رئيس مجلس الادارة

أحمد السيد النجار

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

القلال البغدادية

{ منذ فترة كنت فى طريقى إلى وسط القاهرة، فأدركنى موعد صلاة الجمعة، وكنت قريبا من كوبرى قصر النيل، والكازينو الشهير بجواره يرتفع منه صوت الخطيب، وتعجبت أن يهتم مكان للهو وقضاء الوقت على ضفاف النيل بمثل هذا السلوك الجميل، وفرحت، فركنت سيارتى ودخلت

وكان الخطيب يرتدى جلبابا أبيض قصيرا، والطاقية الباكستانية تهتز وتسقط على كتفه كلما ارتج فى حديثه، واندهشت من حديث الرجل وهو يركز موضوعه حول «الاستنجاء» والغسل من الجنابة، والعلاقة الزوجية.

وكان يصرخ قائلا: إن من يذهب إلى الغائط ـ مكان قضاء الحاجة ـ عليه أن يتطهر بالحجر الأملس الناعم، ويكره الحجر الخشن، ويجزئ له ثلاثة أحجار ملساء، وأكد أن الحجر أجدى فى الطهارة وأمكن فى التطهير، وليس هناك ما يمنع من أن يحتفظ كل مسلم بعدد من الحجارة لهذا الغرض.ثم انتقل إلى الغسل من الجنابة فقال: إن الغسل يجزئه ملء ثلاث قلال بغدادية بالماء، وهذا الماء الذى يغمره يكفيه ويرفع الحدث الأكبر، ثم نبه بشدة محذرا المسلمين من اللعنة التى تلحق بهم إذا أتى الرجل امرأته من دبرها.

وظل الرجل يكرر عددا من الأمور التى تحدث بين الرجل وزوجته دون مراعاة للذين يرتادون المكان وفيهم النساء «متزوجات وآنسات».

{ وهكذا اختزل الخطيب قيم الدين فى مثل هذه الأمور الفرعية وأعاد إنتاج خطاب قديم لم تتوافر فيه كل إمكانات الطهارة، ثم أين هى القلال البغدادية ليملأها المغتسل بالماء؟.. والماء ينساب أمامنا زلالا ومتاحا لنا أن نتطهر به ونغتسل، بل وأكد رسول الله ذلك للمستطيع، عن أبى هريرة قال: كان النبى صلى الله عليه وسلم «إذا أتى الخلاء أتيته بماء فاستنجى».

هل هذا الحديث هو الخطاب الصحيح الذى نتوجه به إلى العقل فى العصر الحديث بل وفى أى عصر؟.. أين خطباء المساجد من واقع الناس ومشكلاتهم وتنوع معاملاتهم واختلاف مفردات حياتهم، وموقف الدين منها؟.. أين الحديث عن مكارم الأخلاق، والسماحة، والمحبة، ورعاية الجار، وكفالة الفقير، وخدمة الجماعة، وإقامة المشروعات الخيرية، والدعوة إلى السلام، وبيان أثر الخلق فى إشاعة المحبة والألفة بين الناس على اختلاف مشاربهم ومذاهبهم؟.. لقد خاطب الله رسوله بقوله: (وإنك لعلى خلق عظيم)، وكان صلى الله عليه وسلم يقول: (إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق)، وهذا الجانب يشكل المسلم الواعى المستنير، المتسامح، المحب، البعيد عن ضيق الأفق وضحالة الإدراك، والذى هو وراء كل عنف ومصيبة. إن هذا النوع من الخطاب الدينى المنتشر فى الزوايا، والأركان، والمساجد الصغيرة، وسراديب العمارات، يجعل ـ فى ظل انحسار دور المؤسسة الدينية ـ من الخطيب أو الإمام ـ منغلق الفكر ـ المرجع، والملاذ الذى يلجأ إليه الشباب، فيسد الفراغ الدينى الذى يحياه، فيملأ وجدانه، ويغطى تساؤلاته وفق منهجه المنغلق، فينقاد، ويقع تحت سلطة النموذج الذى يقدمه أمثال هؤلاء الخطباء.إننا نحتاج إلى خطاب دينى جديد، وإعداد جديد لرجل الدين المنوط به مخاطبة الناس، وتأهيله بمعطيات العصر الثقافية، والاجتماعية، والاقتصادية، والسياسية.. ومثل هذا التوجه التنويرى لا تقوم به المؤسسة الدينية فقط، بل كل أجهزة الدولة التى تسعى إلى تنوير العقل، وإحياء الضمير، وقطع الطريق أمام التعصب والعنف والجهالة الدينية.

الأديب ـ محمد قطب

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق