رئيس مجلس الادارة

أحمد السيد النجار

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

العاشر من رمضان.. «ما أخذ بالقوة لا يسترد إلا بالقوة»

إسماعيل جمعة
غرفة عمليات القوات لمسلحة أثناء حرب أكتوبر 73
عاما بعد عام تظل ذكرى نصر العشر من رمضان (أكتوبر 73) رمزا للكرامة المصرية وأغلى هدية قدمها الجيش للشعب المصري, فقد برهنت القوات المسلحة خلال الحرب على أن جنودنا هم خير أجناد الأرض, وقد شهدت حرب العاشر من رمضان أكبر عملية إعداد للدولة لمواجهة العدو الصهيوني، من خلال تطوير واستخدام كل القدرات والإمكانات المتيسرة للدولة، فى كل جوانبها السياسية والاقتصادية والعسكرية والاجتماعية والبشرية، من أجل تحقيق النصر، واسترداد سيناء المغتصبة.

وقد تطلبت عملية إعداد الدولة للحرب مشاركة أجهزة ومؤسسات عديدة، واشتراك القيادات، بكل مستوياتها، ومشاركة الشعب بمختلف طوائفه، وإنفاق المال والجهد، واستخدام كل الإمكانات المتاحة، والطاقات الممكنة، الفعالة والكامنة فى كل أبعاد قوى الدولة المادية والمعنوية.
إن مفهوم إعداد الدولة للحرب متسع ومتشعب، ولكن إذا توافرت مع هذا الإعداد حسن الإرادة والقيادة الرشيدة، فإن الدولة تضع نفسها فى مصاف الدول المتقدمة، و تشمل عملية الإعداد ستة محاور هى الإعداد السياسي، والاقتصاد الوطني، وإعداد القوات المسلحة، وإعداد أرض الدولة كمسرح للعمليات، وتهيئة الشعب، وإعداد أجهزة الدولة.
وكل ما تقدم يمثل البنود الأساسية لإعداد الدولة للدفاع عن نفسها فى الحروب، وبدأت فترة إعداد الدولة المصرية لحرب العاشر من رمضان ضد إسرائيل عقب هزيمتنا فى حرب 1967 مباشرة، وذلك من خلال سعى مصر السياسى والدبلوماسى الى المنظمات الدولية، وعلى رأسها الأمم المتحدة، والى الدول العظمى خاصة الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي، وقد حققت مصر مكاسب دبلوماسية من هذه التحركات تمثلت فى إدانة العدوان الإسرائيلى على مصر والأراضى العربية، وإصدار القرار رقم 242 من الأمم المتحدة الذى يطالب إسرائيل بالانسحاب من الأراضى المحتلة، الا أن اسرائيل لم تنفذ القرار واستمرت فى الاحتلال، كما استمر سعى مصر لقبول مبادرات السلام التى أعلنت فى ذلك الوقت مثل مبادرتى «يارنج» و «روجرز»، بالإضافة الى مبادرات مصرية عديدة للسلام، إلا أن اسرائيل أعلنت من جانبها رفضها هذه المبادرات.
بدأت مصر بعد ذلك فى تجميع القوى العربية للضغط على المجتمع الدولى وتوصلت الى شعار »ما أخذ بالقوة لا يسترد الا بالقوة« فى توصيات مؤتمر القمة العربية فى الخرطوم، الذى عقد فى 29 أغسطس 1967، بمشاركة رؤساء إحدى عشرة دولة عربية، هى دول المواجهة الأربع (مصر والأردن وسوريا وهى الدول التى هزمت فى الحرب، فضلاً عن لبنان التى لم تشارك فى الحرب)، ودول العمق الخمس (العراق والكويت والمملكة العربية السعودية والسودان وليبيا، وتسمى أحياناً دول الطوق)، وثلاث دول من المغرب العربى (تونس والجزائر والمغرب).
كما ان الرئيس الراحل أنور السادات قام بدور دبلوماسى كبير واستطاع أن يوحد القوى العربية فى تحالف واحد قوى وقام بالتنسيق لتنفيذ الحرب واستعادة الأرض فى ظل تعنت إسرائيل ورفضها لكل سبل السلام، وتجلت تحركات السادات وعصمت عبدالمجيد فى الأمم المتحدة وكواليسها للتغطية على استعدادات مصر للحرب.


تجهيز القوات المسلحة
استطاعت مصر أن تعيد بناء القوات المسلحة وتكوين قيادات ميدانية جديدة، كما تم استحداث الجيشين الثانى والثالث الميدانيين، وإعداد القيادات التعبوية الجديدة، وإعادة تشكيل القيادات فى السلاح الجوي، وإدخال نظم تدريب على كل ما هو أساسى للحرب، وكذلك التدريب على مسارح مشابهة لمسرح عمليات الحرب فتم انشاء سواتر ترابية مماثلة لخط بارليف على ضفة النيل وتدريب القوات على عبورها، كما احتفظت القوات المسلحة بالقوة الرئيسية من المجندين دون تسريحهم بعد انتهاء فترة تجنيدهم حتى إن بعض المجندين استمروا فى تجنيدهم لمدة 7 سنوات.
استعدت القوات المسلحة لحرب العاشر من رمضان بكل ما هو حديث فى تكنولوجيا التسليح وقامت بتطوير أسلحة المشاة واستبدلت الدبابات القديمة طراز T34 و T54 بالدبابات طراز T62 وكذلك تم إحلال المدفعية القديمة بأخرى متطورة وتم الدفع بطائرات حديثة فى سلاح الدفاع الجوى وإدخال طرازات جديدة من الصواريخ القصيرة والمتوسطة المدى مثل »«sam، الى جانب الصواريخ طويلة المدى وكذلك تطوير معدات المهندسين العسكريين وأجهزة الكشف عن الألغام وإدخال أسلحة غير تقليدية ابتكرها مهندسون مصريون مثل قاذفات اللهب المحمولة على الأكتاف ومسدسات المياه التى استخدمت فى هدم خط بارليف الرملي.
كما أصدرت القيادة العامة توجيهاتها قبل الحرب للتدريب على العمليات بدءا من إعداد الجندى للقتال حتى إعداد الوحدة والوحدة الفرعية للتشكيل للحرب، والتدريب على أسلوب اقتحام الموانع المائية والنقاط القوية المشرفة على حمايتها، وأسلوب الدفاع عن مناطق التمركز والوحدات والمعسكرات لمواجهة عناصر «المتكال» المتمركزة خلف خطوط الدفاع الإسرائيلية، وكذلك إجراء المشروعات سواء على مستوى القيادة التعبوية والإستراتيجية، أو المشروعات التكتيكية للجنود على موضوعات الهجمة المنتظرة من العدو، واستمرار وتكرار هذه المشروعات ضمن ما سمى بـ »خطة الخداع الاستراتيجي« التى وضعها المشير محمد عبدالغنى الجمسى والتى أوحت للعدو وقتها بعدم جدية مصر فى اتخاذ قرار الحرب.


«اقتصاد الحرب»
دفع الشعب المصرى بالكامل ثمن النصر وعانى من تأثر الاقتصاد بالحرب وتحمل تكلفتها تحول الاقتصاد المصرى قبل حرب العاشر من رمضان الى «اقتصاد حرب» ويعنى تعبئة جميع المصانع ومنتجاتها لاستيفاء احتياجات القوات المسلحة أولا، فمثلا شركة المحلة للغزل والنسيج كانت تنتج شبكات التمويه والمشمعات الخاصة بالمعدات الحربية ولم تكن تنتج الشركة هذه المنتجات قبل ذلك، وكذلك شركة الحديد والصلب استعدت للحرب بانتاج بعض التجهيزات الهندسية و«الخوذ» الخاصة بالجنود وأيضا شركات الأغذية والمعلبات استخدمت فى انتاج «التعيينات» الميدانية للضباط والجنود، كما كان لتحويل الاقتصاد الى الحرب أثر مباشر على الصناعة المدنية.
وقد لجأت الدولة ضمن خطتها فى خداع العدو آن ذاك الى توقيع تعاقدات دولية لتوريد السلع الاستراتيجية مثل القمح على مديات زمنية غير منتظمة حتى لا تلفت انتباه العدو الى أن الدولة تقوم بتخزينها، وقد تم تحقيق الاحتياطى اللازم من هذه السلع ليكفى احتياجات الدولة لمدة 6 أشهر قبل الحرب مباشرة.

أرض المعركة
تم إعداد أراضى الدولة كمسرح لعمليات حرب العاشر من رمضان ـ أكتوبر 73 من خلال إنشاء الطرق اللازمة لتحرك القوات، وقد اشتركت كل قطاعات الدولة المدنية والعسكرية فى إنشاء هذه الطرق، وكان يتم وقتها الاعلان عن إنشاء شبكة الطرق طبقا للخطة الخمسية لوزارة النقل والمواصلات، فتم إنشاء شبكة طرق كبيرة ومدقات لخدمة المناطق الجبلية فى الضفة الغربية، كما تم إنشاء شبكات كبارى صنعت خصيصا لتتحمل عبور المعدات الثقيلة مثل الدبابات والمدرعات وناقلات المعدات الحربية، وكذلك كبارى حديدية مؤقتة لهذه المهمة، وكذلك إنشاء التحصينات على أرض المعركة وزرع الألغام اللازمة لتأمين مسرح العمليات من العدو. كما استعدت الدولة للمعركة بإنشاء مطارات عسكرية جديدة وقريبة من الضفة وتحصينها بـ »الدشم« وإنشاء شبكات المواصلات السلكية واللاسلكية وخطوط الإمداد بالوقود والمياه فى مسرح العمليات لتسهيل عملية العبور الى الضفة الشرقية، وإنشاء الملاجئ للمدنيين فى المدن والقرى لحمايتهم من تأثير نيران العدو حول الأهداف الحيوية التى قد يستهدفها فى تلك المناطق.

الشعب المحارب
تم إعداد الشعب المصرى لحرب العاشر من رمضان بدءا من إصدار القوانين المنظمة للعلاقة بين الشعب فى جميع فئاته والقوات المسلحة والدولة، مثل إصدار قانون التجنيد وتعديل شروطه وقانون التعبئة العامة للأفراد والمعدات والمنشآت، فالأفراد الذين خرجوا من القوات المسلحة ويخضعون لخطة التعبئة والتدريب تم استدعاؤهم للجيش قبل الحرب، كما تم تعبئة الجيش بأفراد مدنيين يمتهنون مهنا معينة مثل الأطباء والممرضين ومهندسين فى بعض التخصصات، وكذلك فقد استدعت القوات المسلحة العديد من وسائل النقل المدنية للحرب، حيث تم تعبئة سيارات النقل والأتوبيسات العامة ووضعها ضمن خطة التعبئة الشعبية، فمثلا كانت تستخدم معدات شركة المقاولون العرب فى نقل معدات الحرب الى مسرح العمليات، وكذلك فقد تم إعداد الوعى الشعبى لدى المصريين قبل الحرب من خلال مناهج التعليم فى المدارس والجامعات، ولعب الأزهر الشريف والكنيسة الأرثوذكسية دورا وطنيا مهما فى تعبئة الشعب ورفع روحهم المعنوية، وأيضا استخدمت الدولة وسائل الإعلام والتليفزيون فى بث الروح الوطنية من خلال الأناشيد والأغانى الوطنية.

إعداد أجهزة الدولة
أنشأ الرئيس الراحل جمال عبد الناصر مجلس الدفاع الوطنى عام 1968 وكان يتكون من رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء و5 وزارات أساسية هى (الدفاع، والداخلية، والخارجية، والإعلام، والمالية) بالإضافة الى باقى الوزارات وعدد من الجهات السيادية، وكان الهدف من إنشاء هذا المجلس هو وجود تنسيق فعلى بين مؤسسات الدولة لتذليل العقبات فى سبيل اتخاذ قرارات سريعة وحاسمة والابتعاد عن الاجراءات الحكومية الروتينية المعروفة، وتسهيل كل العقبات التى تواجه أى خطوة فى الحرب، فمثلا إذا كان هناك قرار بإنشاء كوبرى يمر فوق أحد الممرات المائية أو الترع لمرور القوات من فوقه أصبحنا هنا أمام 3 جهات معنية بالأمر، الجهة الأولى وزارة النقل باعتبارها منفذ المشروع، ووزارة الرى التى تقوم بوضع مخاضة من الحجر الجيرى لمنع انسداد الترعة حال انهيار الكوبري، وأخيرا القوات المسلحة التى ستستخدمه، ووجود هذا التنسيق بين الجهات الثلاث يعنى إنجاز المشروع فى أقصر وقت ممكن، وهكذا كان يتم التنسيق بين كل مؤسسات الدولة من خلال مجلس الدفاع الوطنى لخدمة الحرب وإعداد الدولة بكامل طاقتها وصولا الى الانتصار الكبير.

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق