رئيس مجلس الادارة

أحمد السيد النجار

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

اهلا يا انا
الصوم عن الكذب فى حياة عبد الحليم

منير عامر
وإبتسم بنور فرح أضاء ملامحه وهو يسمعني . وإزداد بريق عينيه الحاد وهو يتأمل صورا لابد أنها تراءت على شاشة خياله . ولأن الزمن كان أول رمضان وكانت عقارب الساعة تشير إلى الثالثة ظهرا ، ولأن بجانبه زحام أدوية عليه تناولها كي يحمي نفسه من نزيف دوالي المريئ ، لذلك كان الإفطار في الثالثة ظهرا بعد أن إستيقظ من نوم متقطع.

كان إفطاره مكون من قطعة جبن قريش وملعقتين من فول مصفى بزيت الزيتون، ونصف رغيف من الخبز البلدي الأسمر . وكنت أتحدث بصوت مسموع: « عن نفسي أستقبل رمضان بتذكر رابعة العدوية التي تحدثتعن توصية الله لأحبائه بأن يستأذوا ملائكة الجنة في يوم القيامة كي يأخذوا من أنهار الجنة ما يطفئون به أحجار جهنم ويبنون بها بيوتا للتائبين».

قال عبد الحليم: المؤكد أن الله حبيب من يتوب ، ويعلم أن المخطئ يعاني فور إرتكاب الخطأ من ذات نفسه . ويروح عبد الحليم مؤكدا لي أن هناك نارا صغيرة لا يراها غير من إرتكب الخطأ ليتعذب فيها وحده. وقد تتأخر رؤيته لخطئه بعض الوقت ، وقد يعاتب نفسه وقد يصر على أنه صاحب حق في الخطأ. وعندما يعاني من تعطل بعض أعماله أو تتكعبل بعض أحلامه يقول: « وهو أنا عملت إيه يارب ؟.. «ضحكنا من لعبة الإنكار التي نمارسها مع خطايانا لنتوه في لعبة الفخر بما نفعل من أعمال طيبة .

ويقطع ضحكاتنا رنين التليفون وليكون على الخط اللواء محمود السباعي شقيق يوسف السباعي ومدير امن القاهرة في ذلك الوقت، وكان عبد الحليم قد طلبه ليشكو له دقات آلة تغرس خوابير ضخمة لتكون أعمدة خرسانية حيث يتم بناء عمارة جديدة ؛ لا يفصلها عن بيت عبد الحليم سوى بضعة أمتار. ولم يكن محمود السباعي بقادر على إيقاف دقات آلة غرس أعمدة الخرسانة، وقال لعبد الحليم: « أنا عارف من سعاد حسني إنك عايز تبيض البيت .. إيه رأيك تقعد اليومين دول في شقتك بعمارة السعوديين اللي على النيل ؟ « . وكأن محمود السباعي قدم بهذا الإقتراح إنقاذا لعبد الحليم من دقات آلة غرس الخرسانة في الشارع المجاور .

ولم يكن إنزعاج عبد الحليم من ضجيج الدقاق الضخم فقط ،بل كانت أفكاره مع كل دقة توقظ من الذكريات ما يؤلم ، وكأن الدقات قد نسيت أن في الحياة فيها محطات للفرح مهما بالغت بقية الأيام في قسوتها .

فالطفل الذي كانه كثيرا ما بكى وصرخ لأنه بلا ثدي لأم ترضعه ، و الرضعة الوحيدة التي نالها من ثدي أمه بهانة كانت بسبب رغبة «الداية « أن يلحق بالأم التي إرتفعت حرارتها؛ ولم تنخفض درجة حرارتها حتى يعد دلق الماء الساقع القادم من كل زير في الحارة الضيقة بالحلوات ، وأيقنت الداية أن بهانة مسافرة بحمى النفاس إلى خالقها . ولن تشكو بطبيعة الحال أنها واحدة من ستين بالمائة من نساء الريف يقطعن الرحلة إلى الموت في أثناء أو بعد الولادة بأيام . ولبن أي منهن يمكنه أن يجعل الوليد في صحبتها إلى الموت ، فيقال أن اللبن في تلك الحالة يكون مسموما . ولكن العمة زينب جذبت عبد الحليم من ثدي الأم الملتهب بحرارة الحمى وناولته لشقيقته علية وهي تقول « ده روح .. ده إحنا بنخاف نقتل أي روح . ونوصي العيال ما يقتلوش الكلاب أو القطط ، نقوم إحنا نرضع الغلبان ده من أمه اللي بتموت «. وأخذته علية لتسقط دموعها على القادم ليزيد من أعبائها . وقد سمعت تلك الكلمات من فم العمة زينب وهي تعد لي ولعلية فنجان قهوة على سبرتاية نحاس وفي كنكة نحاسية أقسمت لي أنها هدية وصلتها من قريب قام يزيارة النبي الحبيب وعاد لها بتلك الكنكة ، أما البن المرير الطعم بعض الشيئ فقد جاء به عبد الحليم بعد زيارة للجنود الذين يقاتلون هناك . أحضره لها عبد الحليم من اليمن التي كان قد سافر إليها ليغني للجنود المقاتلين هناك . ولم تسمع مثلي من عبد الحليم كيف كانت الرحلة إلى اليمن قاسية أثناء السفر ، وأكثر قسوة في رحلة العودة ؛ فقد كان معه إثنان من المصابين ، نزلا بسرعة إلى القاهرة ، أولهما جندي ظل مفقودا لشهور طويلة على قمة أحد الجبال ، فعاش حياته مكتفيا بطعام من أعشاب برية ومياه يجدها في الصباح من بقايا الطل ، وغرق في خيالات وأضغاث خلل وجداني فحدث صخرة ما على أنها زوجة وصخرة أخرى على أنها إبنة. وعندما عثروا عليه ؛كان رافضا للنزول معهم للعلاج ، ولأنه لا توجد مصحات نفسية باليمن لذلك كان لابد له من العودة على نفس الطائرة التي أقلت عبد الحليم وعلى نفس الطائرة مقاتل آخر تم إنقاذه بمعجزة خارقة ، فقد أصيب بطلقة في الرقبة وهو على قمة جبل ، فما كان من طبيب موجود بالموقع إلا أن زحف وسط زخات من رصاص أبناء القبائل ، وليقطع أنبوبة السماعة الطبية ليدخلها في موقع الرصاصة كيلا يختنق المصاب ، وحمله على ظهره ليعود به حيا رغم زخات الرصاص. وكان أبناء تلك المناطق يرون كل ليل إمام اليمن المخلوع بدر ، وهو مدهون بالفسفور الذي يضيء ، وكان يملأ بطون المتعاونين معه بنشر إشاعة أن السماء تجعله يضيئ ليلا وأن رسول الله طلب منه جمع المقاتلين من أبناء القبائل لطرد المصريين الكفرة من اليمن . ولم يكن عبد الحليم يعلم أن الطبيب الذي فعل ذلك هو صديقي فؤاد بشاي ميخائيل جراح الجمجمة والتجميل والذي كان كثير المناوشة والنقاش مع من أصيب في رقبته، خصوصا وأن المصاب كان على موعد زفاف من زميلته ، وكان فؤاد يضحك معه « لقد أنقذت حياتك ولن تتأثر إطلاقا في ليلة الزفاف بما وقع لك ، كما أني قمت بترقيع جزء من غضاريف الرقبة لتلتحم دون أن يبقى أي أثر لإصابتك ».

................

كنت أسمع الحكاية وطعم القهوة مرير في فمي وأنا جالس في الجانب الذي يمثل قرية الحلوات في منزل عبد الحليم . و أمامي العمة زينب التي تواصل: « ده حتى عياطه كان حلو .وكنت أقسم برأس النبي أنه حايكون صييت في الموالد والأفراح . وترد عليها شقيقته علية بتذكر حكاية تسلق عبد الحليم لعمود يحمل قماش السرادق الذي يغني عبد الوهاب داخله ، وعند نزوله من على العمود إرتكن على باب خشبي ضخم فوقع عبد الحليم على الأرض وليسقط الباب الضخم على ساقه فكسرها ، وحمله شقيقه إسماعيل على ظهر حمار العمة زينب حتى الزقازيق ليتم تجبيس الساق .

وبين كلمات تحكي ما تحمله عبد الحليم من ألم قاس في طفولته إلى كلمات تفخر بما وصل إليه من مكانة ، سواء أكانت الكلمات على فم العمة زينب تحمل جميل عبد الحليم الطازج لها وهو إهدائها إذن بحج بيت الله الحرام؛ وهو الحلم عند أي سيدة في عمرها أو على لسان شقيقته علية التي يعتبرها الأم والأخت وهي التي لا يرفض لها طلبا أو أمرا.

وتضحك شقيقته علية وهي تتذكر كيف إدخر قرشين صاغ وكان عائدا إلى بيت الخال عماشة في ظهر يوم الخميس ، ووجد بائع تفاح فإشترى منه تفاحة كبيرة ، وأراد أن ينفخها لتكبر _ كأنها بالونة _فتكفيه هو وأبناء خاله الذي بدا قاسيا عليه . وما أن وجد قطعة من الغاب بجانب الطريق حتى إستخلص منها ما يشبه الشفاطة ، وليغرسها في التفاحة وينفخ فيها لعلها تكبر ، فتناثرت بعض أجزاء التفاحة ، وغرق في الدموع لهذا الفشل .

وطبعا كان عبد الحليم نزيل ملجأ بالزقازيق ، وكان يكره الملجأ الذي استمر فيه حتى الشهادة الإبتدائية. أما سر الكراهية فهو التوجس المستمر بين جميع من أولاد الملجأ . والخرزانة حامية اللسعات فى يد من يسمونه الضابط ؛ وهي خرزانة تلسع بمناسبة أو بدون مناسبة.

وعندما تضغط الظروف على الأولاد فهم يغرقون في حكايات تؤكد الرجولة أو البطولة ، وتتخلل الحكايات معارك حادة بينهم. كل منهم قد يضرب الآخر بدون سبب. وأغرب خناقة هي الخناقة على البنطلونات الكاكي التي يرتديها أعضاء فرقة الموسيقى ذات الزي الذي يقترب من زي الكشافة. وكان كل وحد من أعضاء الفرقة يرغب في بنطلون واسع؛ حتى لا تكون الملابس «محزقة»؛ فمن العيب جداً أن يرتدي طفل يشتاق لرجولته أي ملابس محزقة. فالحكايات كثيرة يمكن أن تدور عن الذي يرتدي ملابس محزقة. وكان كل الأطفال الذين يدعون الرجولة المبكرة يتبادلون حكايات فيها تفاصيل العلاقة بين الرجل والمرأة . ويضحكون حتى على الأكاذيب التي يقولونها لبعضهم البعض. فمن هذا الذي يتصور أن طفلاً في العاشرة يستطيع جذب اهتمام زوجة موظف كبير؛ وأن تسهل له الدخول معها في مغامرة ؟ . ولكن كان لكل طفل فوق العاشرة حكاية من هذا النوع. وقد ارتفع صوت أحدهم بحكايته عن تجربته الغرامية أثناء الخناق على البنطلونات الواسعة. وكان الجو الحار كفيلاً بأن يجعل أيدي أغلبهم تتسابق إلى ضرب الآخر. وكان أي منهم عندما يضرب زميله يضربه حتى الرغبة في الموت. ثم يدخل الجميع في نوبة بكاء . ولكن نطاق المعركة يوم استلام البنطلونات إتسع ؛ وراح بعضهم يتفاخر بأنه رجل أكثر من غبره و يحكي بصوت غاضب عن المرأة التي يحبها. والمضحك أن كلا منهم لم يختر فتاة صغيرة تناسبه في السن. بل كان الاختيار لنساء لا يقل عمر الواحدة عن الثلاثين مثلا . و اختار عبد الحليم واحدة ليحكي عنها أوهامه. وهي جارة يطل شباك بيتها على الملجأ. ويضحك عبد الحليم وهو يقول لي: « لم أكن أحبها . فكل شيء فيها ضخم».

وجاء دور إختياره للبنطلون ، فقال لنفسه: «إن جسمي صغير وأي بنطلون حا البسه حيكون واسع». وهذا لم يعجب أحد الذين ينوون ضرب عبد الحليم بعنف. فقال المشاغب : «تلاعبني عليه عشرة كومي»؟ . وكانت تلك هي المرة الأولى التي يسمع فيها كلمة «الكومي». فطلب عبد الحليم تعلم اللعبة أولا ، وذهب الولد إلى صندوق ملابسه وأحضر كوتشينة ذات شكل جميل. وبدأ عبد الحليم في تعلم اللعب. وكان أول اللعب على البنطلون. من يكسبه؟. تعلم عبد الحليم اللعبة في نصف ساعة ، ثم كسب البنطلون أكثر من مرة. وكل مرة يتحداه محترف الكوتشينة ، وبدأ يشعر أنها لعبة جديد وبدأ يعرف أن الكوتشينة لذيذة لأنها تضيع الوقت جيداً، لا تجعله يفكر في أمور الحياة الصعبة.وكان فيها علاج لنوبات البكاء أحياناً بدون سبب أو بسبب. فمرة كسر كوباً في بيت الخال فبكي بعنف. لأن الكوب ليس ملكا له وليس هو أخته أصحاب البيت. فيسافر في خياله ليتخانق مع الأم أو الأب. تصور مرة أن أمه بهانة قد عادت إلى الدنيا مرة أخرى ثم حاولت أن تعود إلى القبر. فصرخ فيها وبكى , وفي وكل مرة يقول لعلية مثل هذا الكلام تغرق فتبكي وتقرأ القرآن ترحماً على الأم. ومرة قال ذلك لإسماعيل فكاد أن يضربه. فلم يكن عند إسماعيل وقت للأحلام. إنه مرهق ويريد أن ينقذ نفسه وينقذ شقيقته وعبد الحليم ومحمد والنقود الموجودة معه لا تكفي لإنقاذ أحد في هذا الزمان.

................

وبعد أن تأكد مكسب عبد الحليم للبنطلون بعد أكثر من دور كوتشية رفض الخصم أن يأخذه كهدية ؛ وقرر أن يضرب عبد الحليم لأنه غلبه كثيرا. وكان عبد الحليم يخاف أن يضربه أحد، فقرر أن يلعب مع الولد دور كوتشينة جديد وتعمد أن يلقي للخصم بالأرقام الصغيرة حتى يكسب هو. وبالفعل كسب الولد البنطلون. وبدأ عبد الحليم يعرف كيف يكسب أو يخسر ؛فالكوتشينة 52 ورقة. والمكسب فيها حساب والخسارة فيها حساب. «والذي يعرف كيف يحسب لقدام أكثر من الثاني؛ يكسب أو يخسر على مزاجه». و اللاعب الجيد هو الذي لا ينفعل وهو يلعب. إنما يحسب بهدوء. أحب عبد الحليم الكوتشينة لأنها كالسباحة ضد التيار. تعوم وتعوم وتصل إلى نقطة بعيدة. أنت لا تفكر وأنت تمسك الكوتشينة إلا في أرقام وتنسى كل شيء. والغريب أنه لم ينس أي شيء وهو يلعب الكوتشينة. وكانت الكوتشينة توجز طريقا سهلا للهرب من القسوة التي يكرهها عبد الحليم ولكنها أحاطت به منذ الولادة وحتى بعد أن أصبح نجما مشهورا .

ولنسيان القسوة كانت أهم أدوات النسيان هو قرص الموجادون المنوم الذي كان يأتيه بأمر الطبيب ياسين عبد الغفار من سويسرا ، وكان جمال عبد الناصر يضطر إلي الموجادون كي ينزل من على أكتافه هموم العرب من المحيط إلى الخليج لبعض من ساعات الليل، وهو قد علم ذلك من خلال حفل العشاء الذي حضره وبجانبه أم كلثوم وعبد الوهاب والمشير عبد الحكيم عامر . وفي ذلك العشاء أراد عبد الحليم تليين الجو الرسمي فمارس شقاوته المدروسة للنكاية بعد الوهاب وأم كلثوم معا ، فهو يعلم أن عبد الوهاب لا يخاف إلا من الطائرة ويخاف أكثر من أن يخطيء في الكلام عن ثورة يوليو ، فعبد الوهاب لا ينسى ما حدث لـ»أبوحباجة» لاعب الكرة القديم حين سمع في جلسة بالنادي الأهلي أن عبد الناصر تعجل بقيام الثورة بعد أن بلغه وصول عدد من أسماء الضباط الأحرار إلي الملك فاروق عبر ضابط بالحرس الملكي ، فقرر التحرك منتصف ليل 22 يوليو ، فقال أبو حباجة « يعني لازم الضابط ده نفسه يروح يبلغ جمال عبد الناصر بأن الملك علم بالثورة ؟ّ . كان أبو حباجة يلقي كلمته كنكتة و لكن أصدقاءه بالنادي الأهلي قالوا له « آه لو وصلت ل عبد الناصر .. ده الضابط اللي بلغ الملك بأسماء الضباط الأحرار وبلغ جمال عبد الناصر بمعرفة الملك ، هذا الضابط كان جالسا في تربيزة بجانبك وأنت تحكي تلك الحكاية ؛ فخاف أبو حباجة وإعتزل شهرا باقيا في منزله خوفا من أن يبلغ أحد أجهزة الدولة بما قال . ولذلك كان عبد الوهاب يؤثر السلامة فلا يأتي بسيرة الثورة أو رجالها ، ويذهب إلى حفل 23 يوليو لأن الداعي هو عبد الحكيم عامر نائب الرئيس الذي لا يجرؤ أحد أن يرفض له طلبا . ولذلك ما أن قال عبد الحليم أنه لايصدق وجود قمة كعبد الوهاب وقمة كأم كلثوم في عصر عبد الناصر ، ولا تغني أم كلثوم من تلحين عبد الوهاب ، هنا جاء تعليق عبد الناصر بأن الأغاني لو يلزمها قرارات جمهورية لأصدرها ، لكن عبد الوهاب قال: إعتبر القرار صدر يا أفندم . وقالت أم كلثوم: « ياريت « . ورغم ميلاد أغنية « إنت عمري « بنجاح ساحق إلا أن أم كلثوم وعبد الوهاب لم يغفرا لعبد الحليم هذا القول؛ لأنه كان بمثابة إزاحة لأي منهما من عرش قيادة الفن في مصر ، وإيذان بتولي عبد الحليم تلك القيادة . وكان عبد الوهاب أقل شراسة من أم كلثوم ، فهو أولا وأخيرا شريك لعبد الحليم في شركة صوت الفن ، أما أم كلثوم فكانت تعلم جيدا أن عبد الحليم ليس سهلا . ولذلك أصرت على إستبعاده من حفل يوليو ، لكن جمال عبد الناصر أصر على إقامة حفل بالإسكندرية ليغني فيه عبد الحليم . وهكذا تأكد لأم كلثوم أن مكانة عبد الحليم من الصعب تقليلها أو النيل منها.

................

بعد أن ترك عبد الحليم الزقازيق وملجأها ونسي الإقامة التي كان يشعر فيها بأنه ضيف ثقيل عند خاله ، كان عليه أن يعيش في القاهرة مع شقيقه إسماعيل في حجرة بحوش ودورة مياه مشتركة مع عشر حجرات أخرى . وطبعا تركت الزقازيق في عبد الحليم آثارا لا تنسى . تعلم الموسيقى في االملجأ. الشهادة الابتدائية. إجادة الكوتشينة. أما الغناء فكان شيئا بينه وبين نفسه. ويقول لي ضاحكا: «لولا دراستي للكوتشينة لما وصلت إلى ما وصلت إليه. فالحقيقة أن ساعات النهار كالبوكر أوراق في يدك وأوراق في يد غيرك واللعبة لعبة حب وأعصاب. إذا جلست إلى اللعب وأنت تحب من معك وتعرف ظروف كل إنسان. فأنت تكسب لأنك ستكون سيد الموقف تماماً. وعندما حضرت إلى القاهرة كان لابد أن «أقتل الوقت». نعم أنا لا أحب أن أفكر فيما مضى. وأخاف من المستقبل وأحس أن كل لحظة أعيشها على كف عفريت. هذا العفريت هو القدر وأنا أريد أن أهرب. أغني لأهرب.. أكنس الحجرة التي أسكنها مع أخي إسماعيل لأهرب. أشتري الخضار لأهرب. أطبخ لأهرب. كنت أحس أن هناك من يطاردني. لعنة الخوف من أن يتكرر مرة أخرى ما حدث في طفولتي. أكره هذه الفترة تماماً وأخاف منها. وأحس أحياناً أن ما أفعله في اليوم الواحد أشياء كثيرة. أدرس في معهد الموسيقى المتوسط وأدرس في معهد الموسيقى العالي. وأحس بالغربة ونحن في السيدة زينب وأحب أن أقلد الكبار وأقرب طريق لأن ألتحق بالكبار هو المقهى. وفي المقهى كان الطريق الوحيد هو التفاهم مع الكبار هو الكوتشينة. فهي لغة حية للناس التي تعرف القلق. إنها كالإنجليزي والفرنساوي والألماني وبل إنها لغة أكثر حيوية. وكنت ألعب الكوتشينة مع الطلبة فقط لأني أخاف أن أكسب أحداً فيضربني. وكنت أحس بأنني أمارس هواية العند وأنا ألعب. إن الكوتشينة تجعل رأسي «الناشف» يلين قليلاً عندما أعود إلى المنزل. وكنت أستريح من الهموم والحزن الذي يفاجئني بدون سبب. كانت المشكلة بمنتهى الصراحة أنني أحس أنني عبء ثقيل على كل من حولي. وأنني غير مرغوب في وجودي. وأنني يجب أن أعتذر عن كل شيء!! أعتذر لأمي أنها ماتت وأعتذر للجارات اللاتي أرضعنني. وأعتذر لخالي لأنه أعطاني سريراً في بيته. وأعتذر لأخي أني آكل من نقوده. وأعتذر لعلية لأني «ولد شقي» وأنتبه فقط إلى دراسة المعهد. أحس أن الموسيقى هي الحل الوحيد. دراسة الموسيقى والكوتشينة هما الحب الحقيقي. ففي الاثنتين أحس أن لي قيمة. وعندما يشعر الإنسان أنه «ما لوش قيمة» يحزن ويبكي بدون سبب. وهكذا أصبحت الكوتشينة رفيقة عمري.

................

يوجز عبد الحليم علاقته بعبدالوهاب في أنه لعب معه أول دور قمار دون كوتشينة. أحس عبد الحليم بذلك وهو يدخل علي عبد الوهاب في منزله بجليم ومعه مجدي العمروسي و طلب منه أن يسمع صوته وأن يقول رأيه. فأخرج عبد الوهاب من جيبه ورقة نقدية ليعطيها لعبد الحليم ، هنا أحس عبد الحليم أن هذه النقود عقرب يلدغ. وأن عبد الوهاب يلعب معه قماراً بدون كوتشينة. تماماً كما فعل من قبل مع محمد الموجي. كان الموجي بدون نقود فذهب إلى عبدالوهاب ليعرض عليه الألحان. فجلس عبدالوهاب يدندن بلحن له وقال للموجي: فيه عقدة في اللحن ده وعايز أفكها».

كانت العقدة هي جملة موسيقية يربط بها عبدالوهاب اللحن ، وهنا أعطى عبد الوهاب للموجي خمسون جنيها . وعندما حكى لعبد الحليم تلك الحكاية صرخ عبد الحليم في وجه الموجي: أنت ملحن. والأستاذ عبدالوهاب من غير ما تحس بيخليك ترزي! ضحك الموجي جداً ورفض بعد ذلك أن يقوم بمثل هذه الأعمال.

و.. ظلت الحياة أوراق كوتشينة ، كان يهزها في ذلك الوقت دقات غرس الخوابير الأسمنية لتكون عمارة على بعد خطوات من بيت عبد الحليم .

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق