رئيس مجلس الادارة

أحمد السيد النجار

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

إشراف: أحمد البرى
حديث الشرق والغرب

«الشرق شرق والغرب غرب، ولن يلتقيا».. هذه المقولة للشاعر الإنجليزى «روديار كبلنج»

، وأراها تلقى بحمولة كثيفة من اليأس على أكتاف اللحظة الراهنة فى أعقاب الحادث الإجرامى الذى وقع فى ملهى ليلى فى مدينة أورلاندو بولاية فلوريدا الأمريكية، ومن يتأمل ويراقب ردود أفعال مستخدمى منصات التواصل الاجتماعى فى المنطقة العربية، يصاب بالإعياء، فحجم التضامن مع القاتل كبير، لأنه وضع حدا للمعاصي، ولقن المثليين درسا لن ينسوه، وأعاد للإسلام هيبته، وانتصر للأخلاق ولفطرة الإنسان الطبيعية، وإن تجرأ أحد وانتقد هذا الغثاء ودافع عن الضحايا الذين ماتوا غدرا فى عمل جبان، فإن أبوبكر البغدادى العراقى الداعشى يرد عليه «كل من تعاطف ودافع عن الصليبيين المثليين الذين نفقوا فى ملهى أورلاندو، أبشرهم بالحشر معهم يوم الدين، حيث يحشر المرء مع من أحب»، هكذا كتب على حسابه الخاص.

ويستدعى الحادث الذى نفذ بتخطيط مسبق ومحكم ما تصور العالم أنه أضحى إرثا من الماضي، وهو الصراع الطاحن على أسس دينية، حيث إن المتشددين من جماعات الإرهاب «الإسلاموية» ومؤازريهم الذين يرغبون فى جر الحياة المدنية إلى قيعان الماضي، يحنون إلى أزمنة الكهوف مدفوعين بحقد مركب، وعقد اجتماعية ودينية، وهلوسات نفسية للانتقام من كل ما يخدش الصورة القابعة فى الذهن لما ينبغى أن يكون عليه العالم.

إن الشرق هنا يتجلي، باعتبار أنه يمثل موقف بعض الإسلاميين المتشددين فى مقابل الغرب العلمانى المنفتح على الفن والحضارة والتطور والمتبنى أفكارا لا تتطابق مع نواميس التزمت الدينى لدى بعض الجماعات المتشددة.

ويبدو أن شيئا ما فى ثقافتنا يدفعنا إلى عدم فهم وقبول الآخر، فثقافتنا العربية الإسلامية مقصرة فى محاولة فهم الآخر، فلقد اشتكينا جميعا من إدوارد سعيد من أن الغرب فهمنا فهما خاطئا، ومازال موقفه كما هو فى التراث الاستشراقى الملتبس والطويل، لكن عددا قليلا من مفكرينا حاولوا أن ينبهونا إلى أننا كثقافة لها جذورها فى الزمن لم تحاول فهم الآخر فى مراحل طويلة من تاريخنا، ولم نزل كذلك على ما يبدو، بل إن بعض المحللين وعلى رأسهم زعيم المستشرقين المعاصرين برنارد لويس فسروا الأمر على أنه نقص وراثى لحب الاستطلاع فى تكويننا النفسى والبيولوجى الجماعى فى واحدة من أكثر النظريات الثقافية عنصرية، لكن دحض هذه النظرية ـ وهو ما لم يتم بالدرجة الكافية ـ أدى أيضا إلى إهمال البحث فى الأسباب الموضوعية والتاريخية لتقاعسنا الواضح عن فهم الآخر، فتاريخنا يزخر بنماذج من قلة الاهتمام بمعرفة الآخر، أو فهمه، وقلما تحظى رحالتنا فى العصور الذهبية حدود العالم الإسلامى باستثناء قلة قليلة من أمثال ابن فضلان فى القرن العاشر، الذى كان فى نهاية الأمر مبعوثا فى مهمة رسمية أخذته إلى تخوم روسيا الحالية، وابن بطوطة المسافر الفريد الذى طبق آفاق آسيا وإفريقيا فى القرن الرابع عشر، وقد اهتم علماؤنا وفقهاؤنا بمعرفة عقيدة الآخر، ليس فقط الآخر البعيد والغريب، ولكن أيضا القريب من أهل الكتاب، وقد شكل هؤلاء جزءا لا يستهان به من سكان دار الخلافة ودور السلطنة فيما بعد، مع أن الكتاب المقدس بعهديه قد ترجم إلى العربية ابتداء من القرن السابع الميلادي، ولكن نماذج العلماء المسلمين الذين حاولوا فهم عقيدة الآخر قليلة جدا مثل أبوالريحان البيروني، الذى لا يوجد له معادل فى تراثنا بإجماع علماء التاريخ على عكس كهان أوروبا ابتداء من عصر الحروب الصليبية، والذين اهتموا بمعرفة الإسلام معرفة علمية عن طريق ترجمة وقراءة وتحليل القرآن وغيره من كتب العقيدة الإسلامية، بل ومازال أغلب فقهائنا غير مهتمين بدراسة الديانتين السماويتين المسيحية واليهودية، بالإضافة إلى الديانات الأخرى التى يعيش أهلها معنا مثل اليزيدية والصابئة، ولابد أن هذا التراث الطويل من اللامبالاة قد أثر فى ثقافتنا المعاصرة وجعلها غير مهتمة بالآخر وثقافته وطرائق تفكيره، فنحن مقصرون بالنسبة لمعرفتنا بالآخر الغربى الذى هو نظير تاريخى ونموذج حاولنا تقليده لأكثر من قرن، ولذلك كان من الطبيعى ونتيجة لهذا التقصير أن تصعد إلى سطح ثقافتنا المتعثرة آراء أصولية وفقهية مغرقة فى نرجسية عمياء تحاول محو الآخر وإلغاءه، فلا تصالح أو حتى تقارب مع الآخر، بل إنها فى لحظات تجليها ترفض أن ترى وجودا لآخر لا ينتمى إلى معتقداتها ويطبق مبادئها، وهذا ما تثبته الوقائع التى كان آخرها حادث أورلاندو، وهذا بالطبع نتيجة تراث طويل من التقصير فى فهم الآخر والتعاطف معه، وهو ما يجب أن نفعله إذا أردنا أن يكون لنا مكان فى العالم المعاصر.

لسنا وحدنا المقصرين فى فهم واستيعاب الآخر، وإن كنا ننال القسط الأكبر منه، فلا لون ولا دين للحقد والعنصرية، ومثلما تسقط نائبة بريطانية ضحية قناعتها بالحاجة إلى مجتمع متعدد متسامح مستعد لقبول الآخر واحترامه برغم ثقافته المختلفة ودينه المختلف ولون بشرته المختلف، أيضا يسقط ضحايا آخرون على يد من يعلنون انتماءهم إلى تنظيمات إرهابية مثل داعش أو القاعدة أو اليمين المتطرف فى الغرب لسبب واحد هو أن هؤلاء الضحايا أتباع ثقافة مختلفة ودين مختلف، بل قد يكون فى معظم الأحيان من أتباع الدين نفسه لكن لهم رأيا مختلفا عن رأى السفاح القاتل.

د. عماد إسماعيل

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق