رئيس مجلس الادارة

أحمد السيد النجار

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

صيف التراجعات فى تركيا

سيد عبد المجيد
قبل أسابيع من إنصراف عام 2015 ، وفى مطار أتاتورك الدولى بإسطنبول ، كان المواطنون الروس المغادرون العائدون إلى بلادهم يصطفون بالعشرات أمام موظفى المطار تسبقهم حقائبهم الغزيرة العدد إضافة إلى ضخامتها من فرط ما تحتويه من بضائع وأقمشة ومنسوجات واكسسوارات إبتاعوها من شتى أسواق المدينة التاريخية.

أنها ببساطة تجارة الشنطة التى كانت تضخ سنويا ملايين الدولارات للتجار وأصحاب الحرف الأتراك وبالتالى تخف الضغط على كاهل الحكومة كونها توفر فرص عمل حتى ولو كانت غير مؤمن عليها، وبالتوازى كانت منافذ التسوق لا تكف عن الأبتكار وصنع ما هو جديد من أجل الاستحواذ على المزيد من زبائن سيبيريا وهؤلاء بدورهم لم يخذلو أصدقائهم الترك فبادلوهم المصالح والمنافع بيد أن قوافلهم أزادات واتسعت، إذ لم يكن هذا الزخم التجارى قاصرا على إسطنبول، بل امتد لشمال البلاد المطل على البحر الأسود القريب من الفضاء الروسى .

أما عن السياحة فقد كانت فى أزهى فتراتها ، فيها تسابقت شركات الطيران تقدم خدماتها من خلال رحلاتها كانت تنقل الآلاف كل شهر صيفا وشتاء ويكفى القول أن منتجعات على سواحل الجنوب، تعتمد كليا على السياح القادمين من الاتحاد الروسى الكبير.ولكن منذ إسقاط المقاتلة السوخوى 24، فى الرابع والعشرين من نوفمبر الماضى التى قيل أنها أنتهكت الأجواء الجوية التركية وهو ما لم يثبت يقينا أنقلب الوضع إلى النقيض ، سياحيا وتجاريا وها هى الصادرات ، بعيدا عن الاقتصاد المواز الذى انكمش ، تتقهقر بصورة حادة ومخيفة.

فى البدء خرجت التصريحات الحكومية بتوجيهات مباشرة من قصر اردوغان الرئاسى الأبيض، بالعاصمة أنقرة، بأن سياسة العقاب التى تنتهجها موسكو لن تجدى نفعا ، فاقتصاد تركيا قوى وصلد، ومن ثم فهو صامد وهناك بدائل شتى أمامه، لكن بمرور الوقت تكشفت أزمات كان غياب المداخيل من الروبل مضمونها، فالخيارات مع قلتها ( بحكم العزلة التى فرضتها سياسات اردوغان) لم تستطع سد النقص، زاد على ذلك تراجع السياحة إجمالا بعد حوادث الإرهاب التى طالت البلاد، ولازالت تحدث بين الحين والآخر.

كل هذا كان من شأنه إضافة ضغوط على صانع القرار ، فشكاوى أصحاب الأعمال والمتضررين لا تتوقف وتنبئ بتداعيات قد لا تحمد عقباها ، وهى على اية حال فى إزدياد يوم بعد آخر خاصة مع إنكشاف مراكزهم المالية ، وبدورها دعت إتحادات المال والأعمال ، ومنها المقرب جدا من الحكم والمتحالفة معه والمقصود هنا إتحاد " موسياد " ذو الخلفية الإسلامية ، حكومة بلادهم بالبحث عن حلول ومخارج ولا بأس من إنتهاج سياسة أكثر اعتدالا مع الكرملين. وحاولت أنقرة الدبلوماسية تهدئة الأجواء لكن دون جدوى ، فمع كل خطوة تقدم نحو الأمام سرعان ما تعصفها تصريحات قادة البلدين لتعود للوراء خطوات هنا دخلت ايران الفارسية على الخط ، ورغم أن العلاقات مع طهران تمر بحالة مد وجزر على خلفية الأزمة السورية والتنافس غير المتكافئ على الأراضى العراقية ، إلا أن إيران وإمتنانا لمواقف سابقة للجمهورية التركية اثناء الحظر الدولى عليها لم تبد اعتراض على قيامها بجهود حميدة بطلب من أنقرة ( هكذا قالت ميديا مقربه من اهل الحل والعقد بالاناضول ) لتضييق هوة الخلاف بين أردوغان وفلاديمير بوتين.

وقيل أيضا والعهدة هنا (لمصادر خاصة على صلة بفاعلين بحزب العدالة والتنمية الحاكم، ") أن السفارة القطرية فى أنقرة تفضلت مشكورة بالتحدث مع الإيرانيين لإستخدام نفوذهم لدى نظائرهم الروس لرفع بعض من العقوبات الاقتصادية عن تركيا وتخفيف القيود على القطاعات التركية العاملة فى روسيا", وزيارة رئيس الوزراء (المنسحب ) أحمد داود أوغلو الأخيرة لطهران فى مستهل مارس الماضى ، ولقاء حسن روحانى بنظيره التركى فى أنقرة عقب قمة التعاون الاسلامى يومى 14 و15 إبريل الفائت تعرضتا لهذا الموضوع مع وعود فارسية أخوية لتلطيف الأجواء.

غير أن شهر مايو مر دون أن يظهر شئ فى الأفق الأمر الذى ضاعف القلق، وفى تطور لافت بعث الرئيس التركى طيب اردوغان برسالة تهنئة لنظيره الروسى بوتين بمناسبة اليوم الوطنى الروسي، تمنى فيها ان ترتقى العلاقات التركية – الروسية الى المكانة التى تليق بها خلال الفترة القادمة، وبالتزامن أبرق رئيس الوزراء بن على يلدرم ببرقية مماثلة تضمنت نفس العبارات والآمال. وللتاكيد على رغبة تركيا الصادقة سارع نائب رئيس الوزراء والمتحدث باسم الحكومة نعمان توركلموش بالتعبير عن أمله بأن تشكل خطوة الود من قبل الرئيس لنظيره الروسى بوتين وكذا " محبة " رئيس الوزراء يلدرم التى وجهها لنظيره ديمترى ميدفيديف الخطوة الاولى فى مسيرة تطبيع العلاقات بين البلدين. مراقبون ابدو بعض التفاؤل فالخطوة قد تمهد لأخرى مشابهة مع الدول المجاورة والمنطقة فى مقدمتها مصر والعراق لكن يبدو أن الأمور ليست بتلك السهولة، ما لم تتخذ خطوات عملية على الارض بيد أن هذا التراجع لا يعنى أن روسيا ستلبى النداء ، فشروطها التى تعرفها أنقرة وتعرف كيف تنفذها لم تبرح مكانها ودون ذلك فالابواب ستظل موصدة وهذا ما حدث بالفعل، ولأن المعارضة التى سبق وحذرت من خسارة الكرملين وجدت من " التزلف " الأردوغانى للدب الروسى " فرصة لانتقاد السياسة الخارجية الفاشلة للبلاد بفضل اردوغان الذى لا يقدر مصالح تركيا العليا، متسائلة طالما الامر سينتهى إلى هذا الرجاء لماذا كان التصعيد أصلا ؟ غير أن المفارقة فى هذا الصدد تمثلت فى ما قالته صحيفة جمهوريت التى لازالت الصوت الأكثر جرأة والذى لم يستطع أردوغان إخماده حتى الآن ، حينما تسائلت بسخرية حول ما إذا كان الرئيس اردوغان سيقدم رسالة تهنئة الى الرئيس السورى بمناسبة اليوم الوطنى لبلاده ؟ ولم تكتف بذلك بل شددت على ما أقدم عليه الحكم جاء بعد ان تلقى القطاع السياحى التركى ضربة موجعة التى لم تشهدها البلاد منذ 50 عاما نتيجة انقطاع سفر السياح الروس الى تركيا ؟ وفى عبارات ذات دلالة قالت أن أردوغان وللخروج من المأزق الذى وضع نفسه فيه يستعد حاليا لتحميل رئيس وزرائه المستقيل احمد داود أوغلو مسئولية إسقاط السوخوى وحتى أن تم ذلك فهو مضطر فى النهاية للأعتذار، وهذا بدوره بات قاب قوسين .

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق