟.. وأنا الآن موجودة فى بيتى الذى عشت فيه عمرى، وأجدنى مرتاحة نفسيا بعد ثمانى سنوات من الحياة فى بيت قطاع عام، أعمل فيه خادمة لأولاده وأسرهم، ويعيش معنا ابنه الذى يقترب من سن الثلاثين فى الشقة نفسها.. لقد كنت أنشد الصحبة والونس، فلم أجد غير الخدمة وشر أنواع البخل.

وكلما تذكرت الأعوام الماضية أقول فى نفسى : هل تناسى كل ماقدمته له ؟ لعله فتح دولاب ملابسه، وتذكر الهدايا الذى اشتريتها له من مصر والخارج عندما كنت أزور ابنى فى إحدى الدول الأوروبية، وابنتى التى قضت فى أمريكا فترة بصحبة زوجها الذى كان يدرس الدكتوراه هناك، فالحقيقة أننى عشت لحظات سعادة لا تغيب عن ذاكرتى، وأنا أنتقى له فى كل مرة هدية ثمينة، وحينما كنت أتردد أحيانا فى شرائها لغلو سعرها، تعاتبنى نفسى على مجرد هذا التفكير وتحدثنى قائلة : إن لم يكن فلان من يرتدى هذه الماركات، فمن يرتديها إذن ؟.. ولكن حالى تبدلت تماما ففى آخر مرة سافرت فيها كنت أنظر الى المعروضات الرجالى قائلة «خسارة فيه» ! فما أبعد المسافة بين مشاعر كانت عامرة بالحب والمودة والرحمة، ثم أصبحت بلا طعم ولا معنى ولا حياة، فلقد حرمنى بغبائه العاطفى من كل شىء حتى من متعة انتقاء هدية لمن كان عزيزاً علىّ !. إنها ليست قضيتى وحدى وإنما هى مشكلة تؤرق الكثيرات من أمثالى وإنى أسألك : كم تحتاج المرأة من الوقت لتعرف وتصل إلى مايشبه اليقين بأن الرجل الذى يتقدم للزواج بها، عازم على إسعادها وتوفير الأجواء الهادئة لراحتها، وخاصة إذا كان مشروع الزواج هو مااصطلح على تسميته «زواج الونس»؟!

ولكاتبة هذه الرسالة أقول:

جوهر مشكلتك انك بنيت زواج «الونس» من زميلك وجارك القديم على القلب انطلاقا من افتقادك الحب والعاطفة منذ طلاقك من والد ابنيك فى فترة الشباب، فلقد كرست حياتك لتربيتهما حتى صار لكل منهما شأن كبير وأسرة سعيدة ومستقرة وتلفت حولك فإذا بك تتذكرين أن من حقك بعد الحرمان الطويل من العاطفة, الحب فى خريف العمر، وليس «الونس» فقط، أما زوجك الحالى فبنى ارتباطه بك على العقل سعيا وراء من تعوضه عن زوجته الراحلة، التى يحمل لها كل ذكريات الحب والمودة والرحمة، وكانت بالنسبة له منبع العطاء النفسى والجسدى ولم تدخر جهدا فى سبيل إسعاده وراحته، وأنت تعلمين ذلك، وكذلك أختك التى فهمت وضعه الحقيقى، فأشارت فى ثنايا حديثها معك إلى أن زوجته الراحلة كانت لها مكانة خاصة عنده، وهذا أمر طبيعى بين زوجين متحابين أكملا مسيرتهما فى الحياة إلى أن أراد الله أن يسترد الزوجة حينما حان أجلها.

وهذا الفارق الكبير بين اتجاه مشاعر كل منكما للآخر أحدث فجوة عميقة فى نفسك، إذ لم تجدى الرجل الذى عرفتيه طوال عمرك كزميل وجار عند الصورة الذهنية التى اختزنتها ذاكرتك عنه، وإنما وجدت انسانا آخر لا حساب للعاطفة لديه، ويزن كل شىء بميزانه المادى فبخل عليك بهدية ذهبية، وتقاعس عن الذهاب معك إلى المستشفى لكى لايدفع مبلغا تحت حساب العلاج، وأرجأ مجيئه إليك إلى ما بعد أن تستقرى فى حجرة بالمستشفى، وتجاهل متاعبك فى الركبة، وغير ذلك مما أوغر صدرك ناحيته، والحقيقة الغائبة عنك هى أنه مثل كثيرين من الرجال الذين ينتظرون من زوجاتهم أن يشاركنهم فى المعيشة الزوجية، فبرغم ما لديك من إمكانيات كبيرة لم تفكرى فى المساهمة فى متطلبات المنزل وغيرها من الأمور التى تحدثت عنها، ليس لأن زوجك فى حاجة إلى المال، ولكن لكى يشعر بأن زوجته تقدم له العون، ولا تبخل عليه بشىء، صحيح أنك ساهمت فى الجراحة التى أجريت لحفيده فى الخارج وانك اشتريت له هدايا من الخارج، لكن الصحيح أيضا والذى غاب عنك هو أنك كنت تتركينه فترات طويلة عندما تسافرين إلى ابنك أو ابنتك فى الخارج، وكان البيت يخلو عليه بالشهور، فأين «الونس» إذن وحياتك معه لاتستقر على حال؟، وكذلك ذهابك المستمر إلى بيتك عندما يزورك ابناك، وانعدام التواصل بينهما وبين زوجك ساهم أيضا فى زيادة الجفاء بينكما، ويبدو لى أيضا أن علاقتك بأبنائه ليست على مايرام، خصوصا ابنه الأصغر الذى لم يتزوج بعد، كل هذه عوامل أدت إلى فتور علاقتكما، كما أن علاقتكما الخاصة تأثرت بالحالة المزاجية التى وصلتما إليها، فهذه العلاقة لا تخضع لقواعد محددة، وليست منّة من أحد الزوجين على الآخر، ولا تتحقق لمجرد أنها حق لكلا الطرفين، وإنما تكون نابعة دائما من الألفة والمودة والتواصل الروحى بينهما.

وليس معنى سوء التفاهم فى بعض الأمور أن تنفصلا، ويذهب كل منكما إلى سبيله، فالأمر أكبر من ذلك بكثير، وتستطيعان تقريب المسافات بينكما، وليكن العتاب الرقيق سبيلكما إلى المصارحة بما فعله كل واحد، إيجابا وسلبا، وأخذا وعطاء، وقولا وفعلا، فالصراحة تصفى النفوس، وتعالج مايعلق بالقلوب والعقول من ظنون سيئة على غير الحقيقة والواقع، فأقوى نزف للقلب أن تعطى المرأة مشاعرها لإنسان ترى فيما بعد أنه لم يكن يستحقها، وأصعب ألم فى الوجود أن يقتلها حب زائف، فلقد ارتبطت بزوجك وأنت ترين فيه الصدق والوضوح، ثم إذا بك تكتشفين أنه ليس الانسان الذى تصورته على مر الزمان, وهو إحساس قاتل أحسب أنك مطالبة بإعادة النظر فيه على ضوء ما تكشف عنه «جلسة المصارحة المأمولة»، فبالحوار الإلحاحى وحده تلين القلوب والعقول، ويزيل المرء الغشاوة التى تغطى عينيه فلا يرى الأمور على حقيقتها.

أما عن سؤالك عما تحتاجه المرأة من وقت لكى تصبح على يقين من أن الرجل الذى تقدم للارتباط بها قادر على إسعادها، فإن هذه المسألة لاترتبط بزمن، ولا بمهلة محددة فجميع الزيجات تكون سعيدة فى بداياتها، لكن العيش معا بعد ذلك هو الذى يسبب المتاعب بناء على عدم انسجام الطرفين، وتباين رؤاهما تجاه جوانب الحياة، والزواج الناجح ليس فقط الذى يخلو من المشكلات الدائمة، وإنما هو الذى يعاد بناؤه كل يوم، مع ترميم كل جزء يتهدم فيه بفعل الزمن، فأرجو أن تتريثا فى مسألة الانفصال، وليدرك زوجك إنه إذا كان يتمتع بصحة جيدة اليوم، فلا يدرى كيف ستكون حاله غدا، فربما يغادر الدنيا كلها، وهو فى أوج صحته، وقد يتعرض لأزمات صحية يعيش بها حينا من الدهر، فمرضك وكبر سنك لايمنعان أن تواصلا حياتكما الزوجية بالروح الجميلة نفسها التى أسستما بها بيتكما قبل ثمانى سنوات.

إن الزواج حق يكفله الله للرجل والمرأة، وليس معنى أن يصل أحدهما إلى سن متقدمة ويصبح وحيدا، أن تتوقف حياته، ويقبع فى بيته منتظرا الموت، فمادامت الحياة تدب فيه، فمن حقه أن يتزوج من شخص يتخلص معه من عذاب الوحدة ومرارتها، وليس من حق الأبناء أن يرفضوا ذلك ولا أن يكون لهم دخل فيه، فهذا القرار لا يفصل فيه إلا الرجل والمرأة المسنان، فهما الأكثر إحساسا بما يعانيانه، وبما ينقص حياتهما، ولكل مرحلة عمرية نوع من الحب والعاطفة، فالطفل يعرف مشاعر حنان أمه ويتعلق بها، والشاب يكون حبه لمن يرغب فى أن تشاركه حياته وتبنى معه أسرة مستقرة وسعيدة، أما مشاعر الحب فى مرحلة الشيخوخة فتتمثل فى المودة والعطف والحنان.

هذا هو المقياس الحقيقى لزواج «الونس»، وأحسب أنك تدركينه جيدا، وكذلك زوجك، الذى أرجو أن ينزع عنه الغطاء المادى، وأن يتعامل معك بمنظور آخر، فلقد أدى مهمته تجاه أبنائه، كما أديت دورك تجاه ابنيك، ولن تسعدكما الأموال والعقارات، فمصيرها إلى زوال، وتبقى الكلمة الطيبة الصادقة التى تولد المودة ومن ثم الرحمة، وهناك معنى خفى يكمن فى تقديم القرآن الكريم كلمة المودة على كلمة الرحمة، وذلك لأن المودة بمثابة الوضوء والطهارة والاستعداد، والرحمة بمثابة الصلاة، وإذا لم يكن قلبا الرجل والمرأة مليئين بالحب والمودة لبعضهما سواء فى الغياب أو الحضور، فمن المستحيل أن يرتبطا بأواصر المنفعة المادية والاجتماعية، أو أن ينجحا فى تحقيق السعادة المنشودة، ومن هنا اعتبرت الآية الكريمة «ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة إن فى ذلك لآيات لقوم يتفكرون». الرجل والمرأة متساويان فى حصيلة السكينة والمودة والرحمة التى يجنيانها فى ظل الزواج، ويكفيكما سنوات المعرفة والصداقة الطويلة، والعشرة الزوجية التى دامت ثمانى سنوات حتى الآن لكى تعيدا النظر فى الخلافات البسيطة التى نشبت بينكما، وأسأل الله أن ينصركما بالحب والطمأنينة والسكينة على متاعب الحياة، وأن تواصلا الإبحار معا من جديد فى «نهر الحياة»، والله الموفق وهو وحده المستعان.

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق