رئيس مجلس الادارة

أحمد السيد النجار

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

بعد الخروج المدوى من يحكم بريطانيا الآن؟

لندن : منال لطفي
ام بريطانية تحمل ابنها وقد كتب على جنبيه احب الاتحاد الاوروبى
لم تواجه بريطانيا أزمة سياسية حادة كتلك التي تواجهها هذه الأيام بعد تصويت غالبية البريطانيين على مغادرة الاتحاد الأوروبي. وتتجلي هذه الأزمة في الفراغ السياسي الهائل الناجم عن تجريد رئيس الوزراء البريطاني ديفيد كاميرون من كل سلطاته عمليا. فالقضايا الأساسية التي تواجهها بريطانيا اليوم، وعلى رأسها آليات ووتيرة الخروج من الاتحاد الاوروبي ثم تحديد ملامح شكل العلاقات المستقبلية بين بريطانيا والاتحاد، سواء بالأنضمام للسوق الأوروبية المشتركة أو عبر اتفاقيات تجارة حرة، كل هذه القضايا لا يستطيع كاميرون البت فيها.

أولا لأنه استقال عمليا، وإن كان تاريخ المغادرة سيتأخر بعض الوقت حتى انتخاب زعيم جديد لحزب المحافظين. وثانيا لأن كاميرون لا يؤيد خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي وبالتالي لن تكون لديه الرغبة أو الحماسة للانخراط في تلك العملية التفاوضية الطويلة والصعبة والمعقدة.

في المقابل وجوه حملة المغادرة، وعلى رأسها عمدة لندن السابق بوريس جونسون ووزير العدل مايكل جوف ليس لديهما صلاحية للتحدث باسم بريطانيا فيما يتعلق بخطوات خروج بريطانيا من الاتحاد أو ادارة البلاد. وقد طلب جوف من كاميرون بعد نتائج الاستفتاء تعيينه كبير مفاوضي بريطانيا مع الإتحاد فكان رد كاميرون "لا قطعا". وحتي يتم انتخاب زعيم جديد لحزب المحافظين يحل محل كاميرون على رأس الحزب وعلى رأس الحكومة، ستكون لدي بريطانيا "حكومة ماتت" فيما الحكومة الجديدة لم تولد بعد.

ويزيد تعقيد أزمة الفراغ السياسي أن معسكر المغادرة في حالة تشتت بالغ تكشف أنه لم يكن لديه خطة واضحة المعالم في حالة خروج بريطانيا من الإتحاد الأوروبي. وأن "خطة الطريق" التي طالما تحدثوا عنها لحماية البلاد من خطر الانهيار في حالة المغادرة لم تكن سوى "تطمينات انتخابية"، يمكن تلخيصها في عبارة واحدة وهي:"صوتوا بالخروج وكل شئ سيكون على ما يرام".

فلا يبدو أن لدي معسكر المغادرة خططا واضحة حول أي جدول زمني معقول ومنطقي بالنسبة لأوروبا. فأحد مسؤولي حملة المغادرة نقل عنه قوله إنه لا تحرك فعلي في قضية تفعيل المادة 50 من معاهدة لشبونة قبل اجراء انتخابات زعامة حزب المحافظين في اكتوبر المقبل. وحتي بعد اجراء الانتخابات، فإن الزعيم الجديد للحزب والذي سيخلف كاميرون على رأس الحكومة، قد يجد نفسه مضطرا لإجراء انتخابات عامة مبكرة في الخريف كي ينال ذلك التفويض الديمقراطي الشعبي الحتمي لمواصلة تلك المهمة الصعبة، وهى الحوار مع الاتحاد الاوروبي حول شروط الطلاق. هذا الترتيب الزمني، كما قال المسئول داخل معسكر المغادرة، قد يؤجل بدء التفاوض الرسمي مع الاتحاد الاوروبي حتى عام 2017.

ويريد رموز معسكر المغادرة وعلى رأسهم جونسون وجوف وضع ملامح وخطوط عريضة للمفاوضات مع الاتحاد الأوروبي، وتوقيت تفعيل المادة 50 من معاهدة لشبونة خلال الأسابيع المقبلة.

وقد بدأت بالفعل سلسلة من المفاوضات بين مؤيدي المغادرة من حزبي "المحافظين" و"العمال" في مقر حملة "صوت بالخروج" في وسط لندن لبحث كيف سيتم التعامل مع مرحلة "الفراغ السياسي" الحالية.

ويريد معسكر المغادرة، بالتفاهم مع كاميرون تعيين مفاوض بريطاني جديد للحوار مع أوروبا. ويأملون أن يبدأ ذلك المفاوض مباحثات "غير رسمية" مع الاتحاد قبل التفعيل الرسمي للبند 50، لكن الاتحاد يرفض ذلك تماما.

وذكرت مصادر حملة المغادرة أن جونسون وجوف تواصلا مع كاميرون وفريقه، وأرسلا رسالة واضحة له مفادها "لا قرارات حول الخطوط العامة للمرحلة المقبلة وبدء التحرك لتفعيل مغادرة الاتحاد الأوروبي بدون التفاهم معنا... وأن كاميرون تعهد التواصل معهما". غير أن مصدر في حكومة كاميرون وصف هذا بـ"كلام ليس له أساس".

وفي كل الحالات أمام بريطانيا أسابيع وأشهر لتجهيز نفسها للمفاوضات مع أوروبا. فالسياسي البارز في حزب المحافظين، والداعم الكبير لحملة المغادرة، كريس جاريلينج أعترف أمس أنه بعد انتخاب زعيم جديد لحزب المحافظين ليحل محل كاميرون، ستبدأ التحركات الفعلية لاختيار فريق مفاوضين من المؤيدين للخروج من الإتحاد الأوروبي للتحدث باسم بريطانيا مع الإتحاد. كما ستبدأ المشاورات شديدة الأهمية مع المركز المالي في لندن ومجتمع الأعمال والبنوك والشركات والقطاع الخاص للتوافق حول "استراتيجية خروج" تحمي مكانة لندن كعاصمة مالية لأوروبا، وتحمي الاقتصاد البريطاني. لكن وضع هذه الخطط معقد وطويل وحساس في ضوء أن نحو 90% من قطاع المال والبنوك والشركات في بريطانيا حذر من أن الخروج سيؤدي إلي ضرر بالغ بالاقتصاد البريطاني.

ورغم الفوز في الاستفتاء، فالمزاج العام في معسكر المغادرة ليس احتفاليا، بل قلق ومتوجس من العواقب. فجونسون لا يظهر عجلة في اتخاذ أي موقف. وعند سؤاله في مؤتمر صحفي في مقر حملة المغادرة حول تفعيل المادة 50 لمغادرة الاتحاد الاوروبي قال "لا داعي للعجلة"، لا في الحوار مع أوروبا أو التعجيل بانتخاب زعيم جديد للحزب.

وهو ما أدى إلى انقسامات داخل حزب المحافظين. فهناك تيار قوي داخل الحزب يريد من كاميرون مغادرة منصبه عاجلا وليس آجلا. ويعتقد هذا التيار، وبينه وزراء سابقون في الحكومة، أنه إذا غادر كاميرون في وقت قبل أكتوبر المقبل، فإن الحزب يمكن أن يجري انتخابات الزعامة داخله أيضا بشكل مبكر ودون انتظار المؤتمر السنوي للحزب في اكتوبر المقبل. ويقول أنصار هذا التوجه إن كاميرون ووزير الخزانة جورج اوزبورن ووزير الخارجية فيليب هاموند "حكومة ميتة" لا يمكن ان تستمر، وأن الأفضل لبريطانيا وللأسواق العالمية أن تتحرك المرحلة الانتقالية لما بعد كاميرون بوتيرة أسرع.

كما أن هناك انقسامات داخل "المحافظين" حول شكل العلاقة مع الاتحاد الأوروبي بعد الخروج. فالبعض يقول إن مبدأ حرية الحركة "مرفوض رفضا باتا"، وان بريطانيا لن تسمح أبدا بعد نتائج الاستفتاء بفتح حدودها للمواطنين من اوروبا للعمل والأقامة كشرط لدخول السوق المشتركة. لكن هناك تيارا أخر داخل الحزب، يقول إن السوق المشتركة "مسألة حياة أو موت" للاقتصاد البريطاني. وأن خروج بريطانيا من الإتحاد الأوروبي وإنهاء كل أشكال الدعم الاجتماعي مستقبلا للمهاجرين سيقلل رغبتهم في المجئ إلى بريطانيا.

وهناك انقسام آخر حاد داخل حزب المحافظين فيما يتعلق بزعامة الحزب. ففيما يظل جونسون المرشح الأكثر بروزا بسبب دوره في معسكر المغادرة، إلا أن هناك حملة تتصاعد داخل الحزب لمنع وصوله لمنصب رئيس الحزب. وتنطلق حملة "أوقفوا بوريس" من منطلق أنه "مثير للانقسامات" داخل الحزب وعلى المستوى الوطني. وبفرض إجراء انتخابات عامة في الخريف المقبل وجونسون على رأس حزب المحافظين، فإن السيناريو الأغلب أن الكثيرين، خاصة من الشباب وسكان لندن واسكتلندا وايرلندا الشمالية، لن يصوتوا لحزب المحافظين.

وحذر أعضاء بارزون داخل حزب المحافظين من بينهم آلان دنكان مما سماه "الانسياق" وراء قبول جونسون زعيما للحزب، موضحا أن الحزب يحتاج إلى"الوحدة والاستقرار والمصداقية والكفاءة". وفي هجوم ضمني عنيف على جونسون، قال دنكان:"إن زعيم حزب المحافظين يجب أن يكون شخصا قادرا على الوقوف على المسرح الدولي بكرامة وفاعلية... سيكون من الخطأ البالغ لحزب المحافظين أن يتجه نحو الخيار الشعبي بعد الاستفتاء. كما حذر دنكان من رد فعل عنيف من قبل الشباب وسكان لندن واسكتلندا الذين دعموا بكثافة البقاء داخل الإتحاد الأوروبي والذين يشعرون بالغضب والحيرة بعد الخروج من الإتحاد.

وفي المقابل تظهر وزيرة الداخلية تريزا ماي، المقربة من كاميرون والتي ايدت البقاء داخل الاتحاد الأوروبي، كأقوي المرشحين لمواجهة جونسون.

لكن هناك دعوات داخل حزب المحافظين تقودها وزيرة التعاون الدولي جاستين جرينيج تطالب بعدم إجراء انتخابات على زعامة الحزب وحدوث تفاهم بين جونسون وماي كي يترشح احدهما ويتنازل الثاني.

وتقول جرينينج:"الوضع في البلاد لا يحتمل أن ينغمس حزب المحافظين في انتخابات داخلية تستهلكه وتستهلك زعاماته في التركيز على شأن حزبي داخلي. أفضل سيناريو هو أن يحدث تفاهم حول اختيار الزعيم المقبل بلا انتخابات كي نركز كلنا على الوضع في البلد".

وإذا كان حزب الحافظين يواجه احتمال مواجهة حادة بين "فريق جونسون" و"فريق ماي" على انتخابات الزعامة، فإن حزب العمال في حالة من الانقسام والفوضي لم يشهدها الحزب في تاريخه. فالكثير من أعضاء الهيئة البرلمانية وحكومة الظل في حزب العمال تريد من زعيمه جيرمي كوربن الاستقالة فورا بسبب أدائه المخيب خلال الاستفتاء. وحتى الآن استقال نحو 15 من وزراء حكومة الظل ومسئولي الحزب. فيما يرفض كوربن المغادرة إلا من خلال انتخابات جديدة على زعامة الحزب، واثق من أنه سيفوز فيها.

وقد يكون رهان كوربن صحيح. فالكثير من قواعد الحزب، مثل النقابات، ما زالت تدعمه. لكن حتي إذا أعيد انتخاب كوربن على رأس حزب العمل، فإن أعضاء الحزب في البرلمان في "ويستمنستر" لن يعملوا معه وسيدخل حزب العمال مرحلة من "الاستقطاب الداخلي" بين زعيمه، ونواب الحزب في البرلمان وهي حالة لم تحدث في بريطانيا منذ زمن مارجريت تاتشر. وفي النظام السياسي البريطاني يعد تمتع حزب المعارضة الرئيسي بالعافية مكونا مهما جدا للاستقرار السياسي، ففي حالة سقوط الحكومة لأي سبب يجب ان تكون "حكومة الظل" في حزب المعارضة جاهزة للقيام بدورها في حالة انتخابات مبكرة. وحزب العمال أبعد ما يكون عن هذه الحالة.

كل هذا الغموض يعقد الصورة اقتصاديا بشكل بالغ وينقل الفراغ السياسي إلى "فزع اقتصادي". فالكثير من الشركات والبنوك الكبري في بريطانيا بدأت تفكر في "الخيار ب"، إذا استمرت حالة السيولة وعدم الاستقرار السياسي في بريطانيا.

ما تمر به بريطانيا يعد واحدة من أسوأ اللحظات السياسية في التاريخ المعاصر، فبينما تغلق البلد صفحة علاقة استمرت 43 عاما مع الإتحاد الأوروبي وتتجه لفتح صفحة جديدة ما زالت غامضة ومليئة بالمخاطر، ينخرط الحزبان الكبيران في صراعات وخلافات داخلية طاحنة بدلا من التركيز على تلك اللحظة المحفوفة بالمخاطر.

فحزب العمال دخل مرحلة من "عض الأصابع" سياسيا، وكل طرف بإنتظار أن ينطق الطرف الآخر بكلمة "كفي".

وحتي يدرك السياسيون من الطرفين خطورة الوضع الحالي، وتبدأ الجروح في الالتئام ويتفق الفرقاء السياسيون على التعاون والتفاهم، فإن أمام بريطانيا فترة مكلفة من الفراغ السياسي.

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق