رئيس مجلس الادارة

أحمد السيد النجار

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

رجل وامرأتان

بهاء عبد المجيد
هذه هي المرة الثانية التي تعمدتُ أن تكون الخصوصية بينى وبين غادة جزءًا من وجودنا. كذبت عليها عندما أخبرتها أنني أريدها في شيء مهم. وفعلًا تقابلنا. وكأني أرى شارع جامعة الدول العربية لأول مرة مزدحمًا. استغرقت وقتًا طويلًا لأعبر الشارع. وهاجس الموت يرهبني بكل محاولة تأتي مني والسيارات تفرُّ من جنبي فتغازلني. رن هاتفي المحمول. رأيت رقمها على الشاشة. ستعتذر. ستتحجج بأنها مشغولة. ولديها ارتباطات كثيرة اليوم. ستقول: ممكن نتقابل مرة ثانية. أو دعها للمصادفة. لن يحالفك الحظ لرؤيتها مرتين متتاليتين، هكذا وسوست لي نفسي.

المرة الأولى قابلتها في النادي اليوناني. وصلت متأخرًا كالعادة. كانت في انتظاري جالسة أمام فنجان القهوة البارد وكوب ماء وبعض الأوراق. تلك المرة لم أعرف لماذا طلبت منها الحضور. ولماذا اهتمت وأتت. تحدثنا عن أشياء كثيرة. عن تجربتها الأولى في الزواج عن علاقتها بطفلها. عن حياتها وعن دراستها. تحكي بتلقائية وطفولة. لمحت بعض الأصدقاء. ارتبكت..

عرفت غادة من خلال صديقتي السابقة «لبنى»، لم أركز كثيرًا في المكان. ولكني كنت أحاول أن ألملم ملامح وجهها وعينيها المملوءتين بالخبايا والأسرار وأيضًا الأحزان. تكلمت كثيرًا عن نفسها. حاولت أن أبرر أفعالها فقط من حكايتها التي سردتها علي. قلت لها: إنها ليست المطلقة الأولى والوحيدة، فالعالم كله مملوء بالوحدويين، وأن هناك فرصًا كثيرة لرجال رومانسيين وطيبين سترتبط بهم حتمًا. فجأة وجدتني متورطًا فيها. وكأني أعلن أمامها أنني أنا المحب والعاشق الغارق في عواطفه ومشاعره تجاه امرأة غريبة عنه تمامًا، فلم أكن قد عرفتها جيدًا. ولم أكن قد أحسستها حتى أبوح لها.

_ أنت هكذا دائمًا. متسرع. ومتردد أيضًا

عرفتُها منذ فترة غير قصيرة. أقرأُ عنها أخبارًا في بعض الصحف. ترجمت كتابًا. كتبت قصة. عرفتها من الحروف المطبوعة فقط وارتبطتُ بها من خلال عالم مُتوهَّمٍ وليس حقيقيًّا.

أتابعُ كتاباتِها في كل الصحائف. حتى هددتني أمي بالطرد أو بيع كومات الجرائد إلى أقرب محل لحوم بجوارنا. فاخترت أن أترك المنزل، وأذهب بعيدًا مُعلِّلًا بأنه حان وقت الفطام الانفعالي، ولكي أصبح رجلًا يحب أن أبعد عن أسرتي (أمي).

غادة امرأة عانت كثيرًا تحت سلطة ذكورية لا ترى سوى نفسها، وإشباع رغبات شهريارية وإهمال معلن لمواهب وهوايات...امرأة قد تحررت منذ مائة عام تقريبًا، قررت الانفصال وتخلصت من رائحة بيت الزوجية، وعرفت بشرتها مرة ثانية المساحيق، وضوء الشمس وتقلص حجم صدرها من انخفاض نسبة مشاعر الأمومة بداخلها، وعادت أنثى مرة أخرى. هي صرحت بهذا في كتابتها، وتخيلت نفسى البطل الأسطوري الذي سيحطم أغلالها، ويأخذها معه في سفينة نوح، وسيزيح عنها صخرة الزوج الشرقي المتسلط.

...........................

الليلة لم يكن معي نقود كافية للاحتفال بهذه المناسبة، أو هكذا دائمًا، لا توجد في حافظتي نقود، ربما أنفقتها على امرأة أخرى مصنوعة من ورق وأحبار وغلاف غير أنيق وغير ملائم. في منطقة المهندسين دخلنا مقهي The Cave (الكهف)، مظلم و كئيب كأنه العودة إلى رحم الأمومة حيث لا تاريخ ولا مستقبل.

شعرت بالتوتر، ولكن عينيها وحضورها الجسدي والروحي أعاد لي اتزاني ولمستني النشوة على غير العادة.

ودارت الكؤوس بيننا، وسمعت الشموع أغاني اللقاء، وكان البوح بيننا.

بسيطة تلقائية. اقتربت ساقي من ساقيها، وكثف اللحظة وجود عاشقين في الطاولة المقابلة، فسهل الحوار الجسدي بيننا وأشعرنا بعدم الاغتراب.

...........................

وكأنها تقرأ ما في صدري قالت وهي تحتسي البيرة:

صديقتك لبنى واهمة، لم أرتبط بزوجها مطلقًا.. علاقتي به صداقة مثل التي تربطني بك الآن. طلب ترجمة بعض القصص له. ورددت له الجميل لأنه وقف بجانبي في بداية طريقي الأدبي، في وقت كانت الأزمة تصاحبني وكأنها قدري.

كنت امرأة مهترئة من الداخل. غير قادرة على اتخاذ القرار. أعتقد أنه فقد عقله منذ أن ارتبط بصديقتك «لبنى» .

النهاية هي الجنون له. وصداقتك لها ستصيبك بالهلع المرضي.

...........................

قبل أن أصر على مقابلة غادة كنت قد قطعت صداقتي بـ «لبنى» التي لم أسمع غير صوتها ووسوستها ، وعلى النقيض فهي المرأة الوحيدة التي لمستني، وأصبحتُ خاضِعًا لها مثل أمي. حتى اتهمني بعض أصدقائي أنها قد ربطتني بها بالسحر الأسود، فهي بارعة فيه جدًّا، ولها أصول غجرية، اعتادوا على (ربط الرجال) أو حبسهم في كهوف تحت الأرض، وفي بطون الجبال أو حتى إصابتهم بالجنون.

في ساعة من الصفاء والليل والنيل يمر بسرعة التاكسي الذي نستقله قالت لبنى وهي تنظر للنيل شاردة:

-لماذا يهتم بغادة كل هذا الاهتمام؟

-عادي مثلما أهتم بك.

•علاقتنا مختلفة. قالتها وهى تنظر لى .

استغربت.. لماذا مختلفة؟

فنحن نتحدث هاتفيًّا كل يوم. حتى مل الحاسوب من تسجيل عدد مكالماتنا ومدتها الزمنية. وعرفتنا كل مقاهي المدينة. وتجولنا في كل الأسواق التجارية الحديثة وسمع أحاديثنا جميع ركاب مترو حلوان - المرج وحفظ أسرارنا كل سائقي التاكسي في القاهرة.

قالت لبنى: «هو مصر على الاهتمام بها، ونسي أنني زوجته وله طفل مني. هي أيضًا مشغولة به. فهي تكتبه في كل قصصها. هي تموت غيرة مني. حتى أنها لا تلقي على سلامًا إذا رأتني في حشد...أنسيت أنني زوجته؟.»

تساءلت عن موقفي الإنساني لديها. وشعرت برهبة غريبة: أهي صديقة لى أم تريدني أذنًا مصغية لأوهامها، أو حتى لحقائقها؟

...........................

كنت أعشقُ شعرها الأسطوري الآتي من الأزمنة البعيدة، وعينيها العرافتين. وكلامها الممتلئ بالتعاويذ والخرافة. وجسدها المسكون بالشهوة الممسوسة الآتية من دموع حواء قبل أن يتوب عليها الإله جعلتني أبتعد نهائيًّا خشية السقوط وعدم العودة.

...........................

دفعت غادة الفاتورة، وأنقذت رجولتي في المقهى حيث كانت تفوق إمكاناتي المادية، فأنا عاطل عن العمل وكل ما أقوم به هو كتابة أشعار وأسعى جاهدا للعمل في صحيفة بعدما هجرت تدريس الفلسفة . اعتذرتُ لها كثيرًا كأنها إله. أجلستني بجوارها في سيارتها. وانطلقنا لم نعرف إلى أين. واجهتنا قبة جامعة القاهرة وكان النيل يسير تحتنا هادئًا كالعادة وتقبله الأضواء الصفراء بحب قرأت لها قصيدة

لم أكتبها لها، ولكني ادعيتُ ذلك.

ردت قائلة: أنت طفل صغير. لذلك أرحب بصداقتك.

وانفعالًا بالقصيدة، وبعيني التمثيليتين قبلتني فأحيت بي الرجولة من جديد، فانتشيت وهفت روحي للمزيد، ولكنها أبت وكأنها تعطي بالمقدار لا زيادة ولا نقصان.

في ميدان الجيزة الواسع وأضوائه الاستفزازية وعماراته العالية سألتها: تتزوجينني؟، ابتسمت ولم ترد فخجلت من نفسي. هل حقًّا تريد الزواج بها؟ وهل حقا تريد أن تكون الرجل غير المحدد في حياتها؟ هل تريد فعلًا أن ترتبط بامرأة ربما أكبر منك سنًّا وأكثر منك خبرة؟، وأم لطفلين؟ وهل حقًّا أنت قادر على مسك هذه الروح وإشباع هذا الجسد الغير الأرضي؟ قلت لنفسي: لا تقلل من نفسك وقدراتك إلى هذا الحد. هل هي قادرة على فهم هذه الروح المتمردة التوَّاقة إلى التعرف والاحتواء والفهم؟ هل هى حقيقية ؟، أم هي رواية المكتوب فيها هو المعلن والخفي في بطن الشاعر؟.

قالت غادة : لنكن صديقين. لا أريد أن أخدعك. أنا لست بالمرأة التي تحب وتتزوج مرة ثانية. كفاني ما حدث. ساعدني كي أرمم ما تبقى مني بعد الزيجة الأولى. أنت إنسان جميل ومخلوق رائع. وأنتِ. كذلك قلتُ وكدت أبكي.

وأنزلتني بجوار الجامعة. بعد أن فشلت في مد فترة لقائنا أكثر من ذلك.

تركتني وانطلقت بسيارتها بعيدًا. تذكرت لبنى و قررت الذهاب إليها فأنا أعرف أين تكون ..الآن ..

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق