رئيس مجلس الادارة

أحمد السيد النجار

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

اهلا يا انا
حب له ضوء من موسيقى

منير عامر
كل ليل في صيف 1964 له ضجيج موسيقي خاص في كافتيريا «نايت أند داي » بسمير اميس. وكان الفندق بمبناه القديم يبدو كقصر من حنان أسطوري قادم من « ألف ليلة وليلة» التي تخص القاهرة وحدها . يمتزج في البناء القديم أسرار عمارة القصور الشاهقة ، وتتخلله الكافتيريا بكل ما في القرن العشرين من ضوء وبساطة .

وهاهي سعاد حسني تدخل كأميرة من الحيوية المتدفقة ، يصدر منها ولها وحولها ألف شمس وقمر ونجمة ؛ نعم فسعاد تتمتع بخاصية تناثر البهجة منها في كل اتجاه . ولعل صلاح جاهين وحده هو الذي أبدع تصويرها حين قال عن حضورها « بمبي بمبي .. الحياة بقى لونها بمبي .. ». همست أقدامها لأرض الكافتيريا فالتفت الجميع ، ورغم مرور أكثر من شهر على نفي عبد الحليم لحكاية زواجه من سعاد إلا أن البعض توقع حضور عبد الحليم . كان الكل يعلم أن قصة حب الاثنين صارت معلقة على حبل الإنكار ، لكن عطرها ما زال ينتشر عند ذكر أي منهما . فالحب كما فهمت عن كتاب « طوق الحمامة في الإلف والإيلاف» لسيدنا ومولانا الإمام ابن حزم ؛ فهمت أن الحب أوله هزل وأوسطه جنة ونهايته قلق إخفائه تحت ركام من إنكار ، ليبقى منه بعد ذلك جرح موسيقي يذكرك بالجميل الذي عزفت عليه مشاعرك أنغام الذوبان في وجود من أحببت ، ولكن الجرح سرعان ما ينزف ألم إحساسك بأنك ابتعدت بفعل الظروف عن الحبيب . ولم تهمل ذاكرة أي من الساهرين حول سيد ليل سمير اميس الشاعر كامل الشناوي ، لم تهمل ذاكرتهم ما فعله إحسان عبد القدوس دفاعا عن حق الحب في الاكتمال ، فما أن أنكر عبد الحليم وعوده لسعاد بالزواج حتى أرسل زميلتنا مهجة عثمان لسعاد حسني لتروي قصة الوعد الذي عاش أياما فوق سحابات الحلم في اكتمال شجن سعاد بعناق شجن عبد الحليم أثناء زيارتهما المشتركة للمغرب ، ثم رحلة الاثنين معا إلى مدريد لاختيار بعض من أثاث البيت، ثم إغراق عبد الحليم لسعاد بهدايا احتلت حقيبتين كبيرتين ، قامت سعاد بفرزهما هدية من بعد أخرى أمام مهجة عثمان لتكتب كل تفصيلة ، ثم أعادت سعاد كل الهدايا إلى الحقيبتين ، وطلبت من زميلتنا مهجة أن تحمل معها حقيبة وتحمل سعاد حقيبة أخرى وأن ينزلا من بيت سعاد إلى بيت عبد الحليم الذي لايفصله عن بيت سعاد سوى زقاق ضيق، وليصعد الاثنان بالحقيبتين ، ويضعاهما امام شقة عبد الحليم لتضغط سعاد جرس الباب فيفتح عبد الرحيم الجرسون الخاص لعبد الحليم ولتقول له سعاد» الشنطتين دول بتوع الأستاذ « . ولينزل الاثنان من بعد ذلك ، وتعود مهجة إلى روز اليوسف لتكتب تفاصيل لقائها مع سعاد .

ورغم ذلك لم يغادر عبد الحليم قلب وخيال سعاد ولم تغادر سعاد خياله ، فما يربط الإثنان بدا وكأن من الصعب محوه بكلام من هنا أو قرار من هناك . لذلك ما أن دخل عبد الحليم إلى كافتيريا « نايت أند داي « حتى إتجه مباشرة حيث يجلس كامل الشناوي ، هذا الذي لا يجرؤ أحد على رؤيته إلا ويتجه لتحيته ، كان كامل بك الشناوي بجانبه سعاد حسني وأمامهما كاتب السطور بصحبة أستاذي صلاح عبد الصبور ، وغيرنا ممن تشملهم رعاية كامل بك ، الذي نعرف عن كرمه المادي والمعنوى الكثير والذي لا يجرؤ أحد على أن يحاسب الجرسون على ما يطلب، لأن الحساب على مائدة كامل بك لن يدفعه سوى كامل بك . وكان الفندق الكبير يحسب حسابات كامل بك الشناوي بالشهور ، فإذا ما أقترب إكتمال عام، فكامل بك يطلب الحساب ، ذلك أن محمد حسنين هيكل تعود أن يعرف ديون كامل بك ثم يهديه في عيد ميلاده شيكا بضعف تلك الديون.

وما أن إستقر عبد الحليم بجانب كامل بك الشناوى حتى بدأت أتابع حركة عيونه ، تلك الحدقة الشديدة السواد وسط بياض يميل إلى الزرقة ، وكأن عيونه تتعمد الابتعاد عن عيون سعاد ، رغم أن عيونها كانت تبدو وكأنها مشدودة بقوة الجذب إليه . وكسر كامل بك الشناوي حالة الصمت المزدحم بكلمات لعبد الحليم «أنت تصدق فقط وأنت تغني، أما أي كلام أو وعود خارج الغناء فعلينا ألا نصدقه» وطبعا كان عبد الحليم يعلم يقينا أنه مدين بحماس كامل بك الشناوي لموهبته وكيف صحب عددا من الكتاب والصحفيين لزيارته بعد إصابته بأول نزيف عنيف أثناء تصوير أول أفلامه «لحن الوفاء » ، وكيف جند كامل بك الشناوي كل من يعرف للدفاع عن صحة الموهوب عبد الحليم ، لذلك كان من حق كامل بك أن يقول أي رأي أو أي عتاب ، حتى هذا الرأي الذي يطعن في صدق عبد الحليم والذي ما أن سمعته سعاد حسني حتى برقت عيونها فرحة به . ورغم إرادة كل من عبد الحليم وسعاد أحاطتهما هالة الحب لتفضح السر الذي يملأ كلا منهما رغم إنكاره. وسعاد تملك في تلك الليلة ما تشعر أنه دين في رقبتها لعبد الحليم ، فقد حدث أن أحد رجال النفوذ الفعال في قمة السلطة ومن كانت له صلاحية رقابة الجميع ولا رقيب عليه أن أعجب إلى حد الهوس بمشهد في فيلم « كيلوباترا « والذي كان معروضا في دور السينما الأوروبية ، حيث تم لف إليزابيث تايلور في سجادة ليتم إلقاء السجادة لتنفرد أمام يوليوس قيصر فيقع في هواها ، وكان إعجاب رجل النفوذ بالمشهد سببا بأن يكلف أحد رجاله بتطبيقه حرفيا مع سعاد حسني، فيخطفها ليلفها في سجادة ، فتتجمد من الرعب وعندما يفردون السجادة أمام رجل النفوذ الصارخ تخطو سعاد فوق خوفها المتجمد لتنطق ما يفوق شجاعة أي كائن ، قالت لصاحب النفوذ ما يفيد أن رجلا محترما لا يجدر به أن يفعل ذلك . ويتم صرفها من المكان لتعود متجمدة من الخوف ولم يكن أمامها سوى عبد الحليم لتخبره بكل ماحدث ، فيرفع سماعة التليفون بغضب صارخ ويطلب لقاء شمس بدران مدير مكتب عبد الحكيم عامر ، ويحدد موعدا للقياه ؛ ويشرح عبد الحليم لشمس ماجرى ، فيدخل به إلى مكتب المشير عامر الذي يستمع بضيق لما جرى ، ويرفع سماعة التليفون ليأمر رجل النفوذ الصارخ بأن يكف عن مثل هذا. ويعود عبد الحليم لسعاد ويخبرها بأن أحدا لن يهددها بعد ذلك . لكن رجل النفوذ الصارخ يحدث عبد الحليم تليفونيا ليحذره بألا يشكوه مرة أخرى سواء لعبد الحكيم ولعبد الناصر ، فيمتلك عبد الحليم شجاعة الرد «سأعيش كما أنا ولن أتردد في الدفاع عما أراه صوابا» . وطبعا لم يكن عبد الحليم يعلم أنه بعد عامين من تلك المكالمة سيوجد رئيس وزراء لمصر لا يعرف في أي حق أي مساومة ، وحين يرفعون إلى زكريا محيي الدين أثناء رئاسته لمجلس وزراء مصر حقيقة تؤكد أن عبد الحليم يتاجر في العملة الصعبة للعائلات التي يوجد بعض أبنائها خارج مصر، وهو يملك مصنعا للإسطوانات في قبرص، وله رصيد مالي، ويعطي من يريد جنيهات إسترلينية خارج مصر ، شرط أن يأخد ما يساويها من العملة المصرية . وكان من نتيجة وضع تلك المعلومات موثقة أمام زكريا محيي الدين رئيس وزراء مصر أيامها وهو الرجل الذي تكفل بتأسيس كل أجهزة أمن مصر الثورة ، ما أن وضعوا تلك المعلومات أمامه حتى منع أغاني عبد الحليم من الإذاعة تمهيدا لمحاكمته من بعد ذلك . ولكن خبر منع أغنياته يصل إلى عبد الناصر فيوقف قرار المنع وتشاء الظروف وحدها أن أكون مع عبد الحليم ساعة إتصال عبد الناصر به ، ليخبره بإيقاف قرار منع أغنياته ، ولا أندهش حين وجدت عبد الحليم يقف على سريره ممسكا بسماعة التليفون ذات السلك الطويل _ كعادة التليفونات أيامها _ وهو يقول « ربنا يخليك ويحميك يا سيادة الريس».

طبعا كان في المسافة الزمنية بين حادث إختطاف سعاد حسني بواسطة رجل الأمن ، وحادث قضية منع أغاني عبد الحليم من الإذاعة ، كان في تلك المسافة الزمنية فرصة أخرى لشد أذن عبد الحليم، فهو إقترح ضاحكا وبشقاوة اعتادها وهو على مائدة عشاء عبد الناصر في يوليو 1963 أن يصدر عبد الناصر قرارا بأن يلحن عبد الوهاب لأم كلثوم ، فضحك عبد الناصر قائلا « لو التلحين والغنا بأمري كنت أصدرت القرار ده من زمان» فرد عبد الوهاب بالجملة الوحيد التي نطقها في حضور عبد الناصر منذ بدء العشاء ، قال «اعتبر الأمر صدر يا أفندم » ، فقالت أم كلثوم « ياريت» . ومن رحم تلك الليلة ولدت أغنية « إنت عمري» التي وصفت بأنها لقاء السحاب ، أي لقاء صوت أم كلثوم مع لحن لمحمد عبد الوهاب . وما أن جاء يوليو 1964 حتى أوحى رجل الأمن المشهور لأم كلثوم أن تطيل في الغناء إلى قرب الفجر فيخرج عبد الحليم من بعدها ليجد نصف الجمهور قد رحل . وينتبه عبد الحليم لذلك فيعتذر للجمهور قائلا « ما أعرفش ده إستمتاع من الست بالغناء ولا مقلب فيا أنا « ويضحك الجمهور ويصر عبد الناصر على حضور غناء عبد الحليم في تلك الليلة فلا ينسحب أحد قبل مغادرته نادي الجلاء بالزمالك . ثم يأتي التحضير لإحتفالات يوليو1965 ، وتقرر أم كلثوم أن تغني وحدها في ليلة الإحتفال بالثورة وأسمع عبد الحليم وهو يقول تليفونيا لشمس بدران مدير مكتب عبد الحكيم عامر وكان موجودا معنا بعض الموسيقيين « ورحمة أمي أسيب الغناء وأشتري تاكسي وادوس الحيزبون دي إن منعتني من الغنا»» وينقل أحد عازفي التشيلو تلك الكلمة لأم كلثوم فتنقلها لعبد الحكيم عامر فيطلب من عبد الحليم الإعتذار لأم كلثوم . ويحدث الإعتذار لكن ما في القلب يظل في القلب .

......................

وطبعا لم تصل كل تلك الوقائع لسعاد حسني ، الذي وصلها فقط أن عبد الحليم هرب من فكرة الزواج .

......................

وفي ليلة تواجد سعاد وعبد الحليم معا في ضيافة كامل بك الشناوي بكافتيريا نايت أند داي إمتلا المكان رغم إرادة الإثنين برائحة الحب التي ترسم خيوطها المتوهجة بينه وسعاد حسني . والكل يعرف أن الحب بينهما موجود رغم إرادتهما ، وقد خرج من دائرة السر المكتوم بين الاثنين؛ وحاولت سعاد خنقه بالدخول في خطبة لم تستمر مع أحد راقصي فرقة رضا ، لتتبع تلك الخطبة بعد فسخها بزواج سريع من مخرج غير ناجح لتطلق منه بعد أسابيع وليظل عبد الحليم هو النجم المتوج على العواطف ؛ وهو المدلل من كل المجتمع ، وهو الطفل المتوهج الذكاء الذي يشق الطريق إلى القمة فوق ما يتصور أي أحد . وهو الذي يقول كلمة مصطفى أمين «أن القمة تصلح لأكثر من واحد سواء أم كلثوم أو عبد الوهاب أو فريد الأطرش أو أي مطرب آخر « لكن الواقع الحقيقي يختلف ؛ فهو من قرب سعاد حسني إليه بعد أن شاهد ظهور محرم فؤاد ؛ ولم يكن عبد الحليم غافلا عن دراسة خريطة الغناء والمطربين جيدا . ولا داعي أن يقول أحد أن مطربا ما ترك الآخرين يصعدون إلى القمة دون أن يقاومهم ، فعبد الوهاب أطاح بعبد الغني السيد وكارم محمود وإبراهيم حمودة ومحمد أمين وجلال حرب ، وبعشرات غيرهم . وأم كلثوم شقت طريقها بالقوة وبالقسوة معا . أقول ذلك وأنا أعلم أن الكثيرين سيحاولون أن يقولوا « لا لم يحدث أن حارب أحد أحدا» رغم أن أي قائل لمثل هذا الكلام سيتجاهل هذا القلق العنيف على المكانة الذي يصاب به النجم أو النجمة حين يبزغ نجم جديد . ولكن لم يكن عبد الحليم يعلم أنه حين يقرب سعاد حسني منه سيجد نفسه مشدودا إليها راغبا في الفرار منها في نفس الوقت .

وكان وجود سعاد بـ «كافتيريا نايت أند داي» بسمير أميس يبدو كجائزة من ربيع تزرعه بهجتها كأميرة من الحيوية المتدفقة ، يصدر منها ولها وحولها ألف شمس وقمر ونجمة ؛ نعم فسعاد تتمتع بخاصية تناثر البهجة منها في كل اتجاه . ولعل صلاح جاهين وحده هو الذي أبدع تصويرها حين قال عن حضورها « بمبي بمبي .. الحياة بقى لونها بمبي .. ».

كان الحب متوهجا وهو يزيد من ضوء المكان بالفعل . عيون سعاد تحتضن عبد الحليم من على أمتار ، وعيون عبد الحليم ترسل ضوءها لسعاد . والكل يعلم أن بينهما حلم سعادة ووعدا مفقودا ببناء أسرة جديدة وظل هذا الحلم مفقودا إلى النهاية

......................

يحكي لي عبد الحليم كيف ولدت سعاد حسني في حياته ، فقد امتدت يده إلى جرائد الصباح ذات يوم ليجد صورة لفتاة جميلة اسمها سعاد حسني. عملت في السينما في فيلم واحد اسمه «حسن ونعيمة» من تأليف وإنتاج وإخراج رجل يبدو كمخزن للفن وضحكته تحوي مأساة ما. اسمه عبد الرحمن الخميسي. وحاول عبد الحليم أن يعرف عنها أنها أخت نجاة الصغيرة.

ذكرني عبد الحليم بوردة بلدي كنت أحب رؤيتها في أصيص صيني مزروعة في شرفة بيته . وكيف اختفت تلك الوردة ، ليعترف لي أنها ارتبطت في ذاكرته بسعاد حسني. سألت: لماذا لم تعمل معك سعاد في بداية عملها في السينما؟..

قال لي ضاحكا : لو أنها فعلت ذلك لما عملت في السينما من بعد ذلك . ثم إزدادت ابتسامته وهو يضيف أنه رفض قبول سيل الاتهامات لها على لسان معظم من سأله عنها ، اتهامات تبدأ من «أنها تحتاج إلى إعادة تصوير المشهد أكثر من مرة. و إنها لا تجيد الوقوف أمام الكاميرا. وغير ذلك من اتهامات غير صحيحة . وكل ذلك في رأيي مجرد حواجز لابد من ازالتها. حواجز كسل من المخرج. عدم صبر من المنتج. الرغبة في سلق كل شيء.. تلك الرغبة التي تنتاب السينما المصرية كثيراً؛ فلا يفكر من يعمل في السينما المصرية في الإنسان الذي سيشاهد؛ إنما يفكر في شكل الأوراق المالية وحركتها. ويظل يجمع ويطرح ويضرب ويحسب ما مكسبه أو خسارته.. لذلك يفقد القدرة على الرغبة في الإجادة وتكون النتيجة عملية حسابية بسيطة يجيد حلها تلميذ ابتدائي ولا تسعد المتفرجين. وعندما دخلت ميدان الإنتاج السينمائي _ والكلام مازال لعبد الحليم _ قلت لنفسي: هذا الأسلوب من العمل مرفوض. وأنا دخلت ميدان الإنتاج لا من أجل مزيد من النقود؛ فالغناء وحده يكفيني؛ لكني كنت أريد أن أتحرر من سجن عمليات الحساب البسيطة هذه. وأنا لا أفكر في شكل الأوراق المالية إلا عندما أصرفها. وليست النقود هي كل الحياة. والممثل والمغني والفنان لا يفكر في النقود إلا بالقدر الذي يضمن حياته في مستوى جيد. ويفكر قبل ذلك في سبب وجود هذه النقود. إن الإنسان الذي يتعب ويكدح ويشقى ويدخل أخيراً السينما أو يستمع إلى الغناء ليرفه عن نفسه. ليغسل أحلامه من الإرهاق. بهذا المنطق دخلت شركة صوت الفن إلى مجال الإنتاج في السينما. وكان الفيلم هو «البنات والصيف». ورشح المخرج زيزي البدراوي للبطولة. وكان الدور الثاني هو الذي رشحت أنا فيه سعاد حسني. وبدأ التصوير. زيزي البدراوي تمثل بسهولة فنانة جيدة. وسعاد حسني يعيدون لها المشهد أكثر من مرة. يصفقون لزيزي البدراوي وهي تمثل. ويجبرون سعاد على أن تعيد المشهد. كنت أشعر أن هناك من يغيظني بإعادة التصوير لسعاد. كنت أصفق لها عندما تجيده. أحسست يومها برائحة صداقة جميلة تولد. ومن كثرة الاتهامات التي وجهها الناس إلى الوسط الفني؛ انحصر تفكير العامة من أبناء هذا الوسط بأن المعنى الوحيد لكلمة صداقة هو استغلال الرجل للمرأة وإعلان ملكيته لها بكل ما في هذا المعنى من تفكير سيء. وأن صداقة المرأة بالرجل في الوسط الفني فيها ضحك على عقل الرجل واستغلاله بكل ما في هذه الكلمة من غباء تفكير. وكنت لا أري الصداقة بهذا المنظار. ولم تكن سعاد تنظر إليها بتلك العيون. كانت ظروفها القاسية تجعلها تشعر بالوحدة وأن الصداقة إنقاذ من الوحدة.وكانت ظروف مرضي تجعلني أحب الحياة اكثر. تزيد من الرغبة في القضاء على كل متاعب الحياة بالنسبة لي أو بالنسبة إلى غيري. وكانت صداقتي بها منبعها ثقتي التي لا حدود لها بأنها موهبة ذات ذكاء فطري وأن المطلوب هو صيانة هذه الموهبة من كل ما يحيط بها. تماماً كما هو مطلوب لي أن أهزم المرض الذي يفتت بآلامه معدتي ويجرح رغبتي في الصحة بالنزيف الذي يهددني.

ويستمر عبد الحليم في الكلام : أنا أعرف معنى التشتت في الطفولة. أعرف معنى عدم وجود استقرار في بيت واحد. أعرف معنى الغربة في الوجود في منازل الآخرين. حكايتي معروفة. طفل يتيم. فقد الأم والأب. تربى عند الخال. رفض شفقة الآخرين. طلب الصداقة مع الناس. حاول أن يقدم لهم أحلى ما عنده. كان صوتي هو أحلى ما عندي. قدمته للناس وهربت به من تلال الأحزان التي تحيطني.

وأنا أعرف أيضا معنى التشتت في طفولة سعاد. الأب طلق الأم. الأم لها زوج قاس. الأب له أبناء صغار. الكل يبحث لنفسه عن النجاة. ونجاة الصغيرة تحزم أمرها مع الغناء وتكفل على قدر طاقتها الرعاية للأسرة. ونجاة قوية الشخصية إلى الحد الذي تستطيع به أن تمنع أحداً من استغلالها. وذكاء سعاد يكشف لها من يستغلونها. لكنها أطيب من أن تقول لا. تتعرض إلى الاستغلال وهي تفهم أنه لابد من نهاية. يجرحها أن يستغلها أحد وتنزف الدموع في صمت وتضحك عندما تلتقي بصديق وينام في أعماقها إيمان بأن لكل شيء نهاية ولابد أن يكون هناك حل. وابتسامتها تضيء وجهها وعيونها تبرق بالأمل، وتمثل بانطلاق. موهبة حقيقية.

ومازال الكلام لعبد الحليم : بدأت أدير دفة الصداقة في مواجهة المشاكل التي تتعرض لها سعاد. كان المستقبل أمامها فسيحاً وتتأثر بأي شائعة وتتعلق بأقرب ذراع تمتد إليها لتنقذها من المتاعب. وقالوا عنها أنها «خفيفة» وأنها «مندفعة». وكنت أحس أنها صادقة ونقية وتريد أن تتعلم أن الحياة هي غاية الأيام.

ولاحظت أنها تعيش مثلي بفوضى. وكانت تسعد بمن يصدق معها برأي يضيف لها وتنفذ مضمون ما يفيدها و لا تعتبر ذلك ضعف شخصية. بل هو أحد مصادر قوتها وهذه صفة نادرة في امرأة تلمع بسرعة الشهب لترتقي إلى مصاف النجوم.

كانت شكواها الدائمة التي لا تنطقها هي الخوف. إنها خائفة من الفشل. خائفة من الوحدة. لذلك فالتليفون دائماً كان مشغولاً. سعاد تحاول أن تتصل بالعالم. أن تقطع الوقت، أن تقتل الوحدة. كنت أحياناً أزورها بعد منتصف الليل. في الرابعة صباحاً. لأن هناك مشكلة تريد أن نناقشها، وكانت تزعجها دائماً الشرور التي يطلقها الآخرون حولها في شكل شائعات وفي شكل محاولات لقتلها وفي شكل محاولات لاستغلالها بشتى الطرق والوسائل. وبدأت أقرأ معها السيناريوهات التي تعرض عليها. تعترض أحياناً لحجم الدور. تعترض أحياناً على الدور الصغير. عقدة كل الممثلات أنها لا تريد إلا أن تكون النجمة الأولى. وبدأنا نتشاجر. وبدأت تقتنع أن المهم في الممثل أن يؤدي الدور وألا يخنق نفسه في قالب ما.

وكانت رحلة المغرب الشهيرة. الرحلة الوحيدة التي سافرت فيها مع سعاد. وكان أكثر مايؤلمها هو ماحدث في الطفولة . قالت سعاد لعبد الحليم: كنت أروح المحكمة علشان أحضر القضايا المرفوعة بين بابا وماما.و كل واحد يطلب مني إني أقول للقاضي كلاما وكنت أوافقهم الاثنين. وأقف قدام القاضي وأنا خايفة جداً. وجو المحكمة نفسه كئيب. ووجه القاضي المستعجل. وعندما أقف أمام القاضي.. فأنا أقول الحقيقة. أقول ما أحس به وهو غير ما قاله لي بابا؛ أو قالته لي ماما؛ وتكون النتيجة علقة ساخنة.

......................

كان ما تشعر به سعاد قاسيا بالفعل. الماضي أحياناً ينشب أظافره في عنق الحاضر فيلغي الإحساس بالسعادة.

وكانت سعاد تميل إلى أن تعيش مع أمها. لكن الوالدة تخرج في الصباح من منزل صغير في باب الشعرية لتمارس عملها كخياطة ملابس باليومية وعلى سعاد أن تجلس هي وأخوتها في المنزل في انتظار عودة الأم. وعندما تعود الأم تسهر طول الليل في العمل في إنهاء خياطة الفساتين التي لم تنته. وأحياناً كانت الأم تأخذ سعاد وأخوتها ويتكوم الثلاث: سعاد، كوثر، صباح، في ركن الحجرة التي تعمل فيها الأم ولا ينطق أحدهن بكلمة.

وعندما يستصدر الوالد حكماً قضائياً بضم الأولاد يأخذهم إلى بيته الذي يضم عدد أحدعشر إبنا !!ّ.

وبمرور الوقت خفتت الصداقة وبدأت سعاد تستقل بآرائها.

بدأت سعاد تختار لنفسها الأفلام. بدأت أشواك الوردة تقوى وتحمي نفسها بنفسها.

بدأت سعاد تعرف من تصادق ومن لا تصادق.

......................

مضت ثماني سنوات لم ير عبد الحليم فيها سعاد حسني سوى مرة واحدة أثناء تسجيل إحدى أغنيات وردة. و كانت قد مثلت وشاركت في إنتاج فيلم «خلي بالك من زوزو»قصة صلاح جاهين وهو الفيلم الذي وصل إلى عدد من الأسابيع يساوي عدد الأسابيع التي قضاها فيلم «أبي فوق الشجرة».

......................

الغريب أني وقفت مع عبد الحليم في بلكونة منزله . ونظرت إلى حوض الورد. وجدت ساقاً قوية وخشنة والوردة مقطوفة. وجدت حوض الورد نفسه مشروخاً. وسمعت عبد الحليم وهو ينادي عبد الرحيم الذي يشرف على تنظيف هذا المكان. وقال غاضبا : ليه ماخلعتش فرع الوردة اللي نشف ؟ ليه ما صلحتش حوض الزرع ؟

وقال عبد الرحيم: حاضر.

ولم يكن عبد الرحيم يعلم أن للوردة الوحيدة التي نمت في هذا الحوض قصة أساسية حياة عبد الحليم .

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق