رئيس مجلس الادارة

أحمد السيد النجار

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

أين وطنى ؟

هدى توفيق
لم يكن الرجل متقدمًا فى السن ، لكن كان واضحًا أن أيام عمره لم تكن رفيقة به ، كان يستخدم أداة تعويضية فى إحدى ساقيه ، لكنه رغم ذلك تمكن من حمل حقيبة ضخمة قديمة الموديل ، جلدها الأسود مهترئ عند حوافها ، وقد استقر به الطريق فى مقهى مقابل منزله ذي الأربعة طوابق بمركز المنزلة محافظة المنصورة .

بعد عقاب قاس بالنقل ودفع المستحقات المالية من راتبه الشهرى ، وجزاء مقيد فى ملفه الوظيفى كنقطة سوداء لن تفارقه ، لإتهامه فى تحقيقات النيابة الإدارية بسرقة وتلف محتويات من عهده المسرح ، أخشاب ، ملابس ، إكسسوارات مسرحية ؛ حيث عمله أمين العهدة فى قصر الثقافة المركزى فى الدقهلية , وتم النقل إلى قصر ثقافة الحى السادس بمدينة 6 أكتوبر فى محافظة الجيزة ، استسلم لقدره نازحًا بأسرته إلى العيش فى الغربة فهذا إحساس المصريين داخل مصر مادمت تبعد عن مكان مولدك فأنت فى غربة ، وخاصة إذا كان قهرًا وظلمًا ؛ لأنه بالتأكيد ليس السارق ، فماذا يفعل بملابس وإكسسوارات مسرحية قديمة ، وأخشاب ديكورات مسرحية ؟، كل الحكاية أنها تلفت وتآكلت من العتة ، والقذارة فى المخزن ، أوجدت بيئة مناسبة لتوطين الفئران ، والعرس، والأبراص ، حتى الصراصير وأقسم لهم مائة مرة فى التحقيقات إنه لم يسرق شيئًا , ولا أحد آخر سرق الأخشاب والملابس كانت غذاء الفئران ، ومخبأ للحشرات الأخرى فى الشتاء والصيف ليس إلا ، والصفة الإنسانية فرضت نفسها بالتكيف فى شقة إيجار حديث ، وظل حلمه الوحيد ، أن يعود إلى وطنه الصغير الذى فني عمره فى بنائه وتشييده على أكمل وجه له ولأولاده الأربعة ، وهو يتذكر بتفاؤل مفتعل أنها كلها حوالى سبع سنوات , ويخرج على المعاش ، ويعود قصريًا إلى بلدته ، حتى كما يحدث فى الأفلام السينمائية .

فى ليلة مشئومة تعارك ابنه الكبير الملتحق بأحد المعاهد الفنية فى مدينة 6 أكتوبر هو وأصدقاؤه مع شباب من الجماعات الإسلامية المتطرفة ، الذين تمددوا وتشكلوا كالجراد فى كل مكان بعد ثورة يناير 2011، ولسوء الحظ ، اشتعلت الدراما بالسلاح الأبيض وجنزير حديدى ملقى فى الشارع ، رفعه الإبن الطائش وقتل أحد من العناصر المتطرفين , ولم يكن هناك مخرج غير هرب الرجل بابنه ، المراد الثأر منه من أهل القتيل ، غيرملاحقة الشرطة له ، ولم يستطع أن يترك بقية الأسرة خوفًا من اختطافهم أو قتلهم ثأرًا للدم المهدر ، وبدأت رحلة الشقاء والتعاسة , التى لامثيل لها بهروبه مع أسرته شهورًا طوالاً من محافظة إلى محافظة ، حتى استقر به الحال فى مقهى مقابل منزله فى مركز المنزلة مع ابنه القاتل ينتظر حضور الشرطة لتسليم ولده ليرحل عنه حلمه فى وطن صغير وفى جزء من قلبه وحياته ابنه البكري ، بينما الأم بمكالمة تليفونية تبلغ عن وجود ولدها المطلوب تسليمه وإدانته بالقتل الخطأ على المقهى مع أبيه .

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق