رئيس مجلس الادارة

أحمد السيد النجار

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

زيارة اخر الليل

الحلقة الأولى

«الكلُّ إلى زوال، وليس بعد الموت شيء.» هذا ما كان يردده أبي وهو على قيد الحياة، يقول، «تُرى كيف تخططين لحياتك، هل يعرف أحد كيف تدبرين أمورك؟» صمتُّ قليلًا ريثما كان يرفع رأسه إلى أعلى، ناظرًا في صفحة السماء البعيدة، وقد بدت ملامحه مشوبة بظلال من التعالي.

أذكر أني وقتها تطلعت إليه بشيء من عدم الاكتراث، وبأعماقي ضحكة باردة هازئة، وهو يذرع الغرفة جيئة وذهابًا بحذائه الجلدي القديم المتهرّئ وقد فاحت رائحة منتنة من جوربه (النايلون) كعهدنا معه، كل صيف، حيث كانت تعبق أنحاء الغرفة بهذه الرائحة طوال اليوم وتبقى عالقة فيها لا تبرحها؛ وكيف تبرحها والنافذة الوحيدة مغلقة على الدوام!

أقام أبي بالغرفة الواقعة في الطرف البعيد من الصالة الكبيرة، صالة المعيشة التي كان يتحتم عليه المرور بها في خروجه ودخوله طوال النهار، في حين أننا [أنا ابنته «روشو» وباقي أفراد العائلة] لم نكن بحاجة إلى الولوج إلى غرفته على أي نحو من الأنحاء، سوى أني كنت أدلف إليه مرة واحدة، على الأكثر في كل شهر، أدق الباب وأمرق إلى الداخل؛ فقد كان يغلقها باستمرار، منشغلًا بأوراقه وكتبه عاكفًا عليها كأنه أحد تلك القوارض العملاقة المنهومة بالأوراق، وكلما دققت عليه الباب هرع ليفتح لي وهو يحاول ترتيب الأشياء من حوله، كيفما اتفق، كأنما بوغت بمجيئي فاضطر إلى التستر على فعلةٍ شنعاء، يأخذ بيدي ويدور بي حول الكتب المتناثرة على الأرضية، ثم يجلسني على المقعد الصغير الكائن تحت الشباك.. المقعد القديم جدًا كأنه تحفة باقية من كومة معروضات متحفية، وعليه حشية حائلة اللون مُلئت بالقش وقد توزع في باطنها الحشو بغير استواء، فيتكدّر الجالس وتضطرب جلسته. لكني كنت أجلس على كل حال، أستمع إليه بينما يقعد قبالتي ويسدّ مسار النظر بجسده الضخم، ولعله كان يجتهد في أن يحول بيني وبين مطالعة ما كان مشغولًا به قبيل حضوري.

وقتئذٍ، كنت أتعجب من حاله وأقول لنفسي إنه قد شاخ كثيرًا ولم يعد يشغل نفسه بشيء ذي قيمة، سوى التقاط الأنفاس الباقية له على ظهر الدنيا، داخل هذه الغرفة الكئيبة المظلمة. واستغربت كثيرًا عندما عرفت أن باقي أفراد أسرتي بل وبعض الجيران كانوا يرون فيه نفس الرأي؛ ربما لأنه كان قد تقاعد عن العمل منذ سنوات، بل وتقاعد عن الاهتمام بالحياة نفسها منذ أمد بعيد، حتى انقطع عن الدنيا ونسيه الناس، فعلًا، انقطع عن الجميع تمامًا، وتقريبًا أصبحت تلك عادة مألوفة منه كالطبع المعهود أو المرض العضال، ولو أنه ليس مرضًا بالمعنى الشائع، بل قُل إنها الشيخوخة ومزاجها المتطرف في أغلب الأحوال.

كان قد أزف وقت دخولي إليه، في ذلك اليوم، وكنت قلقة بعض الشيء بسبب ما لاحظته من اضطراب في شهيته وتناقص كمية طعامه مع اضطراب حالته المزاجية، ثم ازداد سخطه المتكرر مصحوبًا بنوبات غضب عنيف أدت به إلى توجيه السباب إلى الجميع دفعة واحدة، دون سبب مفهوم، مما كان يوقعهم في الحيرة من أمره. فتح لي الباب بوجه شاحب جامد النظرات، دارت عيني في جنبات غرفته، وإذا بكومة الكتب المبعثرة قد تغطت بقطعة قماش قديمة، والمقعد الصغير الذي ظل طويلًا مكانه تحت النافذة قد انتقل من مكانه، ظللنا نتحدث كلانا ونحن وقوف، لأنه كان قد أزاح الكرسي الصغير الذي كان يجلس إليه ليرتب الكتب المبعثرة بين وحين وآخر.. دفع به تحت الفراش، دون سبب واضح.

هنالك وقفتُ مشتتة الذهن أحاول أن أتجاذب معه أطراف الحديث، وكلما أوغلت في الكلام ازددت اضطرابًا، حتى لم أعد أفكر إلا بالهرب من أمامه بأقصى سرعة، على ألا أحاول بعد ذلك أبدًا أن أضع نفسي في هذا الموقف الحرج. تجهّم أبي وأخذ يتمشى في الغرفة وهو عاقد يديه وراء ظهره، توقف فجأة ثم تقدم قليلًا ودفع الباب الجانبي المطل على الفناء، فتبددت ظلمة الغرفة ولاحظت أن الدولاب منقول من مكانه ليبرز الباب الجانبي الصغير، الذي بقي محجوبًا وراءه طوال سنوات، وقد اغبرّ لونه واستعصى على الفتح والإغلاق، وحتى بعد مواربته قليلًا يستعصي إغلاقه مرة أخرى. أشار لي أبي بأن ندفعه معًا بكل قوتنا، فتكاتفنا في دفعه حتى انغلق. نفضت الغبار من فوق ملابسه ولاحظت شحوبه وقد سرى طيف احمرار في وجنتيه، شيئًا ما.

«هكذا إذن يا ‘روشو’؟ أكنت تظنين بأني عاجز عن فتح مثل هذا الباب الضئيل؟» كلمني وقد استدار بجسده فأولاني ظهره؛ لئلا أطالع تعبيرات وجهه. «الباب في هذه الناحية موصول بالفناء مباشرة، ومن يدري فقد يقع لي مكروه، دون أن يشعر بي أحد، فقلوبكم مشغولة بكل الأشياء سواي، انتباهكم منصرف في أي جهة أخرى بعيدًا عني.. أنتِ وأخواتك تفتقدن القدرة على أن تفتحن بصائركن على أمور بالغة الدقة، تدور رؤوسكن في أمور الدنيا من حولكن ولا ترونني.. «

«بابا.. « قطعت عليه كلامه.

«كل واحدٍ حرّ فيما يريده!» التفت نحوي وعيناه تتقدان غضبًا، «كل واحدٍ يصرّف أموره بنفسه، وتحت طي الكتمان، هه؟»

«إذا كنت تشعر هذه الأيام بالضيق والملل، فتعال معي نخرج ونتمشى قليلًا، ولنجعله خروجًا يوميًا لو أحببت يا أبي.» كنت مترددة وأنا أفاتحه بهذا الاقتراح.

«من؟ أنا؟ أنا أشعر بالضيق والملل؟ كيف جاءت هذه الفكرة إلى رأسك؟ اسمعي، أنا عندي أمور تشغلني أكثر مما تتخيلين.» قالها باعتداد، ثم بدا أنه أخذ يدير أفكار رأسه بعمق.

«اسمعي يا روشو، تعالي.. هاتِ يدك ابحثي معي في الأدراج عن مقص صغير.» بلهجة حاسمة أمرني.

رأيته ساعتئذ ممتلئًا حيوية، كأنه امتلأ عنفوانًا مفاجئًا لإنجاز أمرٍ في غاية الأهمية.

الأدراج مليئة بأشياء مبعثرة، قلّبتها عن آخرها حتى عثرت على المقص، فناولته له.

التقطه وعاد إلى مكانه المعتاد، فتناول خرقة بالية بيده مسح بها على كتاب قديم ثم أمسك بالمقص وجعل يقطع به أوراق الكتاب طولًا وعرضًا حتى اجتمع لديه نثارٌ متراكم من نتف الورق، ولوقتٍ ما، تردد صوت المقص القاطع أوراقًا مهترئة، لدى ركن معتم بالغرفة، تردد حادًا بإيقاع منتظم له صرير، تسري القشعريرة في جسدي فأنتفض وأكتم ضيقي.

أَعمَلَ المقص في كتب ومذكرات بالية وخطابات، قطّعها واحدة بعد أخرى، صارت كومة قصاقيص على الأرض، انحنى فوقها بيده التي انتفضت فيها عروقه وقد انضغطت أصابعه ممسكة بالأوراق فاحتشدت أطياف ألوان داكنة قرب أطراف الأظافر. فانتهزتُ فرصة انشغاله وتسحّبت تجاه الباب.

«روشو، اذهبي لشأنك.. ليس ثمة ما أحتاجك لأجله.» قال لي دون التفات.

بعد أسبوع أو أكثر، سمعت وأنا بين زملائي في العمل من يردد كلامًا حول سوء معاملة الأبناء لآبائهم العجائز، والكلام كان يقصدني تحديدًا بزعم أني.. «تعمدت إيذاء أبي، فأحدثت له جرحًا قطعيًا في يده.. بالمقص!» وأن المسكين، «ظل يبكي وينتحب دون مجيب.» قد شاعت الأقاويل مدعومة بالدليل، بالجرح في يد الكهل ضحية العقوق، والأدلة شاهد لا يُمارى. كنت أرتجف على الرغم مني، وأخفض رأسي وأتوارى من عيون الناس خجلًا، لم أكن أملك حتى القدرة على قول بضع كلمات، على سبيل التوضيح، ليس أكثر، كانت أسناني تصطك وجسمي يرتعد.

أخيرًا جدًا، جاء موعد الانصراف من العمل، عدت إلى البيت وفي الممر الطويل المعتم مددت يدي في الحقيبة بحثًا عن المفتاح، ومن حيث لا أدري جاء أخي الأكبر من خلفي ودفعني على كتفي، على حين غفلة، فكدت من شدة اضطرابي أن أنطرح أرضًا.

عاود دفعي ثانية وهو يقول ضاحكًا: «يبدو أنك تسللت من شغلك اليوم مبكرًا، على غير العادة.»

«كيف؟ ليس مبكرًا جدًا على كل حال.» تطلعت إليه بوجه مكفهّر، للحظة، ثم مضيت إلى غرفتي.

«كلا، بل الوقت مبكر جدًا على انتهاء العمل.» صار الآن يكلمني وهو يشد ذراعي بقوة، «عمومًا، فهي فرصة أن تجلس أختاي معًا، خصوصًا والكل مشغول بنفسه وحاجياته فقلما جمعتنا الظروف إلا على منضدة الطعام، حيث نجلس للأكل ونادرًا ما تكلمنا فيما بيننا؛ ربما بسبب وجود أبي معناعلى المائدة بملامحه المتجهمة التي كانت تقف حائلًا دون ثرثرة عائلية منطلقة على هواها، بما فيها من قفشات أو ضحكات؛ لذلك فلطالما كنت أعتقد بأن المرء إذا شاخ كثيرًا إلى هذا الحد فالمفروض أن ينسحب، بلباقة من دائرة الحياة من تلقاء نفسه، لأن التشبث بموقع المتغطرس الأكبر الرازح فوق أنفاس الآخرين، يأتي بكل النتائج المخيبة للآمال. كنت أسأل نفسي أحيانًا، عما إذا كان بيتنا هذا مثل باقي البيوت؟ هل عائلتنا حقًا عائلة طبيعية؟ إذن، فلماذا تبدو ثقيلة الظل مفككة الأوصال، غريبة في كل أمورها وتصرفاتها؟ ها هي كل العائلات تحت ناظرينا وليس مثل أفراد أسرتنا، هذا رغم التمسك بالأخلاق والاحترام المتبادل، والتبجيل الوافر لمكانة الكبير.»

«ألم تهمل شأن أبيك حتى تغاضيت عنه وعن أحواله منذ زمان؟ فلماذا كل هذا التهويل؟» قاطعته في استياء وغضب.

«ظاهريًا نعم، ولست وحدي في هذا بل أنت أيضًا مثلنا جميعًا، تقولين عنه مثل الجميع إنه ‘سقط متاع’ مجرد شيء لا لزوم له في الحياة، وكأنه لم يعد يهم أحدًا منا.. فهل صحيح أنه لم يعد يهمنا؟ أنا لاحظت أن ركبتيك كانتا ترتعشان، ونحن على مائدة الطعام.»

أزحت يده جانبًا، ودلفت إلى غرفتي.

على مائدة الطعام، استفاضت «نيشو» في الحديث عن مرض التهاب الدماغ الذي تزايدت معدلات الإصابة به بين الناس، في الآونة الأخيرة، وبين حين وأخر تتناول شيئًا من الأطباق، وهي مقطّبة الجبين، بينما كنت أختلس النظرات السريعة ناحية أبي، فأجده مطأطئ الرأس كأنه مستغرق في تفكير عميق، ثم لم يكد يتناول الكثير من طعامه حتى أزاح الطبق وقام واقفًا يريد الذهاب.

«بابا.. أنت لم تأكل شيئًا!» قلت له بصوت مسموع، «انظروا، قولوا له شيئًا، فما عاد يقبل على الطعام بشهية هذه الأيام.»

وضعوا ملاعقهم، وهم يتطلّعون إليه بدهشة.

بدت نيشو نافدة الصبر وهي تقول له:

«بابا، ما الأمر؟ أيضايقك شيء؟»

حدّق فيها قليلًا كأنه أفاق من غفوة، واستدار عائدًا صوب غرفته، بخطى وئيدة.

اضطرمت أشياء كثيرة بقلبي، كأن كيانًا انصدع فجأة، حين تذكرت الباب الذي فتحه بهدوء، تذكرت وأقلقتني الأفكار، شعرت أن هناك علاقة بين هذا الباب وبين الأقاويل التي أشاعها زميلي في العمل، لماذا؟ لأن أبي كان يحب أن تبقى غرفته له وحده، لا يدخلها غيره، وهو ما دفعه إلى أن يغلق بابها المطل على الفناء منذ عشرين عامًا، وعن نفسي فقد كنت أرتاح لفكرة أنه منهمك في أكوام الأوراق التي أمامه.. يقرأ أو يكتب أو يفكر فيما يحلو له، لكني اليوم أتعجب وأتساءل: أي فكرة مجنونة تلك التي دفعت به إلى الخروج من مكمنه؟ أعرف تمامًا إن واحدًا مثل أبي لا يمكن له أن يتراجع عن إرادة الحياة، وها قد عاش كل هذه السنوات بكل الهدوء المعهود عنه، على ما يرام، ثم إذا به فجأة يطالعنا بمظهر متغير على غير العادة، يقلقل كل الثوابت ويفجر أسباب الارتباك والحيرة، ربما أننا لم نستطع رغم كل السنوات أن نسبر أغوار نفسه، وربما كان هو نفسه قد تهيّأ لمرحلة من التغيير في حياته واستعد لها منذ زمان، أو تكون خيالات رأسه قد اشتطت بعيدًا عن المعقول فأفقدته التقدير السليم للأشياء.

لم تهدأ الأقاويل التي بثها الزملاء حول أبي وشكواه منا، مما جعلني أشعر وكأن الدنيا بثقلها كله تجثم فوق صدري، حتى بقيت أيامًا طويلة في أسر الشعور بالإعياء والاشمئزاز. أخذت أقلّب الأفكار على كل وجه ثم قررت أن أتحدث مع أبي صراحة، وجهًا لوجه، وأفهم منه مغزي أفعاله وتصوراته. كنت مغتاظة وغضبى وحائرة لا أفهم عدم رضاه بعزلته.

في بدء العتمة، تسللت واختفيت وراء أكمة شجيرات الدِّفلَى عند الفناء، لمحت خيال أبي ظاهرًا عبر النافذة منعكسة ظلاله على الستارة المسدلة، منحنيًا كان فوق حاجاته، دققت النظر إليه من بعيد وقد لاحظت شحوب وجهه وهزاله المتزايد هذه الأيام، اعترتني غصة، وتجرّعت شعورًا بالمرارة، أمعنت النظر ورأيته يحني رأسه أكثر عن ذي قبل، ربما كان يقص أظافره أو يضبط ساعة يده، ثم لم تنقض نصف الساعة حتى كان يرفع جريدة في يده يداري بها ضوء المصباح، اقتربت أستوضح المنظر، فبدا لي وكأنه قد تهيأ للنوم بيد أنها لم تكن ساعة نومه، أعرف هذا جيدًا، خصوصًا وقد تهادى إليّ صوته وهو يطلق زفرات هادئة. قعدت على الكرسي الصغير، وقد عزمت على استجلاء حقيقة المشهد.

توارى القمر وراء ستر شفيف من السحاب، فصارت البقاع كلها مظلمة سوى مصباح ساطع بالضوء في غرفة أخي، وأنا باقية مكاني في الخفاء يناوشني النعاس، وإذا بالباب يوارب قليلًا وأبي يطل برأسه كأنه يبحث عن شيء تحت جنح الليل، بعد قليل تراجع وأبقى الباب مواربًا. استيقظَتْ فيّ كل طاقات الانتباه وقد صدق ما توقعت من أنه ينتظر مجيء أحد إليه، وتعجبت من أمره.. ِلمَ ينبغي له أن يسرّ بشكواه إلى الناس؟ ألا يعرف بأن الأقاويل تذيع وتتضخم حتى تصبح شيئًا ممقوتًا؟ وربما أنه لم يشكوني إلى أحد، وأن ما سمعته كان من اختلاق ألسنة عديدة أضافت إلى الكلام زخرفًا من صنعها! حقيقة الأمر أن كل من في البيت يهتمون به على أحسن ما يكون، وأنا بالذات، وبدرجة أفضل مما يمكن أن يجده أي كهل آخر في مثل سنه وحالته الصحية، فمن ياترى ذلك الساعي بالوشاية بين أفراد أسرة واحدة؟ لم يحدث على مدى فترة طويلة أن رأيت أبي خارجًا من البيت، هذا طبعًا فيما أعلم وحسب ملاحظاتي القريبة، حيث انقطعت الصلة بينه وبين كل أصدقائه بل وكثير من الأقارب أيضًا، منذ زمن بعيد، وعندما أعتصر ذهني للتوصل إلى فردٍ واحد يمكن أن يكون قد بقي على علاقة معه، فلا يرد على خاطري أحد. لكن الأمر المؤكد، الآن بالذات، هو أن هناك من يلتقي به، ولعله صاحب تلك الإشاعة التي سرت كالنار في الهشيم بين زملائي في الشغل. طال اختبائي وراء شجيرات الفناء حتى وقع بي النعاس دون أن أدري، أو ربما كنت بين نوم ويقظة لكني لم أر أحدًا يقبل على غرفته، خاصة وبابها مفتوح ويصدر عنها ضوء خافت. عندما انتصف الليل نهض قائمًا ثم مشى وئيدًا صوب الباب الموارب، استدار ناحية الحجرة موليًا ظهره للباب وبدا كأنه يخاطب أحدًا بالداخل. شخصٌ ما، دخل إليه عندما كنت بين النعاس واليقظة، قمت أتنقل على أطراف أصابعي حتى بلغت النافذة فألصقت أذني بالجدار، استرق السمع. تردد صوت أبي ببُحته المعهودة، وبانفعال شديد.

«.. كلهم يرجون موتي العاجل، كلهم دون استثناء، بما فيهم ‘روشو’، بل هي على رأسهم جميعًا، فلطالما رأيتهم على مائدة الطعام يؤدون دورًا مفتعلًا لأبناء عطوفين على أبيهم الكهل، وفوق هذا فقد لاحظت أن ‘روشو’ هذه تأتي إليّ هنا في الغرفة وفق مواعيد محددة.. تصوّر أنت لماذا؟ طبعًا أنا وهي نفهم جيدًا السبب في هذه الملاحقة الثابتة لي؛ لذلك فقد تعمّدت تمزيق الأوراق كلها، قصقصتها أمام ناظريها فلم أدع منها أثرًا سليمًا، وبهذه الطريقة ترتاح أذهانهم من تدبير أشياء كثيرة طي الخفاء! والموضوع الأخير هذا جعلهم يرتبكون، بل يفزعون، خصوصًا ‘روشو’ إذ لم يخطر ببالها على الإطلاق أن يأتي يوم على الجثة الهامدة وتعود لها الروح ثانية، ولم يرد على ذهنها أن تنكشف أمام الناس كل تلك الأشياء التي لم يكن مقدرًا لها أبدًا أن تخرج من تحت ستر النسيان لدرجة أنها كادت تمرض على مدى اليومين الماضيين، وصار وجهها شاحبًا هزيلًا.»

صوت محدثه كان خافتًا للغاية، بدا كأنه غمغمة صادرة عن أنف مسدود لمريض بالزكام، يكاد السامع لا يميز ما يقوله بالضبط، بالذات والمتكلم كان يصل عباراته في نَفَس واحد، دون تريث، بلهجة خفيضة ومندغمة بصوت ممطوط، أشبه ما يكون بأنين طفل فرغ لتوه من نحيب مفجع، كان أبي ينصت إليه ويضحك بين حين وآخر ضحكته القصيرة الساخرة المختلطة بسعال مزمن.

الخطة الأصلية كانت تهدف إلى مفاجأة هذا الزائر الليلي ومواجهته بحسم، لكن الموقف الذي فاجأني بخباياه أربكني وقد ظهر أن الوالد نفسه يقف وراء حملة التشويه المغرضة، وليس أي أحد آخر، هذا بالإضافة إلى عدم وضوح موقف هذا الشخص، وهو ما جعلني أتردد في مواجهته، علمًا بأن أبي ليس بالرجل الذي يسهل تسوية الأمور معه، ويكفي ما تعلمته عبر تجارب كثيرة مضت، وأهم الدروس المستفادة الآن هو الاعتراف بأني كنت متسرعة فيما أقدمت عليه هذه الليلة.



> > (البقية الجمعة القادمة)

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق