رئيس مجلس الادارة

أحمد السيد النجار

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

يا حمام روح

حسين عبدالرحيم
... وجدتنى فى لحظة حنين تكررت كثيرا أردد فى نفسى كلمات تلك الأغنية التى تذكرتها فجأة فبت أقلب فى ذاكرتى وبفراسة نادرة.. وفى محاولات مضت سمعتنى أتغنى بها وقت دخولى الفراش مستندا إلى حائط أسمنتى لأغلق غرفة النوم متحاشيا ذرات الغبار التى هاجت فتطايرت فى الجو لتهاجم ثكنتى.. وفى محاولات عدة للنوم تمددت ووسط تقليب مرير تحت الغطاء، عادت أطياف الذاكرة تجتر وقائع زمن مضى وتبدد، وأتت نبرات المطرب البورسعيدى تنهش الحواش بأساها..

«يا حمام روح قوام لحبيبى... يا حمام دا الغرام زود لهيبى»؟!

قلت لنفسى وأنا المخنوق من غبار ربيعى هتك ستائرى، لعل للحمام البنى الراقد فوق شباكى منذ أسبوع دورا كبيرا فى تلك الذاكرة أو الشريط الغنائى.. أتى الربيع متناقضا فى تقلباته الجوية هذا العام.. ما بين سخونة نهارية ورطوبة وبرد ليلى، إلا أننى أصررت على النبش فى الذاكرة، فقمت وتركت الفراش أعبث بالمذياع فى محطات قديمة دون جدوى، أطل من النافذة، أرقب الكورنيش الطويل بحركته قرب «حدائق المعادى» وجهة مبنى المسطحات المائية.. زاد صمتى صفاء مع طيران الحمام الذى أزعجه فتح النافذة على مصراعيها، وطار بعيدا، فقلت فى نفسى وفى شكل قاطع: لا، ليس هناك ثمة علاقة بين طيران الحمام وكلمات تلك الأغنية التى صارت شغلى الشاغل منذ ليال ثلاث..

بت أتذكر من جديد، أحصى ساعاتى ومواقيت الخروج فى الأسبوع الفائت ومشاوير تقليدية عدة انتهت أغراضها فور عودتى أمس الأول من «سوق التوفيقية» بشراء غطاء المشمع لسيارتى البيجو (504) وعلى الفور وبلا مقدمات عزمت على ترك الشقة والنزول إلى الشارع.. مشيت والبنايات الأسمنتية الضخمة تحاصر جنبات منزلى والحصى المبعثر فى طرقات «العروبة» و«حارة المصرى» تسد الطرق الموازية والعرضية المملوءة برمال صفر مكومة ومنثورة معدة للرفع إلى أدوار عليا، ركبت الميكروباص الذى طار بمحاذاة النهر وانخفض طير وحلق صوب عينى الناظرة إلى مدى سماوى رمادى..

وحط «مالك الحزين» قرب صفحة الماء وتدلى أربع مرات ليستقر به الحال فوق ربوة طينية أدناها الأرض الخراب، صار الميكروباص يخترق أشجارا مزهرة صماء، وراحت الذاكرة من جديد تنكش فى أيام مضت فى المدينة الساحلية، وقرب شط القناة وخلف السواتر الحديدية وحواجز الموج المصطخب، هبطت فى وسط المدينة وتركت ذكرياتى جانبا وقلت أمشى فى السوق فمشيت وبدأت الرؤية تتضح شيئا فشيئا، فى قلب السوق كانت صورة الشخص المقصود قد تطابقت مع الأطياف فى الهيئة والملامح المألوفة للرجل الذى يبيع العصافير.

جلس على كرسى خشب ووضع اليانك الأزرق فوق رأسه وأمسك بطرف حبل مبروم تدلت منه عشرات العصافير المذبوحة، وضع ساقا فوق ساق فبانت أناقته مع ارتدائه الحطة البحرية الزرقاء فى أبيض والحذاء «الهاف بوت، الكرب الهافان» ونظارته الشمسية «بيرسول الفاميه»، اتسعت خطاى فى الترجل مغمورا بنشوة مجهولة أعادت إلى الذاكرة المبعثرة منذ زمن، طفولتى وصباى وشبابى هناك فى «بورسعيد» فى العام الخامس والسبعين؟! وصوت يعلو فى داخلى مع رقص داير على الرمل الأصفر وبنات بخصلات ذهب طويلة وعيون زرق وكلمات الأغنية تتجلى من جديد فى جو صاف رائق أسفل بلوكات «التوفيقية» وعربات تفاح أمريكانى لامع مفروشة فى نسمة عصارى، مع الاقتراب من جلساته وتحديقى بنفور للعصافير المنكمشة مصلوبة ومذبوحة.. شماسى النيل من فوق عربات الطماطم.. انتفض الرجل وسحب كرسيه مذعورا وابتعد قاصدا الجانب الآخر من الشارع لتباغته رافعة حديد تدلت من أعلى سطح قريب موجه لمبنى أسمنتى قيد الإنشاء.

قلت للرجل الذى آثر السلامة ولم ينبس بكلمة:

ـ «انت منين يا ريس»؟!

فرد قائلا:

ـ ليه؟ من بورسعيد يا سيدى، وتركتها، ودى شغلتى من خمسين سنة.. هتحقق معايا انت كمان؟

قلت:

ـ لا، أبدا يا حاج، لكن انت.. انت تعرف الكابتن «أحمد عمار»؟

«مين»؟!!

ـ أحمد عمار.

نظر وحدق فى شرود وأعقبه صمت طويل فباغتنى بسؤال آخر أكثر غرابة..

ـ «انت اللى مين. وعايز إيه؟.. روح لحالك».

استدرت ورأيت ذرات الغبار تتعالى من جديد مصطدمة بالأشجار القليلة قرب شارع «رمسيس».. مع استعادتى لملامحه الحادة ووجهه الخمرى المصبوغ باحمرار بيّن والجسم البدين نسبيا تلاشت الهواجس، وتأكدت ظنونى.. بل أيقنت وتذكرت أنه الرجل الذى رفض مصافحتى منذ عامين عندما قدمت له نفسى فى المكان نفسه منصتا إلى كلمات الأغنية نفسها.. «يا حمام روح قوام لحبيبى، يا حمام دا الغرام زود لهيبى»، وفى مواجهة جهاز الكاسيت اليابانى الصغير المعلق خلف كرسى خيزران أقف أسفل شمسية كبيرة زرقاء منصوبة بمحاذاة الرصيف المبلط بالرخام قلت من جديد:

ـ «أنا جمال الأكيابى يا كابتن»؟!

وكأنها الزلزلة قد هبطت على رأسه، قام غاضبا وسحب الكاسيت من رباطة عنقه فوقع الشريط القديم وتوارى وسط كومة من «المونة» الجافة الملقاة بجانب البناية الأسمنتية.

هرول فى سكون ودنت دمعة متسرسبة تهجر الحدقة اليسرى لتستقر فوق شفته العليا الرفيعة، علق الحبل المبروم كطوق حول عنقه وعدل من وضع «اليانك» فوق رأسه، مع قدوم ضباط البلدية من الشوارع الخلفية تراجع إلى الوراء وتلفت مذعورا، قصد شارع رمسيس فدنا لناحية «سليمان الحلبى»، عدت أسير ويطفو الحنين ويجرنى إلى أمكنة وأزمنة «أول العرب» فى بورسعيد عام 1975، وهجمة رجال الداخلية بقيادة المقدم «عادل أبو الحمد» رئيس مباحث العرب على كشك الكابتن «أحمد عمار» وإشباعه ضربا على القفا والصدغين أمام الخلق من الجيران والأقرباء وزوار «المنطقة الحرة» عقب الانفتاح بحجة متاجرته بالطيور النادرة واصطيادها بلا ترخيص، وكذلك الشكاوى المتكررة فى حقه من «آل سليمان» والحفيدة «ميرال» التى يتعهد كابتن «عمار» مراقبتها عند وقوفها فى «التراسينة» وقت الغروب وتركه المسجل اليابانى «السونى» مفتوحا «ليل نهار» مقدما أغانى السمسمية وموسيقى يونانية مما تسبب فى إزعاج السكان، جريت خلفه مذهولا، كان الرجل قد غاص فى زقاق بعيد.. عدت أدور وألف، أصطدم بأكشاك خشبية فارغة وباعة متجولين، أبحث فى الزحام عن شريط غنائى قديم وسط الركام ومخلفات المبانى، حياة الكابتن تعيد أطياف الونس وصخب الطفولة وعمرى الضائع هناك بجانبه وجلساته الصاخبة الحميمة عن «لارناكا» و«قبرص» و«أثينا» وكيف يصطاد السواحلية الطيور الجارحة وفتيات شقراوات بعيون ملونة فى موانى بعيدة جهة الشواطئ الرميلة الصفراء وقت الغروب.. ويحكى أحمد عمار البورسعيدى فى الليل الرائق وعلى صوت موسيقى «زوربا» «لثيوذراكس» يناولنى الكابوريا والجمبرى المقشر المغموس فى طحينة بيضاء، والرئيس الراحل «أنور السادات» يحكى عن السلام وعودة المهجرين إلى مدن القناة، تطول أحاديثه وتنطلق الضحكات حتى منتصف الليل الصيفى، وفى تمام الثانية والنصف يتأهب ويقوم منتفضا كالمقبل على مهمة عسكرية، يسحب الرشاش «الليزر» الـ 9 طلقات من جرابه ويجلس على الكرسى البامبو الهزاز وبثقة وثبات يصوب فوهة السلاح فى المدى المظلم قبل الفجر يرقب خروج الفئران الكبيرة من أحواش منازل قديمة هجرها السكان ورحلوا عقب حرب التحرير.. ينطلق الرصاص كالمطر فيحصد القتلى.. أرانى حجم الأرانب مربوطة من الأقدام والأعناق بدوبار طويلة إضافة إلى خمسة تترك حية وتربط فى المقدمة بطرفين منفردين من حبال.. وأركض قاصدا المكان المهجور فى قلب التوفيقية أبحث عن شريطنا القديم فأجده سليما وعليه «استكرز» صغير مكتوب أعلاه بخط ذهبى واضح «رحلات بحرية فى عمر انقضى»، تغمرنى الدموع وأترك السوق قافزا فى أول ميكروباص ذاهبا إلى المعادى، فى وسط القاهرة، وفى إلحاح ورجاء أطلب من السائق العايق وضع الشريط فى الكاسيت وتقصد السيارة طريق الكورنيش وتتعالى الأنغام فيصبح المغنى فى سجن آسر وأنا جالس فوق الكرسى الأمامى بمفردى فاردا الذراع اليمنى هابطا بزجاج الباب حتى القاع ليطير الغبار فى تموجات شيطانية ويعود الاختناق من جديد مع تحليق غربان سود عبر لافتات «قصر العينى الفرنساوى» و«معهد الأورام» ومفارق «الملك صالح» و«الزهراء» و«كوبرى المنيب» ويردد «حسن العشرى» مطرب السمسمية الأول وقت الهجرة: «يا حمام روح قوام لحبيبى.. يا حمام دا الغرام زود لهيبى وتقولى إيه إيه زعلان من إيه إيه إيه.. هوا الخصام مش حرام يا حمام»؟!

ويعقبه ثيوذراكس بنفرات الإيقاعات والبشارف التى تدق فتخفت فتزيدها رقصة «زوربا» صخبا وتتسع الفضاءات فى مدى بصرى منير، أتوه وأروح أجتر وتنادينى أيامى هناك فتنفجر صخور وتأتى أمواج صاخبة تشق الأسفلت بطول الكورنيش القاهرى.. على صفحة مياه بيضاء مالحة تأتى من الساحل البورسعيدى وترى فتيات شقراوات بعيون زرق يرقصن صوب عيونى ويحسب الكابتن «عمار» من أصابعه ليدق الأرض بقدمه ويرقص وسط الدائرة البديعة التى صنعتها شبكة الأنامل الرقيقة لفتيات يونانيات وتركيات وقبرصيات يدبدبن بأقدام طفولية فوق رمال صفر على شواطئ مألوفة لعين الفارد ذراعيه فى الهواء وقت الغروب.

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق