رئيس مجلس الادارة

أحمد السيد النجار

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

بريد السبت يكتبه - أحمد البرى
الإبداع الفطرى

لم تكن هى أغانى عبدالوهاب وأم كلثوم، ولا أغانى داليدا، وبنج كروسبى، إنما هى أغانى الباعة الجائلين الذين كانوا يفدون إلى مصر الجديدة فى ثلاثينيات وأربعينيات القرن الماضى قادمين من عزبة الزيتون والمطرية والقلج،

وكل منهم يحمل سبوبته على رأسه أو على عربة صغيرة.. كان بائع الجميز ينادى على سبوبته «لاتين ولاعنب زيك ياجميز يا أحلى من التين ياعسل» تحسبه ينادى ولكنه فى الحقيقة يتغزل فى الجميز الذى رصه على «مشنته» رصا جميلا وكان صوته الجميل وهو يغنى يطربنى ويتوافد عليه الناس، «هات بمليم ياعم» فيتناول ورقة من كراسة من كراريس المدارس، ويتفنن فى لفها يعمل منها قرطاسا سعة جميز بمليم، وما ان يعطيه كل منا المليم حتى يقبله ويمس به جبهته ثم يضعه فى «كوز» أمامه، ويضع ثلاث ثمرات من الجميز فى القرطاس وما أن يمد المرء يده لتناول القرطاس حتى يضع جميزة رابعة ويقول «دى فوق البيعة»، ثم ينطلق صوته بالغناء.
وكان بائع البطاطا ينادى على سبوبته وهى على عربة عليها فرن على هيئة قاطرة السكة الحديد، «بنار الإكس البطاطا عسلت منى أوى» وكانت بائعة الفجل، وبصوتها الجميل تنادى على الفجل «بطينه ولا غسيل البرك»، الكل يغنى وهو ينادى على سبوبته، أصوات بكر تنطلق فى صفاء وفى جو نقى لاعوالق فيه. ولأن عباس محمود العقاد كان من سكان مصر الجديدة فقد شدته هذه النداءات والأغانى وانفعل بها، فأشار على الشاب لويس عوض وكان حاضرا فى صالونه الأدبي، ومزمعا السفر إلى جامعة كمبريدج لنيل درجة الدكتوراه.. بدراسة نداءات الباعة الجائلين ودلالتها على مناخ سائر مولد للإبداع.. وكأنى بالعقاد قد ادرك المعانى من هذه النداءات، ومدى تواقفها مع المناخ السائد فى ثلاثينيات وأربعينيات القرن الماضي، والمولد للإبداع.
فقد سبق هؤلاء الباعة الأميون بعشرات السنين، المشرع المصرى الذى أصدر قانونا بضرورة ذكر منشأ السلعة أو مصدرها، فأدركوا أهمية أن يعرف المشترى منشأ ومصدر مايبيعون حرصا على الاطمئنان ومنعا من الغش، فكان نداؤهم، المنفلوطى يارمان, المنياوى ياأصب، الشمام الباسوسي، المطراوى يا ملوخية الهندى يامانجة.. الخ فهل هناك إبداع أبدع من إبداع سابق لعصره أبدعته الفطرة.. وليس ذلك فحسب، بل أن هؤلاء الباعة هم أول من فكر فى توصيل الطلبات للمنازل (الدليفرى) فكانوا يجوبون الشوارع بسبوبتهم حتى إذا نادت عليهم ربة البيت أو الخادمة، يصعدون تلبية لطلبها، إلى الأدوار العليا.
أما المناخ السائد فى ذلك الزمن الذى أطلق عليه وبحق الزمن الجميل، فقد كان الشعار السائد «أحرار فى بلادنا كرماء لضيوفنا», حيث كانت مصر تنعم بالحرية بعد انتهاء التبعية للدولة العثمانية وكانت سلة الخبز والقوة الناعمة التى أثرت من حولها من الدول, ولم تكن طاردة لأبنائها وإنما كانت جاذبة لكل شعوب الأرض، شوام وارمن و«جريج» و«طلاينة».. الخ
فى هذا المناخ السائد كان البائع الجوال قانعا راضيا بما قسم الله له، والرضا يولد الراحة النفسية, والراحة النفسية تجلب السعادة, والإنسان عندما يكون سعيدا يغنى أو يرتل أو يرقص, ولما تغير الزمن تغير كل شيء واندثرت الأغانى وغابت المعانى.

د. سعد واصف ـ مصر الجديدة

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق