رئيس مجلس الادارة

أحمد السيد النجار

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

أنقرة تعيد حساباتها الخارجية

د. سامى عمارة
على مدى الأيام الماضية أعلنت تركيا عن سلسة من التحركات بدت مفاجئة للجميع على أكثر من صعيد، بدأت أولا بإعلان تطبيع العلاقات مع اسرائيل بعد اتفاق الطرفين على خطوات لتذليل العقبات التى حالت دون ذلك على مدى السنوات الماضية

وفى مقدمتها ايجاد تسوية لحادثة سفينة المساعدات الانسانية "مافى مرمرة" التى كانت متجهة الى غزة، ثم أعقب ذلك إعلان الاستجابة الكاملة لكل المطالب التى وضعتها موسكو كشروط لعودة العلاقات بين البلدين لسابق عهدها، وأولها وأهمها الاعتذار عن إسقاط تركيا للمقاتلة الروسية فى نوفمبر الماضى.

ورغم تعدد التفسيرات التى قيلت ردا على التساؤلات المثارة حول أسباب هذه التحركات، فضلا عن توقيتها، وما اذا كان ذلك سيكون مقدمة لمراجعة ملفات شائكة وأكثر حساسية مثل ملف العلاقات مع مصر أم لا، فإن الشىء الثابت كما جاء على لسان خبراء دبلوماسيين أنه فى عالم السياسة لا توجد صداقة دائمة ولا عداوة مستمرة وإنما مصالح ثابتة تحرك الجميع.

ومن هذا المنطلق فإن مشاكل تركيا الداخلية وتداعيات تورطها فى الحرب السورية، وما ترتب على ذلك من خلافات مع روسيا، فضلا عن مواقفها العدائية من دول محورية فى محيطها الاقليمى، كل ذلك تسبب فى خسائر سياسية واقتصادية ومعنوية كثيرة دفعتها دفعا لهذا التغير المفاجىء، الذى يرى خبراؤنا أنه لن يؤثر على مصر كونها لا تسمح لأى طرف أو دولة بالتدخل فى شئونها الداخلية.

روسيا «تتعجل» تطبيع العلاقات مع تركيا بعد اعتذار أردوغان

سجلت الأيام القليلة الماضية قفزة نوعية في العلاقات بين روسيا وتركيا في أعقاب امتثال الرئيس رجب طيب اردوغان لشروط موسكو حول عودة العلاقات بين البلدين، وأولها اعتذاره عن إسقاط المقاتلة الروسية في نوفمبر الماضي، في توقيت لا تزال فيه موسكو "تؤجل" اتخاذ قرارها الذي ينشده الملايين من أصدقائها في مصر التي لم ترتكب "ذنبا" مباشرا يرقى إلى حجم الكوارث والآثام التي ارتكبتها تركيا. ورغم الاعتراف بالقصور الأمني الذي شاب عمل بعض المطارات المصرية، فإن هناك "شواهد" تقول بوجود اسباب اخرى تقف وراء عدم اتخاذ الكرملين لقراره الذي ينتظره الملايين من ابناء البلدين.

وها هي موسكو تعلن بدء تسيير رحلات طائراتها إلى مطار "اتاتورك" في اسطنبول الذي لم يضمد جراحه بعد من جراء العملية الارهابية الاخيرة، فيما من المتوقع ان تستانف روسيا رحلاتها السياحية الى المنتجعات التركية في غضون اسبوعين حسب المصادر الروسية الرسمية. وها هي موسكو تبدأ ايضا في خطوات حثيثة على غير ما كان متوقعا عند الاعلان عن اعتذار الرئيس التركي رجب طيب اردوغان لروسيا عن حادث اسقاط مقاتلتها في نوفمبر الماضي، مسيرة تطبيع العلاقات الروسية التركية صوب ما كانت عليه الحال قبل ذلك الحادث بلقاء جمع وزيري خارجية البلدين سيرجى لافروف ومولود جاويش اوغلي في سوتشي اسفر عن تفاهم بشان العمل في الفترة المقبلة على مختلف الاصعدة؛ ومنها التعاون السياسي والعسكري للتوصل الى تسوية سياسية في سوريا.. قالت المصادر إن تركيا على استعداد لتقديم تنازلات كثيرة بشأنها.

وقد جاء اعلان الرئيس بوتين يوم الاربعاء الماضي عن رفع القيود على السياحة والعلاقات الاقتصادية والتجارية مع تركيا ليميط اللثام عن بدء مرحلة جديدة يمكن ان يتوجها اللقاء المرتقب للرئيسين بوتين واردوغان على هامش قمة العشرين المقرر عقدها في الصين في سبتمبر المقبل.. بل وربما قبل ذلك حسبما أعلن وزيرا خارجية البلدين فى لقائهما الأخير. وكان الرئيسان تبادلا الحديث لاول مرة منذ 24 نوفمبر تاريخ اسقاط المقاتلة الروسية، بعد تكرار رفض الرئيس بوتين لكل مبادرات وطلبات نظيره التركي حول اللقاء معه في باريس، او حتى الرد على مكالماته الهاتفية المتكررة منذ نهاية العام الماضي، ما يشير إلى أن الجانبين وكأنما كانا ينتظران اللحظة المناسبة لذلك، والتي جاءت في اعقاب التفجيرات الارهابية التي ضربت مطار اتاتورك.

شروط موسكو الثلاثة

على أن الخطوات التي سبقت ذلك- وكانت المقدمة المناسبة لانطلاق قطار عودة العلاقات- تبدو اليوم في حاجة إلى تفسير قد يجده البعض في الرسالة التي بعث بها اردوغان لنظيره الروسي لتهنئته بالعيد القومي لروسيا واعرب فيها عن امله في عودة العلاقات الطبيعية بين البلدين. وكانت روسيا قد استبقت التكهنات بعودة العلاقات بتأكيد أن رسالة التهنئة "اجراء بروتوكولي"، وان روسيا تنتظر تنفيذ شروطها لعودة العلاقات، واوجزتها في ثلاثة شروط، اولها: الاعتذار الواضح والصريح من جانب تركيا، والثاني: دفع التعويضات عن القاذفة الروسية "سو24" التي اسقطتها تركيا في 24 نوفمبر 2015 فوق الاراضي السورية وتقدر بقرابة 30 مليون دولار، وعن مقتل الطيار اوليج بيشكوف، وزميله الذي استشهد لدى محاولة انقاذه. اما الشرط الثالث والاخير فيتمثل في تسليم او محاكمة المواطن التركي الب ارسلان جيليك الذي كان تفاخر امام عدسات التليفزيون بانه قتل الطيار الروسي لدى محاولة هبوطه بالمظلة بعد اسقاط طائرته.

ورغما عن عدم حدوث ذلك، فإن موسكو بادرت بدعوة انقرة للمشاركة في مؤتمر وزراء خارجية بلدان منظمة التعاون الاقتصادي لحوض البحر الاسود المقرر عقدها في سوتشي، وقال نائب وزير خارجيتها فاسيلي نيبيزنيا انه لا يستبعد عقد مباحثات ثنائية معه على هامش الاجتماع، وهو ما تحقق بالفعل. وقد سارع بعض المراقبين إلى التنبؤ باحتمالات طى صفحة الخلافات بين تركيا وروسيا لاسباب كثيرة، منها ما تكبده الجانب التركي من خسائر سياسية واقتصادية ومعنوية كثيرة، في نفس الوقت الذي لقي فيه الجانب الروسي ايضا الكثير من المتاعب على ضوء استمرار العقوبات الاقتصادية من جانب الولايات المتحدة وحلفائها في الاتحاد الاوروبي، فضلا عن الحاجة الى دور تركيا من اجل تسوية الازمة السورية، وفك ارتباطها بالتنظيمات الارهابية.

ولم تكن التفسيرات تقتصر على العلاقات الثنائية وحسب، بل الى حاجة الجانبين- ومعهما الكثير من بلدان المنطقة- الى سرعة تجاوز المصاعب التي تتناثر على طريق تسوية الازمة السورية، وضرورة فك الارتباط الذي طالما جمع بين تركيا وعدد من التنظيمات الارهابية، وهو ما سبق وتصدر قائمة الاتهامات الروسية لانقرة ابان تصاعد اوار الازمة التي نشبت بين الجانبين. وكان الرئيس فلاديمير بوتين كشف النقاب عن المراسلات والاتصالات التي جرت مؤخرا بين انقرة وموسكو حين قال انه بحث مع نظيره التركي رفع القيود المفروضة على حركة السياحة الروسية إلى تركيا مع ضرورة اتخاذ الاجراءات الامنية اللازمة، مؤكدا انه سيكلف الحكومة الروسية ببدء الاتصالات مع الجانب التركي لبحث عودة التعاون الثنائي المتبادل المنفعة بين البلدين في مجالات التجارة والصناعة وغيرهما من المجالات.

وقد جاءت تعليمات الرئيس بوتين باتخاذ ما يلزم على طريق سرعة عودة العلاقات مع تركيا على غير ما توقع عدد من كبار ممثلي الدولة والحكومة، ومنهم دميتري بيسكوف الناطق الرسمي باسم الرئيس بوتين الذي كان اشار الى ان "تطبيع" العلاقات الروسية التركية سيستغرق وقتاً، وانه يجب عدم تصور أن نصل الى تطبيع كل شىء خلال بضعة أيام. وبغض النظر عن الجدل الذي انخرط فيه كثيرون ومنهم رئيس الوزراء التركي بن علي يلدرم حول حقيقة اعتذار او اسف الرئيس اردوغان والتعويضات التي التزم بها، فان الواقع يقول بامتثال الجانب التركي لكل شروط موسكو بما فيها محاكمة المواطن التركي الذي تورط في اغتيال طيار المقاتلة الروسية اوليج بيشكوف لدى محاولته الهبوط بالمظلة في اعقاب اسقاط طائرته.

.. وذلك يفضى بنا الى حقيقة اسباب التحول الذي طرأ على مواقف الرئيس اردوغان ومنها المشاكل الداخلية والخارجية التي يواجهها، بما في ذلك التوتر الذي يشوب علاقات بلاده مع الولايات المتحدة وبلدان الاتحاد الاوروبي، فضلا عن الخسائر الاقتصادية الهائلة التي تكبدتها تركيا من جراء العقوبات التي فرضتها موسكو في اعقاب الحادث. ومن المعروف ان روسيا كانت الشريك الثاني الاكبر لتركيا بعد الاتحاد الاوروبي حيث كان حجم التبادل التجاري وفق اخر الاحصائيات يبلغ 33 مليار دولار، في الوقت الذي كان الجانبان اتفقا فيه على رفع هذا الرقم حتى مائة مليار دولار بحلول عام 2023، الى جانب الخسائر التي تكبدها قطاعها السياحى نتيجة توقف حركة السياحة الروسية التي كانت تقدر بقرابة الخمسة ملايين سائح سنويا. ومن المشروعات التى تاثرت بقرار موسكو كان مشروع المحطة النووية بمفاعلاتها الاربعة، الى جانب مشروع "السيل الجنوبي" لنقل الغاز الى تركيا ومنها الى اوروبا بقدرة تقترب من 63 مليار متر مكعب كانت كافية لتحويل تركيا الى احد اكبر المراكز الاقليمية لتوزيع الطاقة.

ولعله يكون منطقيا بهذه المناسبة ان ننقل ما يردده الكثيرون من بسطاء المصريين ممن كانوا ولا يزالون يعلقون الكثير من امالهم وخططهم الاقتصادية والمعيشية على "الصديق الروسي" الذي طالما وقف الى جوارهم وساندهم ابان سنوات المحن والآلام، مؤكدا انه حقا "الصديق الذي يُعرف وقت الضيق"، بما في ذلك ابان سنوات مواجهة اخطر وابشع اشكال الارهاب. ويقول هؤلاء البسطاء إن مصر لم ترتكب في حق روسيا جرما او عملا عدائيا، ولم تقف من سياساتها في المنطقة موقفا مناوئا على غرار ما فعلته وتفعله تركيا لسنوات طوال. فلماذا اذن اقتصر قرار موسكو على وقف "مصر للطيران"، دون ان ينسحب مثله على "الطيران التركية" التى واصلت وتواصل رحلاتها اليومية من والى المدن الروسية دون ان تتوقف يوما واحدا، رغم كل ما ارتكبته قيادات انقرة من جرائم وآثام في حق روسيا؟

تساؤلات عن التلكؤ!

وها نحن نشهد الخطوات المتسارعة التي تعود بها العلاقات الروسية التركية، وهو ما يرحب به كل عاقل ومدرك لحقيقة عدم جواز التدخل في الشئون الداخلية للغير، ولضرورة التعاون المتكافئ، متبادل المنفعة، بين مختلف البلدان، ولا سيما بعد ان ثابت القيادة التركية الى رشدها وامتثلت لما طرحته من موسكو من شروط. ولعله يكون من نافلة القول ما يتقافز على شفاه الملايين من تساؤلات تطالب بإماطة اللثام عن الاسباب الحقيقية لـ"التلكؤ" في اتخاذ قرار عودة حركة الطيران والسياحة بكامل قوتها، ولا سيما بعد ان اعترف المسئولون الروس في اكثر من مناسبة بتلبية المؤسسات المصرية الكثير من متطلبات الامن التي ناقشتها مع الاصدقاء الروس، وانطلاقا من بدهية "استحالة" التوصل الى اقصى درجات الامان لاي من بلدان العالم وهو ما اكدته الاحداث الاخيرة التي شهدتها فرنسا وبلجيكا وغيرها من البلدان والمدن الاوربية والامريكية والتي كان آخرها مطار اتاتورك في اسطنبول الذى سارعت موسكو باستئناف حركة الطيران الروسية اليه قبل ان تلتئم جراحه بعد اكبر عملية ارهابية شهدها في تاريخه تمهيدا لاستئناف حركة السياحة مع تركيا التي تؤكد موسكو انها متورطة حتى "اذنها" في التواطؤ مع "داعش" والتنظيمات الارهابية الاخري!.

واذا اخذنا في الاعتبار وكما اشرنا عاليه، انه يستحيل ضمان الامن بنسبة مائة في المائة في اي من بلدان العالم بما في ذلك موسكو التي غادرتها احدى اطفالها بحقيبتها المدرسية على متن احدى طائراتها الى سان بطرسبورج بغير مرافق ودون بطاقة سفر او تفتيش او مراجعة، وهو ما لم تلتفت اليه اي من الاجهزة الامنية في شيريميتيفو اشهر مطاراتها العالمية، المدجج بشتى انواع الكاميرات واجهزة المراقبة. والامثلة كثيرة كثيرة في موسكو وغيرها من العواصم الاوروبية والتي لا يمكن ان تكون وبطبيعة الحال، مبررا لغض الطرف عن اي قصور امني في اي من المطارات او المدن، لكنها قد تكفي لتاكيد عدم جواز تحميل بسطاء المواطنين من ابناء مصر وروسيا "وزر" عدم توصل العاصمتين "الصديقتين" الى اتفاق في مجالات لا علاقة لها بالأمن والسياحة.

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق