رئيس مجلس الادارة

أحمد السيد النجار

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

زيارة اخر الليل

قصة للروائية الصينية: تسان شيو -- ترجمة د. محسن فرجاني
الحلقة الثانية: تحرك أبي عدة خطوات داخل الغرفة، حتى إذا صار قبالة النافذة لبث مكانه، وواصل حديثه الذي سمعت كل كلمة فيه بوضوح تام، لأنه حينئذ كان يتكلم فوق رأسي بالضبط وأنا مختبئة تحت الشباك، بل كنت أشعر بإشارات يده المصاحبة لانفعالاته، ومن عادته وهو منفعل أن يتمشى جيئة وذهابا، كان يبدو أحيانا وهو في تلك الحال، ساخطًا على كل من حوله.

«مازلت أريد، في الأيام الباقية من عمري، أن أقوم بأشياء كثيرة كنت أفكر فيها، ولن يستطيع أحد أن يقف في طريقي، ثم إن أحدًا لا شأن له بي فأنا أقعد هنا في هذا الركن طوال اليوم، أطلق لخيالي وتفكيري العنان محلقًا في كل الأجواء بغير حواجز، كم بقيت هنا سنوات وراء سنوات، حتى تغيرت الدنيا وراء حيطان هذه الحجرة، تغيرت الأحوال كثيرا وأصبح الكل مشغولًا، أفراد عائلتي انشغلوا مثل الآخرين، صاروا ليلهم ونهارهم يهتمون بأحوالهم، يتخذون قراراتهم التي تخصهم وحدهم لأنهم يحسبونني في حكم المقضيّ عليه، يعتبرون أني قد أنتهى أمري منذ زمان؛ وذلك لأن خيالهم عاجز عن تصور أشياء كثيرة، وبالطبع فثمة حاجات حدثت مع الوقت، وأظن أن قلوبهم شعرت بهذه الحاجات المتغيرة لأني لاحظت ملامحهم المرتبكة، خصوصًا وجه ‘روشي’، ومن ناحيتي فقد وجدت أن ساعات الليل هادئة جدًا، وبالتالي فهي أنسب الأوقات لـ.. «

انسللت عائدة فورًا إلى حجرتي إذ جبُنت عن المزيد من استرقاق السمع، بقيت مسهدة حتى الفجر وتساءلت عما إذا كان ذلك الغريب قد مضى إلى حال سبيله. أتُراه قد مضى الآن؟ ومن يا تُرى زائر منتصف الليالي هذا؟ وما الذي جمع بينه وبين أبي؟ حقًا، إن من الخبايا ما هو أحلك من كهف تحت الليالي السود!

تبددت الأقاويل بمرور الوقت، ولو أن بعضًا من الزملاء ظلوا يرمقونني بعين اتهام، لكني ما عدت أكترث مع طول الاعتياد، فزايلني الكرب.

رجعت إلى البيت، يومذاك، منهكة فأقبل أخي الأكبر وعاد يشكو لي مرة أخرى عن شعوره بالضيق من طريقة أبي في التسلط عليه، قال إن إصراره على أن يكون حاكمًا بأمره، يهدد مكانته ويؤثر في شئون حياته اليومية، فكلما واتاه العزم على النهوض بأمرٍ ما، تبّدت في مخيلته ملامح أبيه فوقع به اليأس وفتر حماسه عن الإقدام على أي شيء، والمسألة زادت عن حدها لدرجة أنه لم يعد يستطيع الصبر، وقد يضطر في ساعة إلى أن «يكسر الجرّة ويريق الماء» [يضحي بكل شيء ويهرب!].. «نعم، أقول لك، سأهجر البيت دون تردد!»

قلت له بحسم:

«لا أوافقك على هذا الكلام الغريب، ومهما كان الأمر فالرجل يكاد لا يغادر غرفته طوال اليوم، ولا أحد منكم يقتحم عليه خلوته وتعاملونه كأنه غير موجود بينكم، أليس هذا هو الحال؟ أنتم تتجاهلونه وتغفلون أمره تمامًا بكل سهولة، وحتى عندما يأتي ليأكل معنا فقد تلاحظ أنه لا يبقى معنا طويلًا على المائدة، بالذات مؤخرًا وقد تراجعت شهيته كثيرًا حتى أصبح يجلس بيننا مراعاة للمظاهر فقط، فأي تسلط في هذا؟ أي طغيان على حياتك وشئونك؟ بصراحة أنت تبدو لي متضايقًا من ركود أحوالك، من عجزك، وتلقي بالتبعة على غيرك، لكن انظر أي شخص هذا الذي تلقي عليه بالتبعة؟ إنه الكهل الموشك على انقضاء أجله! الرجل القابع في آخر ركنٍ منظور وسط عائلته، المنعزل، الممسك عن التدخل في شأن الآخرين.. «

«مهلًا..» قاطعني أخي محدقًا فيّ بنظرة ثابتة، «مهلًا، أهذا رأيك؟ أأنت مقتنعة حقًا بما تقولين عن أبي الآن؟ أأنت واثقة من أنك لا تستعرضين روحًا بطولية نبيلة بهذا الشكل؟ أنا بالطبع لا أعرف مشاعرك الحقيقية بالنسبة له، لكني على مائدة الغداء لاحظت جيدًا ارتعاشة ركبتيك.»

«أنت أصلًا لم تسمع بالأقاويل التي ترددت في الأسماع.» أجبته بحدة.

«وكيف لي أن أسمع؟ ثم إن الأمر كله لا يشغلني إلى هذه الدرجة، وإذا كنت قد صارحتك بما في نفسي فلأنك أختي ويهمني أمرك، مع أنك لا تدركين مدى حرصي على مصلحتك، وعمومًا فكلامي إليك لا يعني أني أتدبر خطة ما، فأي خطة هذه التي يمكن للمرء أن يرسمها؟ كل ما في الأمر أني أفرّج عن المكبوت في أعماقي.» اقترب مني وهمس في أذني قائلًا:

«أنا منذ قليل لاحظت أصواتًا غريبة تصدر عن غرفته.»

هززت كتفي غير مكترثة لما يلمح إليه، فاحمرّ وجهه غضبًا وصاح بي:

«انظري كيف تتطلعين إلي؟»

في آخر الممر المعتم قليلًا كان أبي يحاول أن يثبت واقفًا فوق الكرسي، وقد ارتدى فانلته الخفيفة ذات الأكمام وسرواله، يحاول أن يدق مسمارًا في الحائط، بدت ذراعه النحيفة جلدًا على عظم وكان يمد ساعده العاري، إذ تراجع كم الفانلة إلى الوراء، بيده مطرقة صدئة.

نزل من فوق الكرسي بطيئًا، بقدم غير واثقة، ترتعش، توّجه بكلامه إليّ وهو مقطّب الجبين:

«أريد أن أعلق في هذه الناحية من الحائط دفتر حسابات يومية أو بمعنى أصح دفتر المصروفات اليومية، بحيث يكون متاحًا لكم جميعًا طوال الوقت، تقيّدون فيه كل شيء.. اسمعي يا روشو، أنت ماهرة في هذه المسائل، أقصد البيع والشراء وحساب المصروفات، وتعرفين طبعًا أني بعد التقاعد سلمتكم زمام الأمر في موضوع الأنفاق على المعيشة، لكني وعن نفسي فلست أستهلك الشيء الكثير، بل لم أعد أخرج من البيت معظم الوقت، وأنت تشهدين بذلك، أنا في هذا البيت لا أستهلك سوى طعامي، هه؟ حتى الطعام لم أعد آكل منه الكثير في الآونة الأخيرة، وقد علمت منك أن النقود لم تعد تفي بالمصاريف والاحتياجات فكيف ذلك؟ أين تذهب النقود؟.. انظري إلى الرداء الذي فوق جسدي.» جذب ياقة فانلته إلى الأمام وهو يتكلم، «هذا أفضل ما تبقّى لي من ملابس، وأنتم لم تعودوا تهتمون بشراء ملابس جديدة للخروج، ترونني جالسًا طوال النهار فتقولون لأنفسكم إني لم أعد بحاجة إلى بذلة أو قميص أو غيره، هذه أمور لم تستلفت انتباهكم ولا تفكيركم، تظنون أن البذلتين اللتين عندي فيهما الكفاية مع أنهما قديمتان، اشترتهما لي جدتكم قبل ما يزيد عن خمسة عشر عامًا.» كان منفعلًا وهو ينطق بهذه العبارة الأخيرة.

نزل عليّ الكلام كالصاعقة، حتى صرت أحملق في جنبات المكان، كالتائهة، والمناظر غائمة في عيني، بحثت عن أخي الذي كان يحادثني منذ قليل، وإذا به قد انسل خارجًا، راغ كرَوَغان الأخيلة، لم يبق منه حسٌ ولا أثر، كان أبي يكلمني وهو يشير بيده، ممسكًا بالمطرقة عاليًا كأنه قد تهيأ لعراك حامي الوطيس.

«بابا، ما معنى كلامك هذا؟» صوتي كان محشرجا وقد غُصت حنجرتي بالبكاء.

«روشو.. تعالي ساعديني في تعليق دفتر المصروفات عند هذه الناحية من الحائط.» قالها بصوت أكثر هدوءًا وحسمًا.

«اعذرني، متأسفة!» تراجعت قليلًا وأنا أرمقه في أسىً، «بابا، أرجوك لا تضعنا في مواقف صعبة وحرجة.»

«لا بأس، سأعلقها بنفسي.»

استدار عائدًا صوب غرفته فأحضر من الدولاب كراسة ذات غلاف جلدي أسود وقد تدّلى من طرفها خيط من الكتان، وساعة دخوله إلى الغرفة لاحظت اختفاء كومة الكتب القديمة وقد تم مسح الأرضية وتنظيفها وإزالة المهملات المتناثرة تحت الفراش، ثم خرج بعد قليل وحاول اعتلاء الكرسي بجسده الواهن وراحت ساقه ترتعش مرة أخرى وهو يحاول تثبيت وقفته، ولما كانت خيوط الكتان المدلاة من الكراسة متشابكة فقد أنفق وقتًا في تسويتها معًا في جديلة واحدة ثم علّق طرف الخيط في المسمار بينما كانت قوائم الكرسي تهتز خفيفًا لعدم استقرارها على مستوى واحد، فكان يصدر عنها صرير قلقلتها، صرت أتعجب وأقول إنه كان ينبغي له تخيّر موضع أكثر رسوخًا لقوائم الكرسي.. للأسف، كل تصرفاته أخذت تسبب لي توترًا شديدًا، وشعورًا بأن كل الأشياء على حافة الخطر، مثل سهم مشرعٍ مشدودٍ إلى وتر!

أما ما الذي احتوته هذه الكرّاسة فلم يكن أحدٌ منا جميعًا يعرف، لكن مشاعرنا وصلت إلى نقطة مشتركة مؤداها أنه ما دام السيد الوالد يصر على إهانتنا بهذه الطريقة المشينة فالأفضل هو ألا نعيره انتباهًا بعدها، ثم بقي السؤال: هل عدم الاكتراث به يعني الهدوء والاستقرار للجميع؟ لما تفحصت وجوه الأربعة الذين حولي لم أجد على ملامح أيّ منهم مسحة هدوء أو استقرار، بل على العكس فقد علت الملامح جهامة وكلما لاح أبي في الظهيرة متوجهًا إلى الممر ثم معتليًا الكرسي المقلقل في مكانه ليأخذ كراسة المصروفات معه عائدًا إلى الغرفة، تردد صوت أحدنًا يقول محتدًا: «انظروا، هو ذا لا يكف عما في رأسه.» سخرية مقيتة كانت تستبطن كل التعليقات بينما الجميع على حذر، وارتعاشة الأطراف بادية في الأجساد، وفي لحظات يطرقون واجمين ثم يتسللون واحدًا بعد آخر إلى الخارج.

نمتُ يومذاك، فحلمت حلمًا طويلًا، انتبهت منه فجأة عندما جاءت أختي ‘نيشو’ ودقت الباب، نهضت قاعدة ونظرت إلى الساعة فإذا هي الثانية فجرًا، كان وجه نيشو مصفرًا، بدا عليها القلق الشديد وهي تقضم أظافرها وتتلعثم إذ تفضي إليّ بما ساورها.. «اسمعي، منذ قليل هطل المطر فقمت لأجمع الملابس المنشورة في الفناء، لما وصلت إلى هناك لاحظت غرفة أبي مضاءة وثمة رجل يقف عند النافذة، صوّبت النظر في الظلال المنعكسة وتأكدت أنه ليس أبي فهو أطول منه قامة، فمن يا تُرى هذا الرجل؟ من ذا الذي يجيء في منتصف الليل ليزور أبي؟ أليس هذا بالشيء المخيف؟ طبعًا لم يهدأ لي بال وقلت لنفسي لا بد أن في الأمر شيئًا ما، هرعت إلى غرفته وكان الباب مواربًا قليلًا، ففتحته ودخلت، فوجئت أنه ليس هناك سوى أبي وحده! فعلًا، كان وحده وليس هناك غيره، لدرجة أني رحت أتفحص أركان الحجرة وزواياها وتحت المقاعد ولم أجد أحدًا، ففكرت أن الغريب ربما يكون قد هرب إلى الممر الداخلي، وبصراحة فلم أجرؤ على البحث عنه هناك خشية غضب أبيك، وكنت قد رأيت وجهه تحت المصباح (الفلورسنت) ولاحظت انفراج ملامحه، بدا لي كأنه يضحك ولم أدرِ إن كان فَرِحًا أم مغتاظًا يكظم انفعاله، تراجعت خطوة خطوة حتى عدت إلى الحوش الواسع وقد انقطع المطر بعد انهمارٍ أغرق الملابس المنشورة بزخات متواصلة، فتركت كل شيء مكانه عائدة إلى غرفتي وأخذت أفكر في الأمر ولا أفهم شيئًا، ثم جئت إليك أستشيرك الرأي.»

قالت ما عندها دفعة واحدة، والانهاك يقطّع أنفاسها ويذبل منها الجفون حتى استلقت على فراشي شاردة الفكر، وفي لحظة كانت تتغطّى ببطانيتي وتغط في نوم عميق، لم يكن في كلامها شيء جديد بالنسبة لي، لكن روايتها أطارت النوم من عيني، وقد تأذيت من مصباح ساهر يخز أجفاني حتى مطلع فجر، فأطفأته وبقيت مسهدة في عتمة الوقت، ينتابني شعور خفي بأن ثمة حركة خفية تتردد في جنبات الممشى، وأنتبه يقظى فإذا هي خيالات نعاس رغم أني كنت قد قمت مرتين وتفحصت الممشى حتى نهايته عند مدخل غرفة أبي، وتأكدت أنه نائم ومصباحه مطفأ، بينما نيشو في إغفاءتها التي لم تستيقظ منها إلا عند الضحى، ساعة أن قامت وفركت عينيها، قائلة:

«غريب أمر هذا الرجل.. هذا الحوت! ما الذي جرى لعقله؟ أتدرين أني حلمت به توًا، كنت في الحلم أجادله بعنف حول الخطاب الضائع.. ألم تصدر عني وأنا نائمة صيحات؟ كنت أزعق حتى انشق حلقي، ياللغضب ونيرانه التي أشعر بها تحرق جسمي للآن، حتى وقد صحوت.» اعتادت نيشو أن تطلق على أبيها لقب «الحوت»، في غيبة منه.

«وما الذي يدعوك إلى الخروج تحت الليالي؟ وماذا في الأمر إذا سقط المطر؟ لا داعي لكل هذا القلق ولتبتل الملابس وتذهب في داهية.. هوِّني عليك!»

«أنت تضخمين الأمور.» أقول لها، فتنحني وتضع الحذاء في قدمها، تضحك، «لكني حاولت مرارًا ألا أشغل نفسي كثيرًا بما لا طائل تحته، وللأسف تلحق بي دائمًا المنغصات، كم استلقيت أفكر في أمر أبي، تخيلته كواحدٍ من تلك العناكب الكبيرة التي تنسج خيوطها في كل مكان، لا تدع لكِ ركنا إلا وتقتحمه بشباكها، تشتبك بيدك، تترصدك وأنت تتلمسين المسعى بين الأشياء.»

ارتدت حذاءها فاعتدلت واقفة، ومضت.

اعتصرتُ ذاكرتي لا ستحضار تلك اللحظة الأولى التي تشكلت فيها الروح السلطوية عند الوالد، ورغم أنها لحظة حديثة عهد، فشعوري بها قديم، كأنها قد تشكلت وأنا في المهد، كنت كلما أمعنت في التذكر غامت اللحظة بين بدء حضورها وانتباهي لسريان هذا الحضور، فأقعدتني الحيرة عن التذكار، سوى أنه كان يُقبل على العزلة، أول الأمر، بإرادته ثم ها هو يعود إلى موقع التأثير النافذ من جديد، وأذكر الآن أنه دخل عليّ حجرتي، أول سنوات الصبا، وبيده عدسة مكبرة ثم ركع عند أسفل الجدار وراح يراقب أثر رشح الماء في الأرضية، بدقة ملاحظة متناهية.

«روشو،» هتف بي، «هذا حائط قديم جدًا، كما ترين، ودائمًا أهتم بملاحظة أحواله، ومتابعة كل ما يطرأ عليه من تغيرات عسى أن أفهم أين تكمن نقاط الضعف والخلل في بنائه، هل تظنين أني مبالغ في اهتمامي هذا؟»

«إطلاقًا،» أجبت مترددة، «بالعكس، فالاهتمام مطلوب على هذا النحو.»

«تمامًا، تمامًا يا ابنتي الطيبة! وأبشّرك بمستقبل مليء بالمنغصات والمتاعب؛ فهذا الولع بالتفاصيل لم يدع لأحدٍ راحة البال، ولا بد أنك طبعا لن تتركي الأشياء تمر عليك مرّ الكرام.»

ساعتها لم أفهم مقصده، لكني الآن أستعيد الكلام ومغزاه، أتساءل: هل حقًا استوعبتُ مغزى هذا الكلام؟ يبقى هناك احتمال أنه كان يناور.. يثير من حوله أجواء ضبابية تمنحه فرصة توجيه اهتمامي إلى زوايا بعيدة عما يريد. ومن ثم، فأنسب شيء هو أن يتم تأويل مغزى كلامه باعتباره نوعًا من الرفض المطلق، رفض كل أفكاري التي لن تعود عليه بالنفع. ثم إنه قال لي.. «أنت لن تتركي الأشياء تمرّ عليك مرّ الكرام.» وفي مناسبة أخرى قال، «لن تسمحي لأحد بأن يخدعك!» وربما كان المقصود بهذا، ضمنًا، هو ضرورة أن يتم خداعي بشكل أو آخر، وأن أدع الأمور تمرّ دون تدقيق! وإذ قال إني من النوع الذي لا يتعرض لخديعة بسهولة، أكان يقصد السخرية منّي وقتئذ؟ ربما كانت في رأسه خطة لشيء ما، خطة طويلة الأمد وراح يرتب كل شيء لإنجاح الخطة.. مدّ السنارة بالخيط والطُعم منتظرًا أن تعلق السمكة الغافلة بالشص، ظل منتظرًا كل هذه السنوات.. ياللصبر! لكن السمكة الضالة قد جاءت وعلقت بالشص.. أخيرًا! لا بد أن قلبه مفعم بالسعادة الآن، غير أني كنت أراه في عزلته يزداد هزالًا مع الأيام؛ والسعادة التي توهم أنه بالغها هي التي أصابته بالتسمم النفسي، وأبعدت النوم عن أجفانه طيلة ليال.

في أيام عمري الأولى حدثت هذه الواقعة، كنت في سن السابعة تقريبًا أو الثامنة، عندما عدت من اللعب خارج البيت فسمعته يتحدث بصوت خفيض مع جدتي، داخل الحجرة، كانا يتحدثان عن جارهم المتوفّى حديثًا، وقد ارتسم على ملامحهما حزن جليل.

«روشو، قولي لي يا ابنتي، ماذا لو أصابت العدوى جدتك، واشتد بها المرض، وأوشكت أن تصيبكم بالعدوى، فماذا تفعلين بجدتك، حينئذٍ؟» سألتني جدتي.

أذكر أنها كانت تحوطني بذراعيها، ذاك الوقت، وتميل على رأسي بحنان.

«إذن، سأحملك بيدي هاتين وأضعك في الفناء، بعيدًا عنا.» كنت أرمقها بعينين ماكرتين، ظنًا مني أني أفحمتها بجواب لا تقدر على مغالبته.

بقيت، هي وأبي، يضحكان طويلًا.

«شيطانة أنت، يا روشو.» قالها أبي وهو يقوم واقفًا، ويدور قليلًا في أنحاء الغرفة.

فاضت ملامح جدتي بابتسامة طيبة وهي تربت فوق رأسي، ثم أجلستني بجوارها، لكني انطلقت جريًا، انطلاق رصاصة في فضاء الدنيا وأحداث الأيام، وتوالت الوقائع التي آلت إلى النسيان.

إذ أعود بذاكرتي إلى أيام الطفولة ترتد إليّ صورة أبي وهو يجلس إلى جدتي، يتجاذبان أطراف الحديث، أسترجع هذا المنظر وأتساءل، هل كان حديثهما الهامس وقتئذ يدور حولي؟ هل كانا يرسمان لي خطة حياتي؟ كانت الجدة تحكي لي وأنا صغيرة حكايات العفاريت والأشباح التي تدهم البيوت ليلًا، سوى أن الأيام أنضجتني فلم أعد أصدق شيئا من تلك الخيالات الساذجة، لكن ماذا عن الخيالات التي تراءت لأختي نيشو؟ وإلا، فمن الرجل الذي رأته بعينيها، تحت جنح الليل؟

قررت مواجهة أبي حسمًا لهذا الأمر.

ساعة أن دخلت عليه كان مغمض العين، مائلًا بجسده في استرخاء وقد غارت وجنتاه وبدا وجهه، في ظلال الضوء الواهن، مثيرًا للروع.

«من؟ ومن هذا الآخر الذي تتحدثون عنه؟» أجابني ضجرًا، «ليس هنا أحد سواي.»

«نيشو.. هي التي قالت، قالت إن حضرتك لست بهذا الطول الفارع.» رددتُ عليه مرتبكة.

«اللعنة! ألا يمكن أن أكون قد طلعت فوق الكرسي الصغير؟ هه؟» حدجني بغضب مستطير، بدا موشكًا على الفتك بي.

«أنا سمعتُ من زملائي في العمل أقاويل كثيرة، عن بيتنا وحياتنا هنا، فكيف تصل أخبار خصوصياتنا إلى الآخرين، مادام ليس بيننا غرباء؟»

«الحيطان لها آذان، هذا مفهوم!» أغلق عينيه مقطبًا جبينه، إشارة إلى أنه لم يعد يعنيه سماع المزيد. كنت في عمر الصبا، أنا وأخواتي، نقلد أبينا ونمزح مرددين طريقته في الكلام على سبيل اللهو وتزجية الوقت، دون أن نأخذ المواقف مأخذ الجد.

ذات مرة خرجنا معاً، أنا وهو نتمشّى، كان سيره وئيدًا يومها وهو يعقد كفيه وراء ظهره، يطرق متأملا ولم تكن الشوارع مزدحمة بالسيارات كوقتنا هذا، إلا من بضع عربات يد، هنا وهناك، وقد توزعت في أرضية الشارع مساحات من الحصى المجروش المغطى بالمازوت، فصارت خطوات أبي تترك آثارها فوق الأسفلت الطري وتطبعه بشكل حذائه القديم.

«بابا، كيف تصبر على هذا الحذاء القدي الذي تشقق جلده، أنت حتى في البيت لا تخلعه، أليس عندك غيره؟»

يتوقف مكانه، وينغرس أثر الحذاء في الأسفلت، بينما يرميني بنظرة ثقيلة الأسى، فأرتعد مما قلته وأكابد عناء مزحة بسيطة، بيني وبين نفسي، أجذبه من كم قميصه بيدٍ حائرة وهو باقٍ مكانه، حتى يأتي قبالته شخص آخر، لعله الشخص المعني بالإنتظار، وهو رجل متوسط القامة بسيط الهيئة رثّ الملابس كحوذي أجير، جامد القسمات في شيء من الغلظة، أقبل فسلّم على أبي وكلّمه عن موعد مؤجل بينهما، أو شيء بهذا المعنى، وإذا بالوالد يقدم اعتذاراته.. «يا للأسف، حقًا، حقًا، معك حق فعلًا، اعذرني.» والرجل أشاح بيده جانبًا ثم مضى في طريقه كاسف البال. استدار أبي وهو يرمقني بنظرات تتوهج شواظًا من غضب، فبقيت أرتعش هلعًا.

«من الرجل؟» سألته.

«أحد المطالبين بديونهم.» أجابني ثم راح ينقّل خطواته بحذائه الجلدي القديم.

أخذت أتبعه وهو ماشٍ وأرقب آثار حذائه على الأسفلت الطري. ولما كان سيره متمهلًا فقد توازنت المسافة بين خطواته وتساوت آثارها المنغرسة في الأسفلت على نمط واحد، على العكس من خطواتي، حيث تفاوت وقع أقدامي ثقلًا وتأثيرًا في الأرضية المغطاة بالمازوت، على غير نسق.

لما رجعت إلى البيت، يومها، كان ثمة ضيوف كثيرون من أصدقاء الوالد، جاءوا بجمعهم لزيارته، فتقدم نحوهم يحث أقدامه، وقد فاضت ملامحه بالقلق. رفع يده بالتحية ثم هتف بهم: «ها قد أزف أوان تسديد الديون، كما يبدو.»

نظراتهم إليه كانت معلقة بهواجس، لكنهم ساءلوه عن لسان واحد:

«ليس هناك طلب بالتأجيل، هه؟»

«نعم، لن أماطل أكثر من هذا.»

أطرق يأسًا، وبان في وجهه عسر الحال، فقام الضيوف وغادروا واحدًا بعد الآخر، في هدوء.

لما انصرفوا رفع رأسه، ناظرًا إليّ بعصبية، قائلًا:

«روشو، لعلمك، فالدين يمكن تأجيله رغم هذا، إلى أجل غير مسمى، يمكن التأجيل، فلتحملي عني مؤنة السداد فيما بعد، مارأيك؟» تراجعت بظهري نحو الباب خائفة، لم أدر إن كان خوفي وقتها من فداحة الدين أم من جهلي بمغزى كلامه على الوجه الصحيح. وفي الحق، فلم أكن أستوعب مقصده من الكلام، وهذا التقصير عن الفهم من جانبي كان أكثر ما يتعسني ويفجر الخوف في أعماقي. تساندت إلى الباب استعدادًا للمروق خارجة بأقصى سرعة.

«كنت أمزح معك، وقد اتضح أنك لا تريدين مساعدة أبيك، هه؟»

«لا، لا أريد.» انطلقت العبارة من فمي على الرغم منّي.

«هذا كلام جميل، جميل حقًا، إذن فمن حقي أن يهدأ بالي، وأنام قرير العين.» أشرقت ملامحه بالفهم واستجلاء البواطن.

مات أبي في موسم الشتاء القارس، وانطوى الجسد الكبير في شبه انحناءة، كقوس انثنى طرفاه، وقد مُدّت إحدى كفيه، مطوية الأصابع، كقبضة متخشبة أمام صدره. وقفت أمام السرير أتطلع إليه وأتساءل: تُرى ما الذي يقبض عليه بكفه الميتة؟ لم يكن رجال مؤسسة الدفن الخيري قد وصلوا بعد، بينما كل أفراد العائلة بالخارج يستعدون لمراسم التأبين، انتهزت فرصة خلو الحجرة من الناس فاندفعت إلى جثمان أبي المسجّى أحاول أن أفضّ قبضة الكف المتخشبة التي سرت فيها برودة ثلجية، حاولت طويلًا دون جدوى، ثم شعرت كأن أبي قد انتفض في رقدته، فأجفلت راجعة بجسدي كله، لأجد نفسي قاعدة على الأرض، أرتجف. ومن ورائي تردد صوت بكل برود..

«يا للوحشية!»

التفتّ، فإذا أخي الأصغر عند الباب.

«من تقصد بكلامك؟»

«وهل هناك غيرك؟ لقد أوجعته حتى قتلتِه! ومازلت تترصدينه ميتًا، هه؟ قد تكشفت لي نواياك القذرة، منذ زمان، فلماذا لم أمنعك؟ لأني مشغول بنفسي، بأنانيتي، أليس كذلك؟ قد أكون أحيانًا ضعيف الشخصية، لكني لم أتسبب في الأذى لأحد، هه؟ آهٍ، يا أبي، قد انتهيت الآن وكل هذا من تدبيرها.. « غُص بالبكاء، وعاودته نوباته الهستيرية. احتشدت الأسرة، وجاء أخي الكبير فاحتضن الثاني ومشى به إلى الخارج، بينما جلست نيشو إلى جواري في هدوء.

«ما كان لي أن أجيء إليك في غرفتك، تلك الليلة، وأحدثك بموضوع أبي،» همست لي، «قد طالما تباعدت المسافات بيني وبينه، على العكس منك، فقد تواصل بينكما الود برغم الخلافات المتكررة، ويومئذٍ كنت مسهدة لا يواتيني النوم، والمطر المنهمر أضجرني، فقلت أتحدث معك قليلًا، وسُقت لك حجة تبرر مجيئي إليك تلك الساعة، مع أني لم أر شيئا في غرفته يومها، وحتى لو كنت رأيت لما تحدثت هكذا، دون تحقق.. «

«اغربي عن وجهي!!» صرخت بكل طاقتي في وجهها.

قامت واقفة ومشت مبتعدة. هل انتفض جسد أبي حقًا؟ بالطبع لا، بل هي خيالات رأسي، فجثمانه الآن يرقد متصلبًا.

في الخارج تردد عجيج مبهم، أصوات متداخلة، فيها النداء والثرثرة والصراخ، ربما كانوا أصدقاء أبي القدامى، سمعوا بالأمر فأسرعوا بالحضور، مثل ذبابات اشتمت رائحة عفن، حشد مسربل بالغموض.. أُناس لا تعثر لهم في معظم الأوقات على أثر وقد تمر السنوات بطولها فلا تصادف أحدًا منهم على قارعة طريق، لكنهم يبزغون فجأة في اللحظة الحاسمة، ثم إن الخوف اعتراني فجأة، تطلعت من الشباك ورأيت أخي الصغير يصحبهم إلى الداخل، وقد آن لي الاختباء، فكيف لي بتحمّل أعباء ديون أبي وحدي؟ تلك الديون الغامضة، سوى أن المرء له قدمان للمسير، وبقدميّ أستطيع أن أمضي إلى بعيد، أطوي مراحل الغياب وراء المدى، إلى حيث يغيب الناس والأشياء.

[تمت]

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق