رئيس مجلس الادارة

أحمد السيد النجار

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

صاحبه المنصه

سمير الشحات
كانت قاعة الفندق العتيق غارقة في ضياء أصفر كابي‏,‏ بثته بكسل مصابيح خاملة تناثرت في زوايا جدران غطاها وقار قديم كوقار الميتين‏.‏ كانت ندوة‏.‏

وجهوا إليه الدعوة, فما كانت لديه, لا الرغبة ولا النية, للذهاب.. لكنه ذهب. قال لنفسه: فرصة لإخماد غليان الذهن قليلا وممارسة التثاؤب. غطس في المقعد الوثير يحتمي بوبره الحنون من صخب الطرقات وبرودة العتمة. سري الدفء في أعطافه فاطمأن وشرد.
منذ اللحظات الأولي أدرك أن ما يقال هو كلام فارغ. عادي. مستهلك. سمعناه كثيرا, فلم نستطعمه, ولم نفهمه.. ومع ذلك ها نحن نسمعه من جديد.. وماذا تنتظر من ندوة تحمل هذا العنوان الفضفاض: التطورات الأخيرة في علاقة الرجل بالمرأة في القرن الحادي والعشرين وعلاقة ذلك بالعولمة وثورة الاتصال وانتشار الإنترنت؟
رغم اكتظاظ القاعة بكل صنوف النساء, وأنواع الرجال, إلا أن القاعة بدت له خاوية تتنفس الفراغ. حادث نفسه: ساعة وتمضي.. وكم من ساعات قبلها مضت. راح الهواء الثقيل من حوله يتناقل كلمات مطاطة, بلاستيكية, بلا روح ولا حرارة. كلام.
أراح ظهره علي ظهر المقعد, قرر النوم, ثم غفا.. لولا أن أبهتته لكزة في كتفه من الجالس بجواره:
< يااستاذ.. يا استاذ.. المنصة تناديك!
< ماذا؟
بصعوبة مط جفنيه, فتح العينين, وشخص ببصره إلي هناك; إلي الجالس في صدر المنصة. صديق قديم, أعرفه ويعرفني. تلاقت النظرات فارتسمت علي محيا الصديق ابتسامة خبث لم أخطئها.. وكيف أخطئها وأنا العليم بعقل الرجل وروحه عن ظهر قلب؟ قرأت ذهنه. آه. يريد إحراجي. يعلم جيدا أنني ما أتيت متكلما, بل جئت مجاملا. آآآآآه.. تريد إحراجي!
أشار صاحب المنصة بكفه نحوي. سدد سبابته إلي رأسي- رأسي أنا- كأنها مسدس. أعاد رسم الابتسامة الثعبانية اللئيمة الصفراء فوق شفتيه. قال متحديا:
_ أستاذنا يريد أن يعلق!
أعلق؟ كيف أعلق؟ بماذا أعلق؟ تعلم يا ابن الكلب أنني هنا لأنام. طيب ماذا أقول الآن وأنا الذي لم يتابع أيا مما قاله المتحدثون قبلي. لكن لا بأس.. تريد أن تعبث؟ تعال نعبث!
وقفت.. ثم كدأب المثقفين الكبار أطلقت من الحنجرة صوتا لا هو بالخافت المائع, ولا بالصاخب المبتذل. استدعيت من كراكيب الذاكرة تلك النظرة المتعالية. شمخة الأنف هذا وقتها.. ثم.. نظرة سريعة إلي الشاشة المضيئة التي خلف منصة المتحدثين. قرأ العنوان: آه.. الموضوع إذن عن المرأة. ماشي. مال برأسه إلي اليسار.. رفع ذراعه اليمني إلي أعلي. مصطفي كامل سيتحدث الآن. قال:
.. الرأي عندي يا سادة أن العلاقة تظل دائما هي العلاقة.. إذ ليس من السهل أن تتغير العلاقة بين يوم وليلة إلي غير العلاقة.. الرجل يا سادة رجل.. والمرأة مرأة.. والرجال هم الرجال.. والنساء هن النساء.
أراد الاسترسال, إلا أن القاعة كانت قد ضجت بزلزال من التصفيق ارتج له قلبه. أتراه قد قال شيئا ذا قيمة وهو لا يدري؟ ما هذا؟ ما تلك الجلبة كلها؟ خطف نظرة إلي صاحب المنصة فهاله ما رأي. كان الضيق شيطانا يرقص علي صفحة الوجه.. والغيظ محبوسا في سجن العينين, والغضب يكاد يمزق الشفتين المزمومتين بإحكام.. ورغم ذلك نجح صاحب المنصة في اغتصاب ابتسامة ناشفة الريق اغتصابا.
أحس هو بنشوة الغبطة تسري في عروقه كالبرق تهزه هزا. ملأته الفرحة, فقرر الاستمرار في اللعبة الهزلية حتي النهاية. نظر للحاضرين في خيلاء. سلك حنجرته كخطيب مسجد. قال: يا سادة.. نحن لم نكن يوما كما نحن عليه اليوم, ويا له من يوم.. ليس كأي يوم.. فلا نحن نحن.. ولا الأيام هي الأيام.. وهل الأيام متشابهات؟ ولعلكم تعلمون أن الأيام يومان; يوم ليس لك, والآخر لك.. فلا الذي لك هو لك.. ولا الذي عليك عليك.. فإياكم أن تحكموا علي يوم بأنه كأي يوم.. ولا شك في أنكم تعرفون أيضا أن الليل ليل.. والنهار هو النهار!
أراد الاسترسال, إلا أن القاعة عادت للتصفيق المدوي من جديد.. ونهضت النساء من مقاعدهن محمرات الخدود.. باسمات الثغور.. منتشيات بالوهج الكاذب. هنالك قذف هو بنظرة من نار علي صاحب المنصة كادت تحرقه لولا أن أمال رأسه متفاديا.. وابتسم!
هو يعرف, أن صاحب المنصة يعرف, أن ما قد قيل هو كلام فارغ. كلام ليس بالكلام. كلام أي كلام!.. وهو يعرف أن الآخر يعرف أنه قد وقع في الفخ الذي نصبه.. ويعرف أن آلام الغيرة والحسد- وربما الندم- تأكل حشاشة قلب صاحب المنصة الآن.. لكن ما الحيلة؟. لقد أردت ملاعبتي وها نحن نلعب!
في تلك اللحظة أراد صاحب المنصة إنقاذ ما يمكن إنقاذه, وكسب أي جولة في الحرب التي خسرها منذ البداية. قال غاضبا: يا أستاذنا.. إن موضوع الندوة يتعلق....
لم يتركه يكمل. أعطي للمنصة ظهره, ونظر للحاضرين المفتونين به وابتسم. قال: إن ندوتنا يا سادة عن المرأة.. فأين المرأة؟ والرأي عندي أن المرأة يجب أن تكون امرأة.. فهل بقيت المرأة هي المرأة؟.. عادت القاعة للتصفيق المجنون.. أدرك أن اللعبة انتهت.. فهمس: أشكركم.. انحني لهم محييا.. ثم عاد إلي مقعده الوثير.. وقبل أن يريح ظهره إلي ظهر المقعد, ويمد ساقيه, لم ينس أن يلوح بكفيه للجالس علي المنصة.. وغمز بعينه اليسري.. ورقص بالحاجبين.. ثم نام!

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق