رئيس مجلس الادارة

أحمد السيد النجار

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

الشيخ كشك
إعصار من فوق المنبر

محمد شمروخ
ترى لو قدر للمرحوم الشيخ عبد الحميد كشك أشهر خطباء القرن العشرين، أن يحضر لحظة إنشاد كعب بن زهير لقصيدته «بانت سعاد» بين يدي رسول الله «صلى الله عليه وسلم» تراه ماذا كان سيقول عن بدء القصيدة بأبيات شعر عن تحرق قلب الشاعر عندما فارقته محبوبته وبانت؟!.

بانت سعاد فقلبي اليوم متبول .. متيم إثرها لم يفد مكبول

هل كان سيرضى الشيخ بقول كعب عنها يمتدح واصفا قوام جسدها ومحاسنه؟

هيفاء مقبلة ردفاء مدبرة .. لا يشتكى منها قصر ولا طول

أم ماذا سيقول في تشبيه رضابها بالخمر؟

تجلو عوارض ذي ظلـــــم إذا ابتسمت .. كأنه منهل بالراح معلولُ

أو حيث يتغزل:

فلا يغرنك ما منت وما وعدت .. إن الأمـــاني والأحـــــــلام تضليلُ

أكان سيعجبه كل ذلك؟ّ!.

فهو ذا قد أعجب النبي، حتى أنه خلع بردته وكساها كعب بن زهير الذي كان أول إعلان بدخوله الإسلام هو هذه القصيدة وصار بعدها «كعب بن زهير الصحابي الجليل رضي الله عنه» فكانت بردة النبي «صلى الله عليه وسلم» مكافأة على قصيدته التى شاعت وتناقلها الرواة كأول قصيدة سميت بالـ»بردة» نسبة إلى البردة النبوية الشريفة التى كانت بمثابة أول وأعظم تقدير من خاتم الأنبياء وآخر من تلقى الوحي من السماء، إلى شاعر أنشد بين يديه قصيدة شعر يتغزل ويتشبب فيها بامرأة.

فمال الشيخ كشك إذن، لم يعجبه شدو أم كلثوم «خدني لحنانك خدني»؟!

لعله أشهر نقد للشيخ كشك وأقسى ما تعرضت له كوكب الشرق من نقد تجاوز المنطق إلى السباب عندما سخر منها الشيخ في خطبة شهيرة كان يرددها البعض قبل الضحك على ظرف الشيخ كشك «امرأة في سن السبعين تغنى خدنى في حنانك خدني؟!» فكيف لها أن تذهب مع حبيبها «بعيد بعيد وحدينا» والشرع يحرم اختلاء الرجل بالمرأة من غير محرم وإلا كان الشيطان ثالثهما؟!.

كذلك هجومه الشنيع على شادية بسبب أغنية «غاب القمر يا ابن عمي» وسخريته من أغنية فايزة أحمد «يا أمه القمر ع الباب» لأن أمريكا طلعت القمر ونحن «لاطعينه» على الباب، وكذلك من عبد الحليم لأنه ماسك الهوا ويتنفس تحت الماء!.

وغير هذا من الأمثلة مما يضيق عنه المجال، فكان الشيخ كشك يطلق نيران مدفعيته الثقيلة سخرية واستهزاءً لا يفرق ما بين الفن والأدب والسياسة، فقد استقبل عهد الرئيس الراحل أنور السادات بنقده اللاذع له لأنه يبدأ خطاباته «بسم الله» دون أن يكمل البسملة فقال جملته «راح الذي لا ينطقها وجاء الذي لا يكملها» وهى الجملة التى كان يرددها خصوم السادات وكان من أول ما أخذوا عليه أنه لا يكمل البسملة التى لم يكن سابقه الرئيس الراحل جمال عبد الناصر ينطق بها من الأساس فى خطاباته!.

والعجيب أن خطب الشيخ كشك كانت تستهوى أعدادا كبيرة من المفتونين بعبد الناصر لكنهم كانوا يتجاهلون هجومه العنيف على شخص وسياسة وعقيدة جمال عبد الناصر، فلم يكن يفلت أي فرصة تسنح له لصب جام غضبه على عبد الناصر.

كان من الممكن تقبل كل ذلك سواء كان تقبلا خالصا أو على دخل، لولا أن الشيخ كشك كان يربط رؤيته في نقده اللاذع أو هجومه العنيف بالعقيدة، فكان لا يرى في الأغاني والكتابات الإبداعية، مخالفة أخلاقية فقط، بل كان يراها مخالفة شرعية وكان في موقفه هذا يعبر عن تيار يرفض كل أنواع الفن والفكر والأدب.



ساخر ضل الطريق

كان الشيخ عبد الحميد عبد العزيز كشك (المولود في شبراخيت بمحافظة البحيرة يوم الجمعة 13 ذو القعدة 1351 هـ الموافق 10 مارس 1933 م وتوفي في 6 ديسمبر 1996) على عنفه الشديد في النقد، صاحب فكاهة شديد السخرية، أو بالتعبير الشعبي «ابن نكته» فكانت تتعالى الضحكات وراء قفشاته مثل سخريته من فول السجن المسوس بأنه «سوس مفول» وأن»الواحد ما يحبسش وراه بشاي.. لا بسبرتو.. استغفر الله العظيم السبرتو حرام» وتتعالى الضحكات وتعبيرات الاستحسان بأصوات عالية وراء تشبيهاته وهو يخطب «مع أن ذلك يتنافى مع آداب الاستماع إلى الخطبة الدينية» فكان صاحب أسلوب ساخر لو تفرغ له أدبيا، لنافس نجوم الكتابة الكوميدية والأدب الساخر، وكان صوته الجهوري مسرحيا بجدارة، يتصاعد معبرا عن النذر في مواضع الغضب ويتخافت في مواضع الخشوع، فكان أحرى به أن يكسب إعجاب الجميع لو لم يعط نفسه الحق في تقييم وتقويم عقائد البشر وسلوكياتهم، لكنه للأسف، كأنه يسعى للخصومة والاستعداء.

الإخوان وناصر

أما عن الموقف السياسي فقد كان واضحا أن الشيخ كشك يتبنى فكر جماعة الإخوان المسلمين وإن لم ينخرط في تشكيلاتها التنظيمية وهو يرى أن خلاف جمال عبد الناصر مع جماعة الإخوان، كان خلافا دينيا عقائديا، ليس خلافا سياسيا وقع بعد تحالف واضح بين الجماعة والضباط الأحرار في بدايتها.

وكان الشيخ كشك يمجد القيادي الإخواني سيد قطب ويرى أن محاكمته كانت بسبب عقيدته وهو دائما يصف الحكام بالطواغيت متبعا أسلوبا إثاريا لتهييج الجماهير، كما أنه كان دائم التحريض على المخالفين للعقيدة المشاركين في الوطن، فلم يخف كراهيته للأقباط وكان يصرح بالهجوم على قياداتهم، لا يراع أي تأثير لكلماته التى شكلت وجدان الجماعات المتطرفة التى أحرقت ودمرت وأسالت الدماء.

وهو إن لم يدع مباشرة إلى العنف، غير أن خطبه مهدت التربة لبذور الإرهاب وروتها حتى أنبتت وأثمرت وأينعت، فرغم أن الشيخ كشك لا يعد عالما من علماء الفقه أو الحديث أو التفسير أو أي من العلوم الشرعية، إلا أن قوة تأثير خطبه كان لها مكانتها التى قل أن تدانيها مكانة أخرى، في نفوس الجماعات المتطرفة، حتى تلك التى جاوزت تشدده وأوغلت فى المظاهر الدينية التى أطلق عليها «السلفية».

ورغم شهادة بعض شيوخ السلفية بمدى «ضعف» أسانيد الكثير من الأحاديث التى كان يرويها الشيخ كشك على منبره وفي مقدمتهم الشيخ أبو إسحق الحويني الذي تحدث مباشرة في ذلك الضعف، إلا أن هذا الضعف لم يؤثر على انبهار جمهور الشيخ ولاحتى الحوينى نفسه به!.

فالشيخ كشك «الذي كف بصره في السابعة عشر من عمره بعد معاناه قاربت عشر سنوات مع الرمد الصديدي أو حسب مقربين منه، كان يميز ظلال الناس وقد يدرك الضوء والظلام» كان يجيد الخطابة التى تلعب على العواطف وتقوم على تأجيجها للاستمتاع بالخطبة، فرغم هجوم الشيخ كشك الحاد على أم كلثوم، إلا أن أجهزة الكاسيت نفسها كانت تدور بأغاني أم كلثوم بعد انتهاء خطبه المسجلة وكان كثير من الذين يستمتعون بخطبه التى يبشر فيها بأن جمال عبد الناصر في الجحيم، كانت صور جمال ما زالت معلقة فى موضع الصدارة على جدران منازلهم!.



الشيخ والكلاب

يكثر في تاريخ الشعوب «الرسمي والشعبي» قصص عن الصدام ما بين الصالحين والحكام. والقريحة الشعبية دائما ما تبالغ في معجزات الصالحين مقابل قسوة الحكام وكما تنصب المبالغة على أساليب الظلم، تكون كذلك على كيفية التحمل أو الإعجاز الذي يأتى به الصالحون.

ورد هذا مرارا في القصص والحكايات الشعبية الواردة في التاريخ عن كفاح القديسين والفقهاء والمتصوفة ولم يتفرد به تراث شعب دون آخر وبه من المبالغات ما يتصادم مع العادة ويأبى تصديقه العقل.

وقصص تعذيب معارضي الحكام والعصاة بالحيوانات المفترسة وإطلاقها عليهم، مشهورة في التاريخ وكانت أحيانا ما تتم في احتفالات عامة ، يحضرها الإمبراطور أو الوالي كنوع من استعراض القوة وترهيب المعارضين وإشباع شغف العامة بالمثير من الأحداث!.

وهناك قصة شهيرة وقعت أحداثها مع أحمد بن طولون والفقيه أحمد بن بنان الذي عارض بن طولون في أمر ما، فأمر بتجويع أسد ثلاثة أيام وليدخلوه على بن بنان وتركوهما وبعد فترة دخلوا الزنزانة، فوجدوا ابن بنان يصلي، بينما الأسد يجلس بجواره كأنه يشاركه صلاته!.

هذه القصة التى رواها الشيخ عبد الحميد كشك من على منبره في إحدى خطبه، رددها الناس ومازالوا يرددونها وفي سني الطفولة كان الأطفال يتهامسون بها وينقلونها عن الكبار الذين رووها لهم بالتفاصيل نفسها ولكن بدلا من ابن طولون وابن بنان، كان عن كشك وشمس بدران!.

وقصص الوحوش والكلاب المسعورة التى تصلى مع الصالحين، تستهوي قلوب البسطاء الباحثين عن المعجزات والمسارعين لتصديق كل ما يروى ومن يشكك في مثل هذه القصص ويصفها بالأساطير، فقد يصل الحنق عليه إلى تكفيره من جانب العوام المفتونين بالشيخ كشك قبل تكفيره من جانب أعضاء الجماعات المتشددة الذين نشأوا على حب خطب الشيخ كشك الحماسية.

فالقصة تزعم أن رجال عبد الناصر أتوا بالشيخ كشك وجاؤوا بكلب بوليسي شرس وأدخلوه عليه الزنزانة وأغلقوا الباب ثم فتحوه، ليجدو الكلب جالسا يصلي بجواره.

وقصة الكلاب انتشرت بين المعتقلين ولا يمكن إنكار أن هناك تعذيبا كان يحدث، لكن هناك قصص تستحيل عقلا وواقعا، أن تحدث مع إنسان ويخرج منها حيا أو حتى شبه حي، فهناك سيدة من بين المعتقلات من تنظيم الإخوان، كانت تحكى قصصا في كتبها عن تعذيبها غارقة في اللامعقول عن إطلاق الكلاب عليها لتنهش جسدها وأنهم لم يكونوا يطلقون كلبا واحدا، بل مجوعة من أشرس الكلاب عليها لتنفرد بها في زنزانتها!.

ولم يكن تصديق مثل هذه القصص عن معجزات الشيخ كشك مقتصرا على العوام أو الأطفال، بل كانت تتردد بين أوساط فئات نالت حظا من التعليم كالموظفين وطلبة الجامعات.



مدرسة الشيخ كشك

والأسلوب العاطفي مع إجادة الشيخ كشك لفنون الإلقاء بطريقة بارعة لم يدانيه فيها أحد من معاصريه من الدعاة، بل صار أسلوبه نهجا يسير عليه الكثيرون إلى الآن، سواء شكلا باستخدام طبقات الصوت ودرجات الارتفاع والانخفاض وبراعة التنقل بينها أو موضوعا بالتطرق إلى المشاكل الحياتية واقتحام السياسة.

فلا تعدم بين خطباء الجمعة من يخطب في الناس بالطريقة الحماسية نفسها، فلا يكف عن الصياح والإثارة وتطعيم خطبته بما يجعل الناس في حال انتباه، فغالب خطباء المساجد المشهورين ساروا على نهج الشيخ كشك، فحقق الكثيرون منهم شهرة عظيمة ولكن في خضم التدريب على الخطابة وتنمية المهارات الخطابية، أهملوا الدراسة في العلوم الشرعية التى تحتاج إلى عقلية علمية لاتساع مجالاتها وتشابكها، مما قد يستنفد أعمارا، فترى النعرة الخطابية تهمل هذه الخلفية العلمية الشرعية التى تبدو مدرسة الشيخ كشك وقد أهملته، فالعلوم الشرعية لا تعتمد على الخطابة ولقدرات البلاغية التى تميز بها كشك ومدرسته، مما جعل كثيرا من الدارسين يتجاوزونها، خاصة بعد اكتشاف ضعف المرويات التى اشتهر بها وهى من الخطورة بمكان، لأن رواية الأحاديث والآثار لها خطورتها، فرواية الحديث من فوق المنبر لها خطورتها في انتشارها وذيوعها.

وحتى في الكتب التى كانت تصدر له تحت اسم «مكتبة كشك» وكانت تعتمد الأسلوب نفسه ولكن تأثيرها لم يكن مثل تأثير شرائط الكاسيت لاختلاف القراءة عن السماع.

وكما أشرنا من قبل، فقد روى الشيخ أبو إسحق الحوينى أحد مشايخ السلفية الكبار الآن، أنه في مقتبل عمره، سمع الشيخ كشك يروى من على منبره في مسجد عين الحياة في منطقة حدائق القبة، حديثا يفيد بأن الله «عز وجل» يتجلى يوم القيامة للناس عامة ويتجلى لأبي بكر الصديق «رضي الله عنه» خاصة.

ورغم اعتراف الحوينى بأن الحديث «موضوع» أي كذب متعمد عن النبي «صلى الله عليه وسلم» وهو أمر خطير وجلل في علم الحديث، عندما يروي أحد الشيوخ الأحاديث الموضوعة، إلا أن شهرة وقوة تأثير الشيخ كشك جعلت الحوينى يجفل في النقاش مع جدال كشك عن صحة الحديث وقدحه في تكذيب الإمام بن القيم الذي ذكر أن هذا الحديث موضوع وألف باء علم الحديث، فإنه لا يجوز رواية حديث موضوع عن النبي «صلى الله عليه وسلم» إلا مع بيان كونه موضوعا لدرء الكذب عن الرواية عن رسول الله «صلى الله عليه وسلم».

وهناك مرويات كثيرة لا مجال لعرضها هنا، لكن فيما يبدو أن الشيخ كشك انشغل بالخطابة عن توثيق ما يرويه فوق منبره وأن الهالة المخيفة التى تحيط به، تجعله غير قابل للمراجعة.

وكانت إحدى عبارات الشيخ كشك التى تسمعها كثيرا في خطبه يقول فيها بصوته الجهوري مشيرا إلى منبره وخطبه ودروسه: «هنا.. وما أدراك ما هنا.. هنا مدرسة محمد «صلى الله عليه وسلم» والطريقة التى كان يردد بها هذه العبارة توجل القلوب وتملأها بالخشية، فلا أحد يمكن له أنه يراجع ما يصدر عن مدرسة محمد ولا أن يمارس أمامها أدنى تفكير سوى القبول بما يخرج منها والاعتراف بمن يتخرج فيها.

ذلك رغم أن الشيخ عبد الحميد كشك درس في كلية أصول الدين جامعة الأزهر وكان متفوقا ويحصل على الترتيب الأول طوال دراسته منذ طفولته التى أتم فيها حفظ القرآن خلال السنة العاشرة منها، رغم كل ذلك ورغم أنه تم تعيينه معيدا بالكلية التى تخرج فيها، إلا أنه رفض استكمال طريق العلم التقليدي بسلوك المسار المرسوم للتحصيل الأكاديمي للدارس أو المدرس في الجامعة من ماجستير ودكتوراه، مكتفيا بما حباه الله من موهبة الخطابة، حيث جذب أسلوبه الآذان والقلوب، باستعراض مشاكل الناس اليومية وتسليط الأضواء على ما يراه من المخالفات الأخلاقية والظواهر الاجتماعية السلبية، فاتسعت دائرة شهرته وتكون له جمهور عريض، بل جماهير، وكان لابد من الاصطدام بالسلطة وقتها، فتكرر اعتقاله عدة مرات وكان دائما مايحكى قصصا عن أيام اعتقاله بلهجة انتقامية غاضبة ويحكي عن ذكرياته مع المعتقلين معه من تيار الإخوان أو بقية التيارات الأخرى.

لكن كانت ذكريات الاعتقال واحدة من أهم أسباب تعاطف الناس، فكانوا يرددون دائما على سبيل التعاطف أنه كان يجهز حقيبة ملابسه قبل كل خطبة ويصحبها إلى المسجد استعدادا للقبض عليه.

ومع ذلك كان الشيخ كشك يخطب الجمعة في مسجده بحى حدائق القبة وكان آلاف الناس يستمعون إليه فبعد أن يكتظ مسجد عين الحياة، تمتلئ بهم الشوارع المحيطة به وهم يحملون أجهزة الكاسيت لتسجيل خطب الشيخ.

كشك والكاسيت

كانت شرائط الكاسيت التى تحوى خطبه، تملأ الفتارين وتباع علنا وتسمع صوته عبر أجهزة الكاسيت في المحلات التجارية والأسواق جهارا نهارا، فلقد كان لانتشار الكاسيت، عامل في غاية الأهمية في ذيوع خطب الشيخ كشك، فقد كثر اقتناء أجهزة الكاسيت التى كانت شكلا مستحدثا في السبعينيات ومع موجات العمل في الدول العربية، فصار الكاسيت من أهم الأجهزة التى يحرص الناس على اقتنائها في المنزل والمحل والعمل والمقهى والمزرعة، بل وفي المساجد لسماع القرآن الكريم والدروس الدينية.

ولم يكد يكون للشيخ كشك منافس في هذا المضمار الذي انفرد به وكان يترك خطبه تحملها شرائط الكاسيت دون السعي للحصول على مقابل مادي، فتحقق له مالم يتحقق لخطيب مثله في وقتها.

حتى بعد أن تم اعتقاله على عهد الرئيس الراحل أنور السادات في الأحداث التى تلت حادث الزاوية الحمراء الشهير عام 1981، كانت خطبه تبثها أجهزة الكاسيت في المنازل والمتاجر ومازالت حتى الآن.

والمثير أن حماسة الشيخ كشك كانت تجذب حتى خصومه، فكنت تسمع في غرف الطلبة الجامعيين من الناصريين أو اليساريين، شرائط كاسيت لخطب الشيخ كشك يستمعون إليها وينفعلون معها حتى لو ضايقتهم بعض الآراء، لكن انفعاله كان محببا إلى الشباب!.



نيران الشيخ

لم يكد أحد من المشاهير يسلم من نيران الشيخ كشك الذي كثيرا ما كان يصبها ويبشر بها صراحة أو تورية، أم كلثوم وتوفيق الحكيم وعبد الحليم حافظ ومحمد عبد الوهاب وعبد الرحمن الأبنودي وشادية وفايزة أحمد وأنيس منصور ونجيب محفوظ والكثير مما يضيق المجال بذكرهم وقال فيهم ما يمكن أن يخرجهم عن الملة، بتأويل مباشر لما صدر منهم، فالشيخ كشك يمثل الاتجاه التكفيري السلفى الذي يتلمس ما يمكن أن يكفر به المسلم وهو يرفض الفن والغناء من حيث المبدأ تمشيا مع الفكر السلفى الذي لم يعرف وقتها بهذا الاسم الذي شاع بعدها، بل كان يرى أن إطلاق اسم «أم الدنيا» على مصر يشكل مخالفة شرعية راويا حديثا نسبه إلى رسول الله «صلى الله عليه وسلم بأن الدنيا ملعونة ملعون من فيها.. فيتساءل «هل مصر أم الملاعين؟!».

وبغض الطرف عن تخريج الحديث الذي يذهب به إلى الضعف، فهل يقصد القائلون «مصر أم الدنيا» هذا المعنى؟!.

لكن هذا ما اعتدناه من المنتسبين لهذا التيار التعصبي الذين يرون أنفسهم أوصياء على الدين بتأويل النصوص أو تطبيقها حسب رؤيتهم، بدفع أي قول إلى مايريدون بلى أعناق النصوص والعبارات لإدانة ما يريدون إدانته وتبرئة ما يرومون تبرئته!.



نهاية هادئة رغم الصخب

منذ صدور أمر الإفراج من حسني مبارك رئيس الجمهورية عام 1982 لمن شملتهم قرارات الرئيس السادات بالاعتقال عام 1981، خف ضجيج الشيخ كشك، فبعد خروجه من السجن آثر عدم العودة للمنبر عنوة أو امتثالا واتجه لإصدار كتب مطبوعة، لكنها لم تبلغ مبلغ انتشاروتأثير شرائط خطبه إلا في القليل منها، بل ربما اشترى الناس هذه الكتب لعلهم يجدون فيها ما وجدوه في الشرائط، لكن كان هناك فارق بين القراءة والسماع.

فاكتفى الشيخ كشك بحلقات أحاديثه مع المقربين وكتب بانتظام في عدة صحف من بينها «اللواء الإسلامي» التى كان يصدرها الجزب الوطنى الديمقراطي ولم يجد الشيخ كشك ولا انصاره او خصومه أي غضاضة في ذلك، حيث كان يقوم على الجريدة كتاب وصحفيين ضمنوا لها ألا تنزلق في أساليب إثارة الغوغائية وكانت لهجة كتابات كشك فيها هادئة متزنة لا تكاد تظهر فيها انفعالات خطبه، فظل على هذا النهج الهاديء حتى رحل في يوم جمعة وهو ساجد كما روى أفراد أسرته.

حقا يمكن أن نحسب لصالح الشيخ انتقاداته للظواهر السلبية في مناحى الحياة في خطبه، يمكن أيضا، تقبل سخريته اللاذعة بما عهدناه في طبيعة المصريين من سخرية، لكن كما سبق أن بينا في البداية أن وضع ذلك تحت إطار مزعوم بأنه شرعي، يجعل المجتمع مدانا بالكامل إلا فئة يحددها الشيخ بنفسه وهو افتئات على الشريعة ويؤدى لعواقب وخيمة، فلا يمكن تجاهل دور خطب ورؤى وكتابات الشيخ كشك في تهيئة الأجواء لظهور جماعات استباحت لنفسها دماء المسلمين وغير المسلمين، باستخدام المنهج نفسه الذي لو حاسبنا به شعراء من أجلاء الصحابة «رضوان الله عليهم» لتعرضوا لإدانة الشيخ كشك الذى لو سمع كعب بن زهير ينشد قصيدة «بانت سعاد» التى أنشدها بين يدي الرسول «صلى الله عليه وسلم» لربما أوجب عليه حد القذف وأهدر دمه تعزيرا لاستباحته الخمر بوصف امرأة أجنبية عنه!.

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق