رئيس مجلس الادارة

أحمد السيد النجار

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

شريط الذكريات

أنا شاب فى سن الأربعين عشت حياة حافلة بالأحداث والمآسى‏ ,‏ ولا أذكر يوما نمت فيه بعد عناء طويل إلا وتخيلت لحظة الموت ومفارقة الحياة، وأظل أسبح باسم الله الرحمن الرحيم وأبتهل اليه فى علاه أن ينجينى فى الدنيا والآخرة، ودعنى أرو لك قصتى منذ البداية فلقد نشأت لأب موظف فى مصلحة حكومية، وأم لم تكمل تعليمها، وتفرغت لرعاية أسرتها, ولى شقيقان يصغرانى بعدة سنوات،

 وقد رحل أبى بسبب مرض مفاجئ، وهو فى ريعان الشباب، ولك أن تتخيل حال الأسرة المنكوبة، فلقد تسارعت الأحداث ورحل جدى ثم جدتى حزنا وكمدا عليه، أما أنا وشقيقاي، فكنا اطفالا لا نعى شيئا من حولنا، سوى أن هناك أحداثا عصيبة ألمت بنا، فلم ندرك أننا فقدنا أبانا إلى الأبد، إذ قالوا لنا إنه سافر، لكن سفره طال, فإذا خرجنا إلى الشارع سمعنا مصمصة الشفاه شفقة لحالنا، وفى كل أزمة كان الأهل والجيران يتجمعون حولنا لبضعة أيام أو قل أسابيع ثم ينصرفون إلى أحوالهم، فألمح الدموع فى عينى والدتى التى لم تعد لديها حيلة, ولا تعرف كيف تربينا, فكل ما ورثناه عنه معاش ضئيل لا يكفى القوت الضرورى لعدة أيام.

والتحقت بالمدرسة الابتدائية بالبلدة, فشجعتنى والدتى على المذاكرة، وبأنها تريدنى أن أكون ذا شأن, فأقبلت على الدراسة بشغف ودبرت أمى مصروف البيت بأقل القليل, وعملت فى حياكة الملابس، وتجاوزت بإرادتها الحديدية كل المصاعب والآلام، وكررت على مسامعنا انها تريدنا فى أفضل المواقع, وأن سعادتها الحقيقية ستكون بعد تخرجنا جميعا من كليات مرموقة، وبرغم بساطة حالنا حرصت على أن نظهر بمستوى يفوق كل من حولنا.. إنها البركة التى أدركت معناها من حياتنا البسيطة بقروش قليلة، ومرت السنوات والتحقت بكلية عريقة دخلتها برغبتى لأن مجموعى فى الثانوية العامة كان يؤهلنى للالتحاق بأى كلية, ودخل أخى بعدى كلية عملية, ثم التحق الثالث بكلية من كليات القمة. وعملنا جميعا بعد التخرج فى وظائف كبيرة, وتفتحت أمامنا الدنيا وتزوجنا جميعا, وصارت لنا بيوت صغيرة. اما البيت الكبير فهو بيت والدتى الذى يجمعنا يوميا ولا أستطيع أن أصف لك مدى سعادتها ونحن حولها وأولادنا يلاعبونها وقد حجت بيت الله الحرام مرتين وادت العمرة خمس مرات. وطوال هذه السنوات لم تشك يوما، وكانت كلما مرضت تذهب إلى الطبيب بمفردها دون أن تشعرنا بشىء, وإذا أحسست بتعبها وسألتها عما بها تقول: لا شىء, ومنذ أيام رقدت فى الفراش بسبب أزمة صحية شديدة، وفى هذه اللحظة مر بخيالى شريط الذكريات بكل المآسى والأهوال التى عانتها، وأدعو الله أن يتم شفاءها على خير, وأن يعوضها خيرا عن متاعبها وآلامها طوال نصف قرن من الزمان. وأرجو أن تشاركونى الدعاء.

ولكاتب هذه الرسالة أقول:

هنيئا لوالدتك صنيعها, فلقد تمكنت بإرادتها الصلبة أن تتغلب على المآسى التى واجهتها وهى فى ريعان الشباب بعد رحيل أبيكم المفاجئ, ولم تهتز أمام العواصف العاتية، وقد فعلت ذلك وهى لا تعرف كيف ستسير الأمور, ولا كيف ستدور عجلة الحياة بقروش قليلة, وجاءت الحلول تباعا بمشيئة ربك سبحانه وتعالي, واستطعتم بفضل أمكم العظيمة أن تتفوقوا على كل أقرانكم وأن تحتلوا المراكز الأولى فى التعليم بالمنطقة التى تعيشون فيها, وواصلت المشوار معكم بدأب, وأوصلتكم جميعا إلى بر الأمان، وصارت لكم مواقعكم المرموقة فى الجهات التى تعملون بها. إنها نموذج رائع للأم المثالية التى آثرت أولادها على أى شيء آخر, وقد كان بإمكانها كما تفعل الكثيرات أن تترككم لأهلكم وتتزوج بمن تشاء وتعيش حياتها بالطول والعرض, لكنها أدت رسالتها على أكمل وجه, وسوف تجد جزاء ما فعلت جزاء موفورا عند ربها عز وجل, وإذا كانت قد ألمت بها بعض الآلام أخيرا، فإن مسئوليتكم تجاهها تصبح مضاعفة, فكونوا دائما إلى جوارها, وتذكروا صنيعها معكم, واطلبوا لها الشفاء والرحمة, وأرجو أن تحذوا حذوها فى كل خطواتكم.

وأقول لها: أنت ياسيدتى أم عظيمة تستحقين أن تنالى التكريم اللائق بك، وحسبك أبناؤك الناجحون, وعطاؤك الذى لا ينضب, وليت كل الأمهات يتخذنك مثلا أعلى لهن فى الكفاح والنجاح.

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق
  • 1
    ^^HR
    2016/06/24 01:07
    0-
    11+

    ندعو الله لوالدتكم البارة الصابرة بالشفاء والصحة والعافية
    اكثر ماشدنى فى القصة هو طموح الام ... فرغم ضيق الحال فهى لم تبخل على اولاها بتقديم النصح والتشجيع وشد الازر ليتعلموا ويحصلوا على اعلى الدرجات وقد حقق الله بفضله مرادها فهنيئا لها ومبروك لكم ،،،، انها مثل يحتذى للكثير من الامهات والاسر والآباء ليثابروا ويجدوا ويجتهدوا فى تعليم اولادهم ولايتحججون بحجج الفقر وضيق الحال
    البريد الالكترونى
     
    الاسم
     
    عنوان التعليق
     
    التعليق