رئيس مجلس الادارة

أحمد السيد النجار

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

مصطفى‭ ‬أمين..حضرة‭ ‬ناظر‭ ‬مدرسة‭ ‬الصحافة

عبده‭ ‬مباشر
وأنا أبدأ دراستى الجامعية فى منتصف خمسينيات القرن الماضى بحقوق الاسكندرية، قررت أن أطرق باب جريدة الجمهورية من أجل فرصة للتدريب، كانت الجريدة جديدة، وتوقعت أن تكون الفرص بها أفضل من جريدتى الأخبار والأهرام، وفعلا صدق توقعى وبدأت مرحلة التدريب.



وفى نهاية العام أخبرنى الأستاذ محسن محمد أن الاسكندرية «ضيقة عليك» كان قد تابع عملى وخلص إلى هذه النتيجة. ونصحنى أن أسعى للقاء مصطفى أمين وبتجنب لقاء على أمين، فسألته عما إذا كان قادراً على التدخل، فقال إنه سيسعى مثلى.

وبدأت رحلة محاولة اللقاء بمصطفى أمين، وقالت لى السكرتيرة الجميلة النشيطة الأنيقة زينب النحاس، إن مصطفى بك مشغول جداً، وطلبت أن أمر عليها بعد اسبوع. وتحول الاسبوع إلى مايقرب من عامين. وفى كل محاولة أسمع عذرا مختلفاً.

وفى هذا الصباح، قالت إن مصطفى بك موجود ولكن مشغول، فخلعت الجاكيتة والحذاء وجلست متربعاً على المقعد المواجه لها، وقلت لها، وأنا فى انتظاره، وأكدت لها أننى لن أغادر مكتبها، فليست ورائى أية ارتباطات، وأوضحت لها أننى أحاول منذ عامين، وأننى إما أحضر من الاسكندرية أو من الزقازيق. فأقسمت أنها ستتيح فرصة اللقاء إذا ماغادرت وعدت بعد ساعتين، وقدمت الكثير من أقداح القهوة وأكواب الليمون إلا أننى لم أغادر.

وبعد فترة دخلت المكتب، وعادت ومصطفى بك من خلفها، ونظر إلىّ مبتسما وسألنى عما إذا كنت أريد أن ألقاه، فكانت إجابتى «ده منى عينى».

ودخلت وراءه المكتب وأنا أحاول ارتدائى السترة والحذاء، وجلست فى مواجهته، فنظر إلى بثبات وهو يسألنى لماذا الإصرار على هذا اللقاء، فأجبته لأننى أتمنى أن أعمل بدار أخبار اليوم، فسألنى، ماذا أريد أن أعمل ؟

فقلت له إننى أعرف الاجابة الصح، والاجابة الخطأ ؟ فتحولت نظرته إلى الدهشة والتى كست ملامح وجهه أيضا، وكرر من خلفى تعرف الاجابة الصح والغلط، قلت بتأكيد نعم، فقال لنبدأ بالخطأ، سأقول إننى أريد أن أصبح أديبا أو كاتبا، وتوقفت، فسألنى وماهى الاجابة الأخرى، قلت سأقول لمصطفى بك إننى أتمنى العمل بالدار ولو عامل أسانسير، ويوما بعد يوم، وشهراً بعد شهر سيكتشف بعض ماأعرف وبعض مما وهبنى الله، وسيفتح أمامى الباب للعمل ببلاط صاحبة الجلالة.

فسألنى، وكيف عرفت هاتين الاجابتين. فقلت، إننى ولمدة عامين آت إلى القاهرة من أجل هذا اللقاء إما من الاسكندرية حيث أدرس القانون، وإما من الزقازيق خلال الاجازات الصيفية، وعندما تفشل المحاولة، أتوجه إلى صالات التحرير، وألتقى بالأساتذة الصحفيين الموجودين وأتعرف إليهم، وأسألهم عن مشوارهم الصحفى، وعن دورة العمل اليومى.

التقيت بالعشرات فى صالة تحرير الأخبار ومثلهم بأخبار اليوم وآخر ساعة والجيل. ويوماً بعد يوم أصبحت وجها مألوفا، وأصبح الحوار مفيداً وجميلاً.

فعاد ليسألنى، وماذا أيضا ؟ فقلت له إن القسم العسكرى يعانى من نقص فى عدد من يعملون به خاصة بعد معركة 1956 والوحدة مع سوريا، فاتسعت ابتسامته جداً، وعلق قائلاً، هل عرفت ذلك أيضاً ؟

وبهذه الابتسامة عرفت أننى وضعت قدمى على الطريق.

ومنذ الأيام الأولى، بدأت أحرص على حضور لقاء الجمعة الذى يعقده مصطفى أمين لكل المحررين، والذى يبدأ الساعة التاسعة صباحا ويستمر حتى الخامسة مساء. وفى هذا الاجتماع تتم مناقشة كل القضايا، ويشارك الحاضرون بالرأى والتعليق أو بالانخراط فى مناقشات معظمها يتسم بالموضوعية.

كان مصطفى أمين يحكى التاريخ الذى عاشه فى بيت سعد زغلول ومشواره مع الصحافة بدءاً من مرحلتى الدراسة الابتدائية والثانوية وصولاً الى الانتقال للعمل تحت قيادة محمد التابعى فى مجلة روز اليوسف والأسرار التى عاشها والانفرادات التى حققها، وكيف ؟

وكثيراً ماكان يستضيف مراسلى أخبار اليوم بالعواصم الكبرى للحديث عن تجاربهم، ونفس الفرصة تتاح لكل من يسافر من الزملاء فى مهمة إلى الخارج.

وإذا ماحقق زميل انفرادا، يجرى تكريمه فى الاجتماع، ويشارك المجتمعون فى اختيار أفضل تحقيق وخبر وصورة وكاريكاتير وموضوع. ويطلب من كل من يبدى رأيه أن يشرح الأسباب التى قادته إلى هذا الاختيار.

ومثل هذا التكريم كان يمثل حافزا على طريق لانجاز الأفضل.

وتعلمنا كثيرا من هذا الاجتماع أنا وأبناء جيلى. وبسهولة شديدة كان يفتح أمام الجميع أبواب التقدم والوصول إلى الأفضل.

ولم يكن الأمر مقصورا على القضايا والموضوعات الصحفية، كان الفن بصفة عامة والرياضة والسياسة والثقافة من القضايا الرئيسية المطروحة للمناقشة والحوار.

وإذا كان سقراط يقول تحدث حتى أراك، فقد كنا جميعا نتحدث فيرانا مصطفى أمين بصورة أفضل، ونرى أنفسنا ونتعرف إلى الكثير من ملامح شخصياتنا وأبعادها المختلفة.

وأعتقد أننى وغيرى كنا ننتظر يوم الجمعة بأشواق هائلة.

ولأننى الأول فى أسرتى أو عائلتى الكبيرة الذى يشق طريقه إلى بلاط صاحبة الجلالة، ولأن أحدا من أهل مهنة الكلمة ليس قريبا أو صهرا أو سندا. فقد كان الاعتماد على الله وعلى ما أستطيع أنا أن أحققه، لذا قررت أن أعمل أكثر من الآخرين ولم أكتف بعملى كباحث عن الأخبار ينتهى عمله بمجرد الحصول على الخبر وكتابته أو اعداد تحقيق أو موضوع دون قراءته، لأنه سيسألك قطعا، وستسوء صورتك جدا إذا لم تكن عارفا بما تحمله.

وكان الرجل فى معظم الأحوال يسأل، ثم يستفسر عن الرأى، ويستثمر الأمر إذا كان لديه متسع من الوقت لاضاءة المادة الصحفية ونقدها أو مدحها وإذا ما عدل أو أضاف، يشرح لماذا التعديل؟ ولماذا الاضافة؟ وكم كنت أحب أن أكلف بمثل هذا العمل، سواء كان المطلوب الذهاب إلى مصطفى أمين أو موسى صبرى أو أى من الكبار. كانوا جميعا أساتذة، وكان ترحيبهم هائلا لتعليمنا وتوجيهنا.

وإذا كان مصطفى أمين يفعل ذلك. فلماذا لايفعلون هم؟

وتعلمنا أن مصطفى يرحب دائما باستقبال كل من يطلب اللقاء من الزملاء، وكنا جميعا نعرف رقم تليفونه الـ B.B.X وهو 33، وكان يرد عليه شخصيا، وإذا ما استأذنت فى لقاء، فإما أن يقول اصعد فورا، أو تعال بعد ساعة أو أقل.

وهكذا كان يفعل كل رؤساء التحرير، بل إن موسى صبرى كان باب مكتبه مفتوحا للجميع، وكانت سكرتيرته تجلس فى الحجرة المجاورة لحجرته، إلا أن لقاء موسى يتم دون المرور بالسكرتيرة، وكان هناك عدد من الزملاء يشاركون فى مساعدة نائب رئيس التحرير.

وعندما اشتد ساعدنا، كنا نجلس بجواره لنشارك فى مراجعة المادة الصحفية وإجراء الاضافات المطلوبة أو تنفيذ عمليات الاختصار الضرورية.

كنا جميعا ندرك، اننا نبنى مستقبلنا المهنى، وأن كل من بالدار بدءا بمصطفى أمين وصولا إلى نائب رئيس التحرير الذى يتحمل مسئولية الطبعة يمدون لنا يد المساعدة، اقتناعا بأن هذا دورهم ومسئوليتهم، وليس تفضلا أو منة كانت تلك من قواعد العمل التى وضعها مصطفى أمين.

ولم يكن مصطفى بك رئيسا للتحرير ومالكا للدار من الذين يقنعون بما تحقق من نجاح، كان يعمل بكل همة من أجل ماهو أكثر.

وكان كثيرا ما ينزل بنفسه ليقود فريق العمل فى أى أحداث كبرى.

أما هدفه الرئيسى فكان إطلاق النجوم فى سماء الصحافة، فقد دفع بهيكل إلى الصفوف الأولى بأن أتاح له فرص السفر للخارج لتغطية ومتابعة أحداث كبرى منها اليابان بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية وما قام به الجنرال ماك آرثر الأمريكى من تفكيك للامبراطورية ونزعتها العسكرية وبناء نظام ديمقراطى واقتصاد حر، وفلسطين أثناء معركة 1948. وكوريا الجنوبية فيما بين عامى 1950 و1953 حين اندلعت الحرب بين الكوريتين وساندت الصين كوريا الشمالية فى حين قاتل الأمريكيون دفاعا عن كوريا الجنوبية، والأمم المتحدة فيما بعد وهكذا.

أما أنيس منصور، فقد أرسله الاخوان أمين ليطوف حول العالم وليكتب مئات التقارير ثم ليصدر كتابه الأكثر مبيعا فى ذلك الوقت «200 يوم حول العالم»، وبعد عودته تم تعيينه رئيسا لتحرير مجلة الجيل، وكان قد تم تعيين هيكل رئيسا لتحرير مجلة آخر ساعة قبل أن يتم الثلاثين من عمره.

ولم يختلف الموقف بالنسبة لموسى صبرى، الذى رأس تحرير مجلة الجيل قبل أن يصبح رئيسا لتحرير الأخبار.

أما حكاية توجه أحمد زين لأمريكا اللاتينية، فلها قصة، فبعد إلغاء الاحزاب فى مصر اقترح الاخوان مصطفى وعلى على الرئيس جمال عبد الناصر توسيع دائرة الأضواء من حول كرة القدم فى مصر، والتركيز على هذا النشاط الرياضى فى كل وسائل الإعلام بكل السبل المتاحة من أجل اتاحة الفرصة أمام المواطنين لتشجيع الفرق الرياضية والنوادى الكبيرة، وهذا النوع من الانتماء الرياضى سيعالج قضية فقدان الانتماء السياسى التى كانت توفرها الأحزاب السياسية.

أى تم اقتراح كرة القدم كبديل للأحزاب السياسية، فالمواطن كحيوان اجتماعى يبحث عن الانتماء، وكرة القدم ستكون البديل الأكثر ملاءمة.

وعندما سأل عبد الناصر، وكيف سيتحقق ذلك، قال له سندعو فرق الكرة البرازيلية للعب فى القاهرة، وستشهد الملاعب المصرية الساحر بيليه والبارزين من زملائه مثل ديدى وجارنيشيا، وكان بيليه قد قاد فريق بلاده للحصول على كأس العالم فى كرة القدم، وتحول إلى اسطورة للملاعب، وقال مصطفى أمين سنتوسع فى عدد الصفحات المخصصة لكرة القدم وستعتمد على اللاعبين الكبار مثل مكاوى وأبو حباجه وغيرهما، للتعليق على المباريات.

ووافق الرئيس، بعدها سافر أحمد زين إلى البرازيل للتعاقد مع نادى سانتوس البرازيلى، واشترط حضور بيليه بصفة أساسية واشتراكه فى المباريات، بعدها سافر أكثر من مرة من أجل نفس الهدف.

واستقبلت الملاعب المصرية فيما بعد نادى ريال مدريد بنجومه الكبار أمثال دى ستفانو وبوشكاش.

ونجحت الخطة، واستقطبت كرة القدم ملايين المشجعين، وأصبح الانتماء للنوادى بديلا عن الانتماء للأحزاب.

كانت عملية اطلاق النجوم فى سماء الصحافة مستمرة، فبعد جيل هيكل وموسى صبرى وأمين منصور وأحمد زين، بدأ الالتفات للجيل الثانى، وفى المقدمة منه صلاح جلال وسعيد سنبل.

وكنا نتابع ما يجرى، ونتطلع بكل ما فى طاقتنا من قدرة على التمنى والأمل إلى اليوم الذى يحل فيه دورنا، كنا على ثقة من أننا سنحظى بمثل هذه الفرص التى تم توفيرها لمن قبلنا.

وفى الوقت نفسه كان كامل الشناوى يقوم بدور مماثل، ويطلق النجوم ليس فى سماء الصحافة، بل فى سماء الفن.

كان طويل الباع وعظيما وراقيا، وهو يتبنى ويساعد ويدفع للامام، وكانت سهراته الليلية التى تمتد إلى ساعات الفجر الأولى متهمة حقيقية بالظرف وخفة الظل والاسرار وقصص الصعود والمقالب الشديدة البراعة والكرم الذى لا حدود له والحوارات الثرية بالمعرفة والشعر والادب والتاريخ.

وكنت واحدا من آخر من انضموا لسهرات كمال بك، ويرجع الفضل فى ذلك لصديق عمرى إسماعيل النقيب.

وكان واضحا أن عملية إطلاق النجوم التى يتولاها مصطفى أمين كانت تصب فى النهاية لمصلحة أصحاب الدار، فالنجوم التى سطعت يتضاعف عدد قرائهم، وهذا يعنى زيادة نسبة التوزيع للصحف والمجلات التى تعنى زيادة نسبة الاعلانات، أى مزيد من الأرباح فى النهاية.

ولكنى أعتقد أن الأخوين أمين كان يسعدهما نجاح مدرسة أخبار اليوم، وتفوق ما تصدره من صحف ومجلات، وأهم نجاح هو بروز هذا العدد الكبير من التلاميذ الذين تصدروا الصفوف الأولى فى عالم الصحافة.

وبجانب ما كان يقوم به مصطفى أمين كناظر للمدرسة داخل مبنى الدار، كان فى معظم الأحوال يقيم وليمة عشاء يومى الاحد والاربعاء من كل أسبوع، وكان الجميل أنه يوجه الدعوة لاثنين من المبتدئين لحضور هذه الوليمة التى كانت الفرصة فيها متاحة للتعرف على الكبار فى عالم السياسة والصحافة والفن.

ولم يكن يمضى شهر إلا وأكون ضيفا لمرة واحدة على الاقل أو مرتين، خلال هذه الأمسيات كانت المسافات بيننا وبين الكبار تتلاشى، فكلنا ضيوف فى بيت مصطفى أمين، وتتوثق العلاقات، وباختصار كانت خطوة موفقة من صاحب البيت ليدفع بنا كجيل إلى الأمام. ومما تحتفظ به الذاكرة، أن أم كلثوم وجدت إسماعيل النقيب سرحانا، فسألته ما لى أراك ساهما؟.

فأجابها بسرعة بديهة وذكاء قائلا.. ساعة ما أشوفك يروح منى الكلام وأنساه.

فعلقت ضاحكة «يابن الايه جبتها إزاى؟».

فقال: أنيس منصور من حيث يجلس «الفتى يحسن الكلام» فرد مصطفى أمين قائلا الفتى خمسة جنيه علاوة».

وكان الرئيس وقتذاك 15جنيها، أى أن إسماعيل فاز بثلث المرتب كعلاوة. ومن اللفتات الجميلة، أننا كمجموعة اختارت أن تساعد نائب رئيس التحرير، وتواصل العمل فى الأخبار لم نكن نغادر الدار إلا ونحن نحمل نسخا من الطبعة الأولى.

وإذا ما تصادف نزول مصطفى بك فى تلك اللحظة، ورأى فرحتنا ونحن نحتضن الجريدة، يقبل علينا قبل أن نقبل نحن عليه، ويشكرنا على مجهودنا، ويعطينا مائة جنيه لكى نسهر بها وبشرط ألا يتبقى منها شىء.

وكثيرا ما كان يسند إلى مهمة إنفاق هذا المبلغ، وهو يقول «أنا أعرف انك الوجيه الذى لا يشرب، لذا ستكون قادرا على مراجعة الفاتورة فى أخر الليل».

مثل هذا المبلغ خلال الخمسينيات والستينيات من القرن الماضى كان مبلغا كبيرا.

وقد واجهت مشكلة فى البداية، وفى كل مرة كنا نقصد الروف الموجود بفندق سمير اميس، وفى نهاية السهرة، وبعد الأكل والشرب إلى حد التخمة والامتلاء كان يتبقى مبلغ محترم.

وعندما اتوجه لمصطفى بك صباح اليوم التالى، وأعيد له هذا المبلغ كان يبتسم، ولا يعلق، وكانت الابتسامة جارحة، وتحمل اتهاما بأننا لم نتعلم بعد كيف نقضى سهرة، بعدها وفى بداية السهرة التالية توجهت إلى «الميتر» المسئول، ورويت له القصة، فوضع قدمى على الطريق بنصائحه.

وفى اليوم التالى سألنى مصطفى بك عن الباقى، فابتسمت منشرحا، ولم أجد إجابة، أو تعليقا أفضل من هذه الابتسامة.

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق