رئيس مجلس الادارة

أحمد السيد النجار

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

عقب مرور أكثر من ٤ عقود على نصر العاشر من رمضان :
المخابرات الإسرائيلية مازالت تدرس انتصار المصريين

> طارق الشيخ
أحدث إنتصار مصر فى حرب زلزال مفاجئا وهائلا فى إسرائيل طال بأثاره وتبعاته جميع مناحى الحياة وعلى جميع المستويات.وكان مجتمع المخابرات الإسرائيلى من بين أبرز الجهات التى تعرضت لصدمة هائلة مازالت آثارها مستمرة حتى اليوم.

ويؤكد الإسرائيليون حتى اليوم أن "صدمة يوم الغفران" ـ حرب أكتوبر ١٩٧٣م ـ لاتزال تؤثر على كل أجهزة المخابرات وصناع القرار فى إسرائيل وعلى جميع الأصعدة والمستويات نظرا للفشل المخابراتى الذى أصاب إسرائيل فى تلك الحرب.

وفى هذا الإطار قدمت الهيئة العامة للاستعلامات فى مصر عرض كتاب "الأبحاث الاستخبارية" لإيتى بارون الصادر عن معهد الأبحاث المخابراتية والسياسية التابع لمركز تراث المخابرات بإسرائيل.

فقد تناول الكتاب الصادر عام ٢٠١٥ تحليل الفشل المخابراتى الإسرائيلى فى حرب أكتوبر واتخذه بمثابة نقطة انطلاق له.



المفاجأة الهائلة

فى الثانية من ظهر يوم ٦ أكتوبر ١٩٧٣ م الموافق ليوم ١٠ رمضان ١٣٩٣هـ سمعت إسرائيل صوت دوى هائل متبوع بموجة نيرانية هائلة انهمرت على حصون خط بارليف على الضفة الشرقية من قناة السويس وجاءت المفاجأة متبوعة بمفاجأة أكبر تمثلت فى عبور موجات كبيرة متتالية من الطائرات المصرية فى طريقها لضرب الأهداف العسكرية الحيوية الخاصة بقوات الإحتلال الإسرائيلى فى عمق سيناء وهى المهمة التى تمت بنجاح كبير. وما هى إلا دقائق حتى كانت أعين الإسرائيليين ترصد آلاف العسكريين المصريين وهم يعبرون قناة السويس لإقتحام خط بارليف الذى تهاوى فى غضون ساعات. ولم تمر سوى ساعات إلا والآلاف من أبناء الجيش المصرى بكامل عتادهم وعدتهم يتمركزون فى سيناء مدعومين بأرتال الدبابات المصرية وبمنصات الصواريخ المضادة للطائرات التى شكلت مظلة نيرانية هائلة قطعت يد سلاح الجو الإسرائيلى وأنهت أسطورته إلى الأبد إيذانا بتحقق النصر.

ويرى إيتى بارون مؤلف الكتاب أن حرب أكتوبر أتت لإسرائيل "بحزمة هائلة من المفاجآت" التى أثبتت فشل المخابرات الإسرائيلية وولدت خوف مستمر لدى إسرائيل من حدوث مفاجأة إستراتيجية فى أى لحظة وأدت إلى التشكك الدائم فى مصداقية التقديرات بشكل عام والتصريحات القاطعة بشكل خاص.

وإيتى بارون مؤلف الكتاب هو عميد احتياط ـ بالجيش الإسرائيلى ورئيس قسم البحوث فى شعبة المخابرات العسكرية "أمان" خلال الفترة من يونيو ٢٠١١ وحتى يناير ٢٠١٥، والرئيس السابق لقسم البحوث فى فرع المخابرات بسلاح الجو الإسرائيلى، وقائد مركز دافيد إلعازار لفكر العسكرى التابع لشعبة العمليات بهيئة الأركان العامة للجيش الإسرائيلى والحاصل على الماجستير فى العلوم السياسية. وقد وضع كتابه معتمدا على خبراته التى اكتسبها خلال عمله فى منصب رئيس قسم البحوث فى شعبة المخابرات العسكرية "أمان" الذى يعد من المناصب الرفيعة فى العالم المخابراتى.

وصنف بارون ما حدث لمخابرات إسرائيل فى حرب أكتوبر ١٩٧٣ بأنه أحد أبرز الإخفاقات المخابراتية الكبرى فى العالم.

وبدأ المؤلف كتابه بإلقاء نظرة على "حرب يوم الغفران" أكتوبر ١٩٧٣ لأن تأثيراتها على أساليب وأنماط عمل أجهزة المخابرات الإسرائيلية مازالت واضحة حتى اليوم بالرغم من التغييرات الكبيرة التى حدثت فى ميادين عمل كثيرة بأجهزة المخابرات الإسرائيلية.

فالكاتب يرى أن شعبة المخابرات العسكرية الإسرائيلية "أمان" فشلت تماما فى فهم "العدو" ـ يقصد مصر والعرب ـ فى هذه الحرب. ويعد الفشل المخابراتى الإسرائيلى، من وجهة نظره، جزءا من إخفاق أوسع شمل أيضا فشل القيادة السياسية فى رسم سياسة إسرائيلية قبل الحرب وفشل كبار القادة العسكريين فى ميدان الفكر العسكرى وإعداد الجيش الإسرائيلى للحرب.



الفشل الهائل

ويرى بارون أن "حرب يوم الغفران ١٩٧٣" تمثل حالة كلاسيكية من المفاجأة الإستراتيجية. فعلى الصعيد المخابراتى فشلت شعبة المخابرات العسكرية الإسرائيلية "أمان" فى توقع نيات "العدو" وقيامه بشن حرب أكتوبر ١٩٧٣ كما فشلت فى تحديد توقيت بدء الحرب وهو ظهر يوم ٦ أكتوبر. وبالتالى فشلت الشعبة فى أبرز مهامها وهى مجالا التحذير والإنذار.

وهناك ثلاثة إخفاقات أخرى هى: الفشل المخابراتى فى تحديد الأهداف ، وهو ما انعكس فى عجز سلاح الجو الإسرائيلى المتطور عن المساعدة فى المعارك البرية. والفشل فى ميدان بناء القوة أى فهم القدرات الجديدة للمصريين وخاصة المتعلقة بالتفوق فى استخدام الصواريخ الشخصية المحمولة المضادة للدبابات وللطائرات والصواريخ أرض ـ جو. بالإضافة للفشل العملياتى فى فهم استعدادات الجيش الإسرائيلى للدفاع فى الجولان أو سيناء.

أـ ونبع الفشل المخابراتى فى "التحذير" من تمسك قيادات "أمان" وكبار القادة العسكريين والقيادة السياسية فى إسرائيل "بتصور" بدأ لديهم عقب حرب عام ١٩٦٧ ويقول بأن إستعادة سيناء أصبح هدفا يحتل المرتبة الأولى وبالتالى كانت المخابرات الإسرائيلية تضع تقدير يقول بأن مصر قد تختار القيام بعمل عسكرى شامل لاستعادة "كامل سيناء" وبالتالى فلا يمكن لمصر أن تشن مثل تلك الحرب إلا إذا تسلحت بطائرات مقاتلة قاذفة. وكان هذا التقدير يقترب من الصواب فى عهد الرئيس جمال عبد الناصر ولكن عندما تولى الرئيس محمد أنور السادات الحكم لم تتمكن أجهزة المخابرات الإسرائيلية من رصد التغيير الجوهرى الذى حدث فى الإستراتيجية المصرية. فالسادات اتجه إلى العمل العسكرى لتحريك العملية السياسية فى المقام الأول من خلال القدرات المتاحة للجيش المصرى فى تلك الفترة. وعلى الرغم من حصول المخابرات الإسرائيلية فى عامى ١٩٧٢ ـ ١٩٧٣ على معلومات بشأن هذا التغير فى فكر القيادة المصرية فقد ظلت "أمان" متمسكة بأن مصر لن تخوض الحرب إلا إذا حصلت على المقاتلات القاذفة بكميات ملائمة تمكنها من إستعادة كامل سيناء.

ويؤكد بارون أن وراء هذا الإخفاق كان سلسلة من الإنحرافات والإعوجاجات الفكرية التقليدية مضافا إليها مكونات شخصية مثيرة للجدل لكبار القادة فى رئاسة قسم البحوث فى شعبة "أمان"، إلى جانب قدر ما من الإستخفاف بـ"العدو"، وفشل الأبحاث الإستراتيجية فى "اختراق حدود التصور" لدى الجانب المصرى.

ب ـ ونبع الفشل المخابراتى فى "تحديد الأهداف": عندما فشلت المخابرات الإسرائيلية فى رصد تشكيلات صواريخ أرض جو ـ الدفاع الجوى ـ على الجبهة المصرية والسورية. فقد ركزت المخابرات على البطاريات الجديدة ولكنها لم تفلح فى فك طلاسمها وأسرارها بل أخطأت فى فهم نظرية وعقيدة إستخدامها. واتضح "فجأة" فى خضم الحرب أن هذه البطاريات غيرت أماكنها لكى توفر الحماية بشكل أفضل للقوات البرية. ولم تكن معلومات المخابرات عن تلك الصواريخ حديثة وبالتالى فشلت جهود سلاح الجو فى مهاجمتها.

ج ـ والفشل المخابراتى فى "تقدير قدرات العدو": فقد فوجئ سلاح الجو الإسرائيلى بعدم درايته بتشكيلات صواريخ أرض جو التى أقيمت بمصر وسوريا وبمواقعها وتحصيناتها. كما فوجئ بتشكيلات الصواريخ المضادة التى أقامها المصريون فى سيناء وفوجئ بسلاح المشاة المصرى المزود بصواريخ مضادة للدبابات وفوجئ أكثر بطريقة إستخدامها وعقيدتها القتالية.

وأدت تلك المفاجآت والإخفاقات إلى سقوط عدد كبير من الطائرات الإسرائيلية وتدمير عدد كبير من الدبابات والمدرعات.

د ـ والفشل العملياتى فى المعركة : وهو ما تمثل فى عدم تطوير عقيدة دفاعية فى الجيش الإسرائيلى منذ تأسيسه حيث دأب على تنفيذ "عقيدة" نقل المعركة إلى أرض العدو وهى النظرية التى تم تطبيقها بنجاح فى حربى ٥٦ و٦٧ ولم تتطور عقيدة دفاعية فى إسرائيل منذ ذلك الوقت. وجاءت حرب أكتوبر ١٩٧٣ لتؤكد عدم جدوى تلك التظرية فنجح المصريون فى عبور القناة والقضاء على الحصون العسكرية بطول القناة والتمركز بقوة جيش كامل تقريبا فى سيناء والحصول على مساحة كبيرة من الأرض تتمتع بحماية جوية فعالة.

واتضح أن العقيدة الهجومية، المعتمدة على فكرة توجيه ضربة مبكرة إجهاضية للعدو، غير مجدية فى ظروف تلك الحرب.



محاولة استيعاب الدرس

وأكد بارون أن تجربة حرب أكتوبر ١٩٧٣ فرضت على المخابرات الإسرائيلية الاهتمام بموضوعات أخرى مهمة كالإهتمام بجمع المعلومات عن أهداف العدو وتحدياتها أولا بأول والحصول على معلومات عن قدرات العدو وعن إنتشار قواته ـ وكلها موضوعات يجرى الاهتمام بها بقوة حاليا مما يتيح "إدارة الأزمات والمخاطر" اليوم بدرجة أفضل أمام تحديات الحاضر والمستقبل.

وهكذا مازال نصر ٦ أكتوبر ـ العاشر من رمضان المجيد يمثل شاهدا على إنجاز مصرى هائل ودرسا لاينتهى للعالم أجمع.

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق