رئيس مجلس الادارة

أحمد السيد النجار

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

الشارع الباريسى يحكى عن عبد الحليم:
صعلكة خاصة جدا

منير عامر
يبدو شارع الشانزليزية الباريسي كنهر من انوار تضيء ليل باريس فتجعله منافسا شرسا لشارع سان ميشيل الذي يقطع الحي اللاتيني الباريسي أيضا .

كنت أقول لعبد الحليم ونحن نقطع الشانزليزيه على أقدامنا: «هنا نجد السياح والبلهاء وأثرياء الكون والجواسيس الذين تزدحم بهم باريس ، وهم يسكنون بغالبيتهم في الحي السادس عشر على عكس الفلاسفة والطلبة وبقايا وشراذم ثوار العالم الثالث ممن يركبون في أصواتهم ميكروفونات يتم تعبئتها من المخابرات الفرنسية ، هؤلاء يسكنون الحي اللاتيني ويفقدون نداءات الثورة عند دقات الكعوب الأنثوية التي تتبخطر على المقاهي بحثا عن وليف» .

....................................................

ضحك عبد الحليم حين لمح كريستين سكرتيرة تحرير مجلة الإكسبريس تتجه ناحيتنا للتحية فهي لم تنس ماجرى ذات يوم قديم ؛ حين التقينا _ عبد الحليم حافظ وأنا _ معها على غداء أقامه كلود إستييه رئيس تحرير جريدة « ليبراسيون « ، وكان الغداء في كوخ صغير يسكنه كلود إستييه في حديقة بيت كان يسكنه فان جوخ وجوجان فوق هضبة المونتمارتر. وكان عبد الحليم قد أقام غداء فاخرا لكلود إستييه عندما جاء إلى القاهرة بمناسبة أنه الصحفي الفرنسي الكبير الذي ساند الثورة الجزائرية . وفي ذلك الغداء بمنزل كلود إستييه طمأن عبد الحليم كريسيتين لأنها كانت تبحث عن حل لمشكلة شاب فرنسي الجنسية جزائري المولد ؛ وتم القبض عليه بواسطة ثوار الجزائر ، وعادت عائلته إلى باريس تبحث عن وساطة كي تفرج السلطات الجزائرية عن الابن ، وتدخل عبد الحليم الذي كانت شعبيته في الجزائر تفوق أي وصف بعد غنائه « قضبان حديد اتكسرت « وهي التحية منه ومن بليغ حمدي لثوار الجزائر. ودائما ما كان عبد الحليم يحكي كيف دخل في أول دخول له إلى استاد بالجزائر احتفالا بعيد التحرير الجزائري الأول ، وكان بصحبة المشير عبد الحكيم عامر ، فضج الإستاد هتافا وترحيبا بعبد الحليم ، بينما لم ينتبه أحد إلى عبد الحكيم عامر نائب جمال عبد الناصر . ومن ذكاء عبد الحليم أنه كان يحكي تلك المسألة بأن عبد الحكيم عامر هو الذي رواها على مائدة العشاء السنوية على مائدة جمال عبد الناصر في ذكري ثورة يوليو.

وبالفعل تدخل عبد الحليم عند سلطات الجزائر فأفرجت عن الفرنسي ابن صاحبة الفندق في شارع سان ميشيل . قالت كريستين وهي تحيينا: « طبعا أنا لا أنسى مساهمة أي كائن شارك في إطلاق سراح سجين واحد .

ذكريات لقائنا الأول

وتركتنا كريستين لنتجه إلى مطعم « البرجولا « وهو مطعم مقبول الأسعار ويقع في أول شارع الشانزليزيه ،ضحك عبد الحليم متذكرا لقائي الأول به وكيف دعاني بعدها بيوم واحد لمشاهدة عروض كازينو الليدو ، حيث يخرج المطرب على المسرح ويدور من خلفه عرض يعبر عن معاني الأغنية . وهو عرض يتشابه مع ما يطلق عليه حاليا « فيديو كليب « ، ولأن عبد الحليم دفع في ذلك اليوم عدة مئات من الفرنكات ؛ ثمنا لعشاء ثلاثة هم عبدالحليم ومجدي العمروسي وكاتب هذه السطور ، لذلك كنت غاية في الحرج ولا أريد لكائن من كان « جميلاّ يحملني إياه ، تطبيقا لوصايا إحسان عبد القدوس بألا تكن مديونا ولو بفنجان قهوة من أحد. لذلك استيقظت في اليوم التالي مبكرا لأدق باب بيت علي السمان الذي كان يدرس الدكتوراة، وهو من فتح لي مع السفير جمال منصور فرصة عمل بالإذاعة العربية الموجهة من باريس إلى الشمال الأفريقي لأقدم عروضا للكتب العربية . اقترضت من علي السمان خمسمائة فرنك لأدعو عبد الحليم على الغداء في مطعم الفوكيت وهو يتساوى مع أكبر مطاعم العالم ، ودفعنا ثمنا لطبقي مكرونة باللحم المفروم قرابة الأربعمائة فرنك . وضحك عبد الحليم وأنا أحاسب وأكاد ألعن « الفشخرة الكذابة» ، قال عبد الحليم : كان لا يجب أن ترهق نفسك بالدعوة في هذا المطعم ، فالبرجولا مطعم أسعاره مقبولة ويقع بالقرب من قوس النصر .

وواصل عبد الحليم : أنت لا تعلم أثر كلمة «البرجولا» في حياتي ، فقبل الثورة تعرفت على محيي الدين سالم وهو شقيق كل من جمال سالم وصلاح سالم عضو مجلس قيادة الثورة ، وكان محيي الدين سالم ضابط بوليس له علاقة طيبة بعدد لا بأس به من الشيوعيين المصريين . وغنيت في تلك البرجولا «صافيني مرة» وكان ذلك الغناء في برجولا أعلى عمارة بشارع النيل . ودار يومها حوار سياسي عارم عن ضرورة الثورة ولم تكن ثورة يوليو قد قامت بعد ودعاني كاتب من الحضور لأغني في شبرا الخيمة في تجمع لشلة يسارية ، فذهبت لأني كنت أريد تجريب نوعيات المستمعين، وتكررت الحفلات في التجمعات اليسارية البسيطة التي تلتقي بشقة أي واحد منهم . وعرض علي أحدهم الانضمام لتنظيم يساري وبدأ يتحدث عن الطبقات . وكانت كلمة « الطبقات « عندي تختلف عن كلمة « الطبقات « السياسية ، فالطبقات عندي هي طبقات الصوت علوا وانخفاضا لا علاقة لها يثورة الطبقات التي في أسفل المجتمع على الطبقات الأعلى . وعندما شرحت لمن دعاني للانضمام إلى التنظيم اليساري بأني لا أجيد الحياة في السر لأني كمطرب أريد الحياة في العلن لم يغفر لي ذلك . وكان بيني وبين « اليساري « لقاء آخر في مساء 26 يناير عام 1952 وشاهدنا من برجولا ومحيي الدين سالم ونتائج مسلسل الحريق البشع لقلب القاهرة ، ولا أنسى قول اليساري لي في ذلك المساء « هكذا تكون حركة الطبقات « . وطبعا كنت أحلم مع كل الناس يالتغيير . لكن من حرق القاهرة ؟ لا أحد يعلم حتى ذلك التاريخ الذي نعيشه .

وفوجئت في مطعم البرجولا بالجرسونة التي كانت تعمل من قبل فى مطعم رخيص بالحي اللاتيني وتشاجرت معها لأنها لم تأت بسرعة عندما ناديتها . كانت « نادين « وهذا اسمها تعمل في الحي اللاتيني في مطعم صغير مشهور بشواء الدجاج على الفحم. وكنت أتناول غدائي إن كنت في الحي اللاتيني في ذلك المطعم وعندما تأخرت عن الحضور وكنت بصحبة علي السمان صرخت فيها ، فحضرت لتعطيني درسا قاسيا ، كانت تتكلم بفرنسية متسارعة ، لم أفهمها ولكني لاحظت غرق علي السمان في الضحك . عرفت منه أنها تقول لي أنها ترجوني ألا أشخط فيها كيلا تتوتر ، فتشخط هي في غيري من الزبائن ، فيطردها صاحب المطعم ، ولن تجد عملا بسهولة لأن فرص العمل بباريس صعبة ، وهي سبق أن أحبت شابا مثلي يصرخ كل دقيقة وتركها وهي حامل ولم يتحمل مسئولية الابن ، وهي مطالبة بمصاريف رعاية الطفل ، فإن فصلها صاحب المطعم فمن أين ستطعم الطفل؟. طبعا غرقت في الضحك على خطبتها العصماء تلك . وقلت لها : ها أنت قد انتقلت من الحي اللاتيني إلى الشانزليزيه ، ومن مطعم صغير إلى مطعم أكبر . قالت : دعني أرحب بضيفك الذي أعلم من ملامحه أنه سيأكل إسباكتي مسلوقا دون صلصة وقد يأكل قطعة من الجبن بعد ذلك أما أنت فتحب لحم الحصان وزجاجة المياه المعدنية . أقول لعبد الحليم إنها تشبه جينا لولو ، يقول عبد الحليم : بل هي أجمل ففيها عرق إيطالي . وعصبيتها التي حكيت عنها تشبه عصبية صوفيا لورين. أقول : عن نفسي ذهبت في الأسبوع الماضي إلى ناد صغير لصفوة الصفوة الباريسية أو الشخصيات المؤثرة ، وكان الداعي هو مستشار السفارة صلاح بسيوني بمناسبة ترقيته من رتبة سكرتير أول إلى مستشار ، وكانت هناك جينا لولو بريجدا . ولم تكن جميلة كما نشاهدها على الشاشة . قال : نادرا ما تكون الممثلة جميلة مثلما نراها على الشاشة ، إلا صوفيا لورين فهي جميلة في الواقع بأكثر مما هي جميلة على الشاشة ، ومثلها من المصريات هند رستم . أسأل : هل قابلتها بشكل مباشر ؟ قال : أنت تعلم أن مفتاحي الفني في الغرب هو صديقي عمر الشريف ، وهو من قابلت معه ومن خلاله من تمنيت لقاءهم من نجوم العالم . وقد حكيت لك كيف كان لقاؤنا مع سير لورنس أوليفيه سيد المسرح الإنجليزي ، هذا الذي يحفظ مسرحيات شكسبير كلها ويمثل أي مسرحية منها بإبداع يختلف كل ليلة عن الثانية.

مباراة فى البخل

يضحك عبد الحليم ليضيف أنت لا تعلم أن لورنس أوليفيه يمكن أن يهزم محمد عبد الوهاب في البخل ، ولكنه وأمامي عندما عزمنا عمر الشريف في لندن على العشاء وكنا نسير في الشارع نحن الثلاثة ، وأوقفنا شحاذ تحدث بتؤدة وكبرياء وهدوء عن زوجته الحامل التي تضع مولودا الآن وهو لا يجد مالا لمواجهة الظرف القاسي ، ومضى لورنس أوليفيه يحاوره والرجل يرد بكبرياء مجروح وبصوت يحاول أن يبدو ثابتا ، فأخرج لورنس أولفيه عدة عشرات من الجنيهات الإسترلينية ليضعها في يد الشحاذ ، الذي ترك لهجة التوسل المزدحم بالكبرياء ليوقف تاكسي ليقول لورنس أوليفيه: « هذا ممثل عبقري أخطأ طريقه فصار شحاذا « . فعل لورنس ذلك وهو من تركته زوجته فيفيان لي وهي الممثلة العملاقة من فرط بخله .

أقول : حظك طيب لأنك إحتفظت بصداقة عمر الشريف .

ضحك : أنا وهو أبناء عائلة واحدة هي عائلة من يحبون الكوتشينة .

........................

لقاء صوفيا لورين

كان تأثير لقاء صوفيا لورين مع عبد الحليم شديد التوهج . حكي كثيرا عنها . أتذكر تأكيده أنهما أبناء عائلة واحدة هي الكوتشينة . وكانت تنزل في فندق الرتيس , عصبية للغاية في اللعب ، لا تطيق الخسارة ولا تطيق الصلح بعد الخسارة فهي تصر على المكسب والمكسب فقط . وهي من تركت الإقامة في روما هربا من الضرائب وتتنقل بين باريس وهوليوود . وزوجها المنتج المخرج العبقري كارلو بونتي . وملامحها تتميز بوضوح يكشف أفكارها ، فهي تحكي عن نابولي وعن زوجها وعن الرجال الذين تحبهم وتصمت كثيراً لتروي أدق تفاصيل حياتها دون خجل. تغسل أعماقها بالكلام. لا تفكر في اللعب أبداً. وكان عمر الشريف يقول لها: «أنت جود لوزر». يعني إنسانة تجيد الخسارة .وكان عبد الحليم يفضل أن تجعلها تكسب حتى ينهي اللعب. ويكرر أنه من الغريب أن هواة اللعب كلهم ينسجمون معاً. يعرفون الكلام بلغة الاثنتين والخمسين ورقة وهي أوراق الكوتشينة. وهم أيضاً فقراء في بداية حياتهم. ليس الفقر بمعناه المادي؛ بمعنى الإفلاس ولكن حتى الأغنياء منهم يكونون جوعى للحنان.يضحك عبد الحليم من قلبه وهو يقول: «مازلت أذكر ملامحها عندما قلت لها «هل أنت جائعة حنان مثلي؟!فقالت: نعم.ووقت الكوتشينة هو الوقت الذي أنتقم فيه من كل شيء. ورق يهزم ورقاً. توتر يهزم توتراً. تحترف بشكل أو بآخر تعذيب نفسها وتحاول أن تنسى ذلك . الأضواء التي حولها تؤكد أنها سعيدة في الزواج من رجل عجوز ومليونير وملىء بالحياة كارلو بونتي . تردد كل ساعة: «أنا ليست لي حياة . أنا أريد أن أدخل بطن أمي وأختار حياة أخرى . تتكلم بعصبية وحاولت أن تغش في ورق الكوتشينة ولكني ضبطتها .فتضحك : أنت صاحي .خسرت كل ما معها . فقالت سألعب على كل شىء حتى أكسبكم . فركشت الكوتشينة وأعدت لها النقود التي خسرتها فشخطت: « أنا لست متسولة . أنا مليونيرة , الفيلم الذي أمثله أتقاضى فيه أجراً مثلك أربعين مرة . أخبرها عبد الحليم بأن آخر أجر له هو خمسمائة ألف جنيه . فقالت : أنا أجري نصف مليون دولار . وعندما خسرت صوفيا لورين تماماً. قالت: حياتي كلها خسارة. فهل حياتك كذلك؟

وكأنها لمست جوهر الألم في حياة عبد الحليم الذي واصل الكلام عنها . قالت أنها كانت تحس في طفولتها أنها يجب أن تكون شيئاً. رغم أنها كانت فقيرة جداً. وأنجبتها أمها دون زواج من الأب الذي ظل يعيش معهما على حساب الأم . ويصرخ كل يوم في الأم كي تعطيه نقوداً. وكانت تسمعه وهو يلقي في أذن الأم بأحط الألفاظ وكانت الأم تبدو سعيدة ؛ بينما كان القرف هو نصيبه من مشاعر صوفيا التي كانت ترفض أن تقبله ولا تنسى أنه جاء إلى أمها ذات مساء وهو يبكي ويقول لها إنه صاحب عليها فتاة في العشرين والفتاة حامل وهو يخاف من البوليس. طردته الأم وجلست تبكي، وبكت صوفيا وشقيقتها لكن الأم قالت إنها تحب هذا الرجل الذي خانها.

لا ينسى عبد الحليم قول صوفيا لورن :أليس في حياتك أحداث «مكعبلة» مثل حياتي؟

ولاينسى رده: كل واحد فينا حياته «مكعبلة» بطريقة ما.

سألته أن يحكي عن كعبلة حياته.روى لها: ليس لي أم وليس لي أب. مات الاثنان. مشهور جداً في بلادي. لكن الشهرة جاءت مع المرض. قالت: عيونك وهي تحكي قاسية بعض الشيء ولامعة جداً. هل تريد أن تبكي؟. هل تحس مثلي أن الدموع أمل؟.

وضحكت ضحكة عالية : إنني أخشى أن أبكي فيلتفت لي أحد رجال الدعاية ويضعون دموعي في بنك الدعاية وتخرج مقالات وحكايات وأحزان وأنا لم أعد أرغب في هذا . إن الجمهور كالأطفال .يتعرضون للخديعة دائماً. لا يعرفون أن الحزن هو الصديق الوحيد للفقراء جداً الذين أصبحوا أغنياء جداً. تصور أنني حزينة طول الوقت، لا أنسى أبداً أن أمي دارت بي على كل أبواب الاستوديوهات وقالت لكل الناس: «جميلة وتبحث عن ساندويتش كافيار وشامبانيا».كانت تقول هذا من باب جذب الانتباه لي . وكان جمالي غريباً جداً.

قال لها عبد الحليم: أنا لم يدر بي أحد ليطلب لي العمل. أنا الذي طلبته لنفسي وكانت الأبواب مغلقة في وجهي لكني فتحت الأبواب أمامي بأسناني.

قالت: أنا فتحت باب شهرتي بالكذب. سألوني: هل تعرفين السباحة. قلت نعم.. قالوا: ألقي بنفسك في البحر. ألقيت بنفسي. شربت الماء، ولكني عمت. تذكرت إستر ويليامز أشهر سباحة في السينما. وعمت. وأكلت يوم الشهرة الأول ساندويتش كافيار وفتحت زجاجة شامبانيا وغيرت بيتي بسرعة . كان بيتناً عبارة عن حجرة وصالة فيها بانيو صفيح تعوم فيه الكلبة الصغيرة طوال الوقت. لأن جلدة حنفية البانيو مقطوعة. عشت مع ذلك البانيو عشرة أعوام. قبل ذلك كنت أحس أن رائحته تخنقني.

روى لها عبد الحليم، كيف تتشابه حياة الفنانين وروى لها كيف كان يشعر أن الهواء في بركة الفيل فاسد غير نقي. كانت تهب أحياناً رائحة المجاري ولا مفر من النوم وسط أبشع الروائح.

قالت: تصور أن أول زجاجة برفان في حياتي دلقتها على الفراش كلها حتى تصبح رائحته حلوة!

نتكلم .. ونتفسح

قالت: هل سنظل نتكلم.. نتكلم.. ألا تعتقد أن من حقنا أن نتفسح؟!

قلت: يا ريت . وياسلام لو خرجت الصحف وقالت: أن صوفيا لورين تقع في غرام سيناترا الشرق الأوسط .

قالت: لا تذكرني به. إنه وغد يتسلل إلى المرأة.. ثم يزقها إلى رجل آخر.. إنه نذل من نوع آخر.

قلت: هل وقعت في حبه ؟

قالت: أنا لا أقع في حب أحد. أنا أحب راحتي وأنتقم جيداً من أيام الفقر.

قلت: لقد أثر فيك سيناترا جداً.

قالت: إنه ساحر مع النساء ووغد في نفس الوقت وأنت بعيونك السوداء مثلك مثله في السحر. لكن لا تكن وغداً معي. سأدعوك على مسرحية أحبها.

طلبت بالتليفون مسرحاً صغيراً في باريس يعرض مسرحية «المتوحشة» لجان أنوي .. وبالصدفة كنت قد قرأتها. ومن المهم جداً أن أقول أنني لست قارئاً جيداً. المريض بالمعدة لا يمكن أن يرى الحروف واضحة. وجلس الثلاثة لتتوسط هي بينه وبين عمر الشريف ، وتقول لعبد الحليم : ثمن هذا الفستان بربع أجر فيلم من أفلامك. هو والجوهرة التي في صدري. اقتربت منها وأنا أضحك: «أنت أغلى جوهرة أملكها يا حياتي».. قالت: أنت ظريف جداً وأخاف أن تكون وغداً. عاملني برقة. أنا زوجة أحب زوجي.

وبدأنا نشاهد المسرحية: أب ضعيف. أم لها عشيق. فتاة متشردة جميلة. الفتاة تقع في حب موسيقار مشهور ولا أنسى أنني تذكرت الشاعر كامل الشناوي. كان قد وقع في حب ملتهب مع نجاة ولكنه شعر أنه لا يمتلكها تماماً. وأن حياتها الماضية قاسية عليها. وكتب لها الأغنية التي غنيتها أنا «حبيبها لست وحدك.. حبيبها أنا قبلك.. وربما جئت بعدك وربما كنت مثلك.. حبيبها.. فلم تزل تلقاني وتستبيح خداعي». كان كامل الشناوي يعرف ان نجاة تعرضت لطفولة قاسية. كل شيء حولها كان بلا أخلاق. لكن هي غير ذلك. هي ملاك حقيقي.

كان عبد الحليم يشعر أن عواطف كامل بك الشناوى نحو نجاة تجليها وتجعلها تلمع دائما في سماء كلماته، حتى عندما تزوجت وكتب أغنيته «حبيبها لست وحدك» كنت أحس بها في خلاياه.

وكانت المسرحية تحكي عن قسوة الكبار على الأطفال. أنا متحيز جداً للأطفال. لا أطيق قسوة عليهم. خرجت من المسرحية. كانت صوفيا حزينة. لامعة. قالت: الحزن أمسك برقبتي لكني سعيدة بهذه المسرحية.

قلت: أنا أيضا.. هذا إحساسي.. ملعون أبو الاكتئاب. ضحكت قائلة: أنا لا أحب الناس الذين لا حزن لهم. إنهم كالبلاط اللامع.. لا حياة فيهم وباردون. سرنا في شوارع باريس. ليغني عبد الحليم «حبيبها لست وحدك.. حبيبها أنا قبلك وربما جئت بعدك. وربما كنت مثلك. فلم تزل تلقاني وتستبيح خداعي، بلهفة في اللقاء. برجفة في الوداع. بدمعة ليس فيها كالدمع بلا بريق».

........................

يؤكد عبد الحيلم : أحسست عند لقائى بصوفيا لورين أنني أقابل امرأة من الإسكندرية تتكلم الإيطالية والإنجليزية، ولا ينسى تعليقها على أغنيته» عاطفية جداً؛ كالصلاة الكاذبة في الكنيسة من محترف خطأ ثم توبة.

وأكد لها عبد الحليم أن هذا هو الغناء العربي. فنحن نعرف الحزن ونكرهه ولكنه يخيم فوقنا وحولنا. يخيل إلي أن الحزن في منطقة البحر المتوسط هو الذي ملأ البحر بالدموع.. قالت : إنه غناء يناسب عمر 14 سنة وحتى عشرين سنة. هذه الأغاني لو غناها أحد في أوروبا لن يجري وراءه إلا العشاق في عمر 14 فقط.

الحزن والدموع

أكد عبد الحليم: نحن مشاعرنا تتوقف عند هذا العمر تقريباً. كل شيء عندنا حرام أو عيب وبعد ذلك ينمو الشاب ليبحث عن أي امراة ترضى به بعد أن يمر بأكثر من حب محرَّم. وعندما يجد من ترضى به تكون أعماقها أيضاً مبهدلة من فرط الحب الشفهي. لا توجد عندنا حرية باريس أو روما.

حكت بأنه يذكرها بأيام المراهقة حين أحبت مدرس التربية الرياضية وكان شاباً وسيماً وهو أول من قال «أنت جميلة» وأعطته نفسها بمنتهى الفرحة وعندما عادت لأمها تلقت منها علقة عنيفة لأن الأم رفضت تكرار ما حدث معها لذلك دارت بصوفيا على الأطباء كي تعرف هي حامل أم لا. وعندما تأكدت من خلوها من الحمل ذهبت إلى مدرس التربية الرياضية لتوسعه ضربا.

........................

روت صوفيا لعبد الحليم تفاصيل تجربتها مع التعلب المهذب كاري جرانت. وكيف أحبته بعنف لم تعرف مثله . فهو يجيد دور الرجل الضعيف الذي يثير في المرأة أحلى ما تحبه المرأة. القوة الخفية. احتضنته.. لكنه عاشق «خايب». لا تظهر حتى أي انفعالات على وجهه. وعندما افترقا جاء لها بزهور مصحوبة بكلمة»لا تنسيني». لكنها ألقت الزهور في وجهه صارخة « سأنساك قطعاً». وعندما سار بعيداً عنها التقطت زهرة من الزهور الواقعة على الأرض ووضعتها في صندوق المجوهرات.

........................

وظل عبد الحليم لفترة طويلة مبهوراً طوال الوقت بحيوية هذه المرأة الغريبة الدافئة التي شعر معها بأنها أكثر من صديقة. وتنطلق بحثا عن راحة من بريق الشهرة. و لهفتها بغير حدود على أولادها. تخاف عليهم من الحسد. ولاينسى. صحبتهم معها وهي تزوره بالمستشفى. تقول له: ادع لهم.. لأن دعوة المريض تسمعها السماء مباشرة.

فقال: هاتي دولاراً أنا أدعو لك ولأولادك يوم طول النهار.

ضحك الجميع

........................

دارت عشرات الحوارات عن شارع الشانزليزيه ، والذي كان يدلف إليه عبد الحليم بعد أن ينزل من أوتيل الثلاث نجوم ليسير قرابة خمس دقائق ليدخل إلى الشانزليزيه ، لكنه بعد أن قام الحسن الثاني برعايته صار ينزل في فندق « ليكرون « أغلى فنادق باريس أجمعها وهو يرى الشانزليزيه من أوله عند المسلة الفرعونية وحتى قوس النصر .

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق