رئيس مجلس الادارة

أحمد السيد النجار

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

غمغمة طيف ابن منصور

لم أكن أكثر من طيف لكيان لم يوجد ليشارككم الحياة ولا يملك غير خياله وقد رآها تطل من نافذة دار مبنية فى الحيز الفاصل بين بنايات العائلتين فاستعاد وجه طفلة رآها عند رأس حقله منذ سنوات ، صبية فى الثانية عشرة او الثالثة عشرة عاما بالكاد وقد لفتت انتباهه بعينيها الخضراوين ووجهها يتألق بالشعر الذهبى المتطاير على خدها وهى تهمس بحياء وتمد يدها نحوه بقرشين :


هات لى بدول عنب ، بناتى

خليهم معاكى يا شاطرة ، أنا ح اجيب لك العنب

ببلاش ؟

لأ مش ببلاش ، أنا خدت الفلوس من ابوكى ، اسمك ايه ؟

إسمى قمر ؟

وأبوكى اسمه إيه ؟ أنا نسيت اسمه

أنا بنت المغاورى ، شلبى

تركها واقفة مكانها وطلع بسرعة لسطح «زريبة المواشى» ثم راح يجمع فى «حجر» جلبابه عناقيد العنب التى يراها اكثر نضجا ، ثم نزل بحرص وتقدم نحوها ليفتح «حجره» فرأت عناقيد العنب المتراكمة ، لعلها استغربت كثيرا وهى تسأله عن نصيبها من كل هذه العناقيد الكثيرة والزائدة عن تصوراتها :

ياه، دا عنب كتير قوى يا عم منصور ، إنتوا بتبيعوه لمين ؟

إحنا مش بنبيعه ، إحنا بناكله

بتاكلوا العنب دا كله ؟

ساعات نديه لقرايبنا ومعارفنا ، هديه يعنى

بس إنت مليت حجرك ع الآخر ، انا عايزه عنقودين اتنين

خدى اللى تقدرى تشيليه، وأنا ح اجيب الباقى لحد الدار، مش إنتى بنت المغاورى ؟

كانت بداية شاب عفى تخطى ربع القرن حسبما يقول لأولاد عمه ، مزهو بنفسه ومنتقد ما تصوره كسلاّ من أبيه وأمه فى تزويجه مثل اولاد عمه فى مثل سنه، كان مشواره لدار أبيها فى تلك الليلة حاملا سلة مليئة بالعنب الذى جمعه من أجلها ولم تأخذ منه غير عنقودين ، وسلة العنب بين يديه واقفا عند عتبة الدار يدق « سقاطه « بابها وينتظر حتى فتح المغاورى باب الدار وتأمله وهو يمد يده بالسلة اليه ويقول بحياء:

العنب ده بتاع بنتك قمر

مد المغاورى يده ليحمل السلة التى قال المنصور انها تخص « قمر « وعيناه تتفحصان العناقيد بنهم وهو يشير له ليدخل بابهم ويدخل الحجرة المفروشة بكنبتين متقابلتين أشار اليها وهو يرحب به قائلا :

إتفضل خش ، إنت واقف كده ليه ؟ ما تقعد وتريح روحك ، يا قمر ، قمر ، هى طلبت منك تجيب لنا عنب م الغيط بتاعكم ؟ يا قمر

وجاءت البنت باسمة له ولأبيها اكثر لكنها أسرته ببسمتها فى تلك الليلة ، دعنا نقل أنها أعجبته أو تمناها طفلة تكبر وتصير له زوجة تؤنس وحدته بجمال تقاطيعها ، لكنه لم يكن غير لقاء عابر لم يتكرر إلا بعد سنوات من الحياة فى الكفر أو خارج الكفر .

.........................................

سأحاول أن اتواصل معكم وأواصل بصراحة عاهدت روحى أن تسعى لتفسير ما تأملناه مع الأطياف بمصداقية ،أروى ما عشته مع أمنياتى ليتواصل من يسمع ويتوافق او يتعارض مع طيف بذل جهده من اجل حياة يتحقق فيها اليسر المأمول ، ويتفاعل مع الحكايات ليعرف الدلالات من بين السطور ، فسامحونى لأننى حاولت أن تتفاعلوا مع تلك العلاقات المتشابكة وما تحويه من مطامح وأغراض متعارضة تستعصى على النسيان ، ولأن كل شىء باق رغم الخوف الموروث من الفناء او التجاهل المتعمد للعطاء بلا مردود يليق بمن أعطاه ، والنسيان سلاح له قدرات خفية على إزاحة ما نسعى اليه من أمنيات مستحقة لنا ، وإشفاقا علينا لمواصلة تأكيد المؤكد بعد أن كان مردوما عليه فى السراديب المخفية عمدا وعنادا ، كلها مبررات كامنة تدفعنا للبوح غير المقبول لعقول فى متاهات شائكة ، كنت أرغب أن أستعيد ما تخفى من مشاعر سكنت ذاكرتى سنوات وأنا أعانى منها فى الغياب والتباعد ، طاوعونى وشاركونى لندخل سراديبها رغم رغباتنا وإرادتنا لأنها تخصنا وإن كانت هامشا ساكنا مستكينا يطالبنا بتثبيت تلك الصور بالذاكرة لحمايتها من النسيان ، كنت أحاول أن ادارى مواجعى عنهم متباعدا عن التفريعات العابرة بتأثيراتها السالبة أو الموجبة وأنا بينهم ،لأننى كنت ممن عولوا عليهم ليكونوا أكثر ايجابية فى تفسير ما شافوه قبلى ، فتوهمت أننى تفاعلت معه طيفا يحوم فى الفراغ قبل أن يتحقق وجوده حيا ، فهل كان ما باح به عن مكابدات الطيف الذى لم يتأكد وجوده مبررا ليسخروا منه بخفة ؟ ولم يتخيلوا أن اطيافهم كانت تحوم حول المكان قبله مثلما قال أبى عن نفسه قبل أن يوجد ؟ لأنه بدا لى محايدا وصادقا بينما يستعيد معهم ما شافوه وشهدوه قبل أن يدخل دنياهم أو يتحقق وجوده بينهم وقبل ابتعاده عنهم غصبا عنه وعنهم ليعيش مغتربا تماما لأن من كانوا يملكون حق الاحتواء او التخلى عنه أوصلوه إلى حد الطرد من المكان او الزمان ، ومن رحلوا عن دنياهم جميعا فقد تحولوا الى ذكرى يروى بعضهم تفاصيلها ، وما عاد ممكنا أن يعودوا ليراجعوهم ويستوضحونهم فى ملابسات رويتها لهم كطيف فاثرت الجدل معهم بلا قصد ، وربما لأنه كان شريكا مستبعدا بلا جرم يستحق ألاستبعاد ليبرروا أسبابهم ويغتفر لهم ظلمهم وتآلفه معهم ، ولأنه أتى ليحدثهم عن بعض ما شافه او كابده فقرروا أن يسايروه فى بعض الأحيان ويهزوا رءوسهم تعبيرا عن تعاطفهم معه وتصديقهم لبراءته ، وربما بحسابات البعض لم تكن تلك الحكايات المروية عن أزمنة عاشوها قبله مغايرة لما شافوه لأنها كانت ظلال حقائق شافوها بالفعل قبل أن يأتيهم ضيفا متجسدا ، ولأنه كان يعيش بعيدا عنهم رغم خلايا الدم المشترك بينهم إلا انه لم يكن صانعا لتباعده ولا كان طرفا فيه، فكانوا يتضاحكون أو يؤيدونه ببهجة عن بعض المساخر التى رواها عن زمن لم يكن قد عاشه معهم فيتحول إلى شاهد مؤكد ويكون مرضيا عليه أو مغلوبا على امره مع المطرود من داره وهو ابوه بلا مبررات بحساباتهم وحساباته، ولأن الحيز الذى يخصه كان حاضرا ومؤكدا فى عقول اهله واهلها وقد كان خلفتهما الوحيدة التى تأكدوا من وجودها بعد مرحلة كان هو خلالها بحساباته على الأقل احتمالا مرجئا لم يتنفس أو يكون له نصيب فى الفراغ السرمدى الممدود ، وسوف أحدثكم بلسانه احيانا بحياد دون تحيز له أو عليه دائما ، وربما أتوافق معكم وأواصل مشوارى معكم عنه وهو الغائب أو أن أكلمكم بضمير الحاضر ، أو الشاهد الذى يحكى عن تجربته فيجد استجابتكم التى سعى لنيلها منكم على وجه الدقة وأنتم أهله وناسه ، يتعسر الأمر وتظهر الخلافات على الملامح فيلجأ هو لوسيلة أخرى يتبعها ليروى ما جرى له أو لهم بضمير الغائب عنهم ، لعلكم ادركتم أن حكاياتى ستتواصل معكم ، وسأحدثكم بضمير الحاضر أو الغائب ، كأننى فى بعض الأحيان سأتحول للشخص الآخر او قل الغائب وقد صار ضحية إبعاده غصبا بحسابات بعضكم ، غير أنه غاب بالفعل عنكم ولم يعد يملك غير ضمير الغائب ، والمسألة متشابكة ومتداخلة ولكن مقدرتكم على التمييز دفعته دفعا ليخوضها بجسارة ، وأنتم لحمى ودمى وعقلى الكامن ولسانى الناطق والساكت

...........................

« حاولت أن احكى لكم حكايات ناس عاشوا كأطياف فى براح ممدود وتعايشوا قبل أن يتأنسن الواحد منهم ويرى الأرض المزروعة منذ آلاف السنين بعزيمة فلاح كان يتفاصح ويتشكى ويبوح فى حضرة الفرعون العارف بأنه تأنسن وصار حقيقة تتنفس مثله ، تطلب منه عدلا ممكنا وإن بدا مستحيلا لتأكيد هوية مشتركة بين محكوم وحاكم، لأننى كنت مشروعا لروح لم تتجسد قبل مولدها وتحوم حول المكان لتتعرف على ناس الزمان أو تفاصيل الأشياء طيفا لروح تمنت أن تتجسد لتشارككم الحياة والأنفاس فى مستقبل مأمول ، راضية بلا شك فى امكانياتها للعطاء والإضافة والعشق والخلفة وتربية صغار يأتون لنا يوما ليرثوا ارضا ووطنا ووعيا كامنا وقابلا لتأكيد ما هية الوفاء والصدق ، ومواصلة البناء لمن يأتوا بعدهم ليضيفوا ما يمكن أن ينضاف ليبقى دليلا على أنسنة الأطياف

ولأنها هواجسى تجسدت وتشكّلت فى اللاوعى قبل الوعى وزمن الصحو فقد تأكد وجودى بعدها يتيما لأم تحيا فى البعيد وأب يكابد اغترابه عن أهله وناسه غصبا عنه، ولعله باح لى أو تبدى لى أنه باح لى من غير بوح منطوق أو مقصود لنقله إلى كيانى على نحو مؤكد، لأنه كان ونيسى وجليسى وحارسى وراعينى وحامينى من كل المخاطر قبل أن تحوم حولى ، كما كان يكسينى ويطعمنى ويسقينى لأبقى صاحيا وأسمعه وهو يحكى حكاياته عنها ، وكانت صورها تنطبع بخيالى صورا طبق الأصل لم تنمح أبدا لأنها توافقت مع حقيقتها المتخيلة فى ذاكرتى ، لعلنى عشت حائرا مثله فى امرى وأمره بينى وبين نفسى لأننى كنت اسأل روحى احيانا :

كيف صدّقت ما ثبت فى ذاكرتك من تصورات هلامية عن الحياة قبل أن تتشكّل وتصير كيانا تحقق ؟ وكيف كان ممكنا أن يتوهج خيالك كطفل على هذا النحو ؟ قبل الأيام والأسابيع والشهور الأولى من عمرك ؟ أو كيف كان ممكنا أن تعى وتتذكر ما كنت تراه وتسمعه من أب يحكى لك أو لنفسه عن طيفها المخطوف منه ؟ وقد عبرت حياته خطفا ثم ابتعدت أو انشطرت تماما بعد عامين او ثلاثة اعوام بالكاد من معاشرة ميسرة بينهما وكيف كانت تتباعد فيها الخلافات ؟ «

« سأحكى لكم حكاياته كما كان يحكيها لى ولكل من يلتقى بهم أو يحاورهم فى امر نفسه وكانوا يحيطون به ، يتنهد ويقول لهم ما جرى له قبل أن يشرع فى عقد قرانه لتكون له حلالا أمام الناس رغم أنه خالف أهله ؟ والعهدة على الراوى الذى سيكون أبى فى بداية ونهاية المطاف من غير تعصب له او لها ، لأننى لم أتشكك للحظة واحدة فى صدقه مع نفسه ومعى ومع الناس ، وكنت اتمنى أن يطول عمر المنصور ابن الحاج إبراهيم وهو أبى الذى رحل عن دنيانا حزنا عليها وعلى ابيه ، فعشت يتما مكتملا بعد أن علمنى وربانى وخفف عنى غيابها، لأنه كان يروى لى أحيانا ولنفسه ولكل من كان يلتقى بهم ويثق بأشخاصهم مثل هذه الحكايات على نحو متكرر ، وإن كنت سأحكيها لكم كما تصورتها وتخيلتها من الطيف السارح فى الفراع وهو يرصد سلوكا من شاب نحو بنت أعجبته صبية فتابعها ، وبارادته تعمد رؤيتها وهو يعبر أمام دارها ، فيراها عدة مرات اثناء مروره خطفا وهو يتوجه لحقلهم أو فى زياراته للكفر وأهله احيانا قبل أن يخرج منه رغم ارادته غضبان ، ثم مطرودا بملاعيب لزوجة أبيه من ناسها ، وربما كانت تشبهها إلى حد كبير لأنه فى اول رؤية لها حسبها «قمر» أو شقيقتها التوءم ، لكنها لم تكن هى ولا شقيقتها رغم التشابه الغريب بينهما ، بل كانت زوجة الأب التى فوجئ الكل بالعلاقة بينها وبين أبيه ولان اسمها « الغندورة « كان اسما على مسمى بالفعل ، لأنها كانت غندورة وقد ولدت ولدا لتداوى مواجعه وتحقق امنياته ، فمنحه مذكّر اسمها ليكون اسمه « الغندور « لكن الحاجة سعيدة زوجة الحاج إبراهيم وأم « المنصور» كانت تبث له مواجعها مما تراه ولا توافق عليه وهى بنت عمه الشقيق وأم المنصور ، لكنه جلب لها « ضرّة « على غير توقع متناسيا سنوات العشرة وقد طالت بينهمإ ، لكنه فاجأها وفاجأهم كما استنكر الكل واستنكرت أمه واعترضت عليها وعليه لفترة وغضبت منه وتركت له الدار وعادت ،بعدها غضبت لأنها يئست تماما ثم طلبت منه أن يطلقها لكنه لم يفعل إلا غصبا عنه وبضغوط اكابر اهله المتزايدة ، وربما بدا لها أنها عاشت مرتاحة مع نفسها بعد أن حققت مطلبها ، لكنها لم تشعر بنشوة نصر لأن الخسائر كانت اكثر من رغبتها فى التباعد عنه أو الخلاص من وجودها كظل او خيال مقاته بدارها ، ورغم تحقيق رغبتها وتباعدها عنه بعد أن طالت سنوات عمره وتخطى نصف القرن لكنه جلب امرأة من سلالة بلا أمان تلاعبت بعقله لصالح اهلها من خصومه القدامى واختارت زوجته أم المنصور أن تعيش وحدها غصبا عنها كى تتغلب على مواجعها ، وربما باحت للمنصور بلا قصد عن بعض ما كان فى السابق مؤثرا من التفاصيل بحياتها مع شريك عمرها وابن عمها ، وقد كان طرد المنصور مفاجئا لها لأنه كان مدبرا بخسة وتتطلب احتجاجا لا يقل عن مغادرة الدار ، ربما كانت تستحق الرعاية فى وحدتها لكنها لا تنالها من أحد ، فتحكى لنفسها ما عاشته بلا هموم أو مواجع فى ماضيها أو تسلى نفسها وتبرئ ساحتها ووحدتها القاسية وقد غاب ابنها الوحيد وطال غيابه لأنه اغترب بعد تركه للكفر وسفره ليسعى من أجل لقمة عيشه فكابد هموما لم يتوقعها بعد طرده من داره بملاعيب زوجة أبيه الجديدة ، ولعلنى تخيلت أننى سمعت جدتى تناديه ولا يرد فتبكى فى وحدتها بصدق مشاعرها وأنا أشعر بالونس معها وأنا احوم حولها طيفا يتعجب أحيانا لأن جدى ظلمها يوم فرط فيها من احل الغريبة او « الغندورة « أم « الغندور« .

سوف نسبق الأحداث دون أن نقلب الموازين فالتداخل بين الماضى والحاضر يتحول أحيانا إلى خلاص ومخرج من مأزق يحاصرنا فلا نجد غير ما وصلنا اليه وحزناه امتلاكا فى واقعنا يدفع عنا مخاطر ما يطل علينا من ماضينا وهو ميراثنا الذى نحاول أن نحميه ونحتمى به حتى لا يسحبنا لمتاهات فررنا منها وتباعدنا ،لكنها تواصل الطواف حولنا ليتحول واقعنا الى درع للحماية او مخرج متاح لنا كان يتربص بنا ويرغب ان ينال حريتنا ، وربما يحدث لتا العكس عندما نستعيد ماضينا لنفر من الحاضر غير المتوافق مع طاقاتنا وقدراتنا ، وهى اشياء نتحسسها ونتعايش مع أطيافها عندما تضيق بنا الحال ولا نجد لنا مهربا غير ماضينا العريق لينقذنا على المستوى النفسى فنتساند عليه لنستعيد القدرات التى فقدناها بعد أن شابت قلوب وزادت المواجع ولعلنى اسمح لنفسى أن أبوح بأن الخلط لم يكن متوافقا مع نفسى لكن نفسى تاهت منى فى بعض الأوقات ، وطيفها يتباعد عن طيفة دون مقدمات ، فيتأجل مشروع وجودى الذى بدا له ولها ولكل من كانوا يحيطون بهما على وشك الحدوث إلا أن المخفى ظهر جليا وواضحا لتغيير المسار ، فبدلا من زفة المنصور مع قمر نرى شبه زفة مفتعلة تجمع الغندورة والحاج إبراهيم والمنصور معا ، فيتأملها باستغراب ويختلط عليه الأمر تماما ويراها شبيها ل» قمر «لكنها «غندورة» مدسوسة عليه بقصد توريطه والحصول على غاياتها المدبرة بالانتساب اليه زوجة الكبير بكل ما تعنيه الزوجة وهى حامل فى طفل قبل أن يرى النور على وشك أن يكون اخا للمنصور بعد شهرين أو ثلاثة لتنقلب موازين الدار لغير صالحه وصالحها وصالحى ، والصبر هو العلاج بلا بديل ولا إمكانية للتعديل والتبديل بغير الصبر الذى يحمى من التهالك والانهيار

« لعل المصادفات شكلت لكياني السارح يفراغ الأفق الممدود تجديدا لأمنية وجودي لمشاركتكم دنياكم وإمكانية امتلاك مسكن لائق يستطيع أن ينفق عليه بإيراد مناسب ليتخطي مرحلة سابقة لشغله يوما بيوم ليستر نفسه من العري او الجوع ويدفع ايجارا لمسكن يتواري فيه البدن المكدود ويغفو ليرتاح وكانت قمر حلما مبهجا بكل حسابات الرجل الذي كنت اطمح أن أكون ابنه الطالع من صلبه ، متعاطفا معه ومعها علي نحو لا يمكن انكاره او التقليل منه ، ولأنها كانت في الذاكرة أمّا لي أو قمرا ثابتا ابديا لا يغيب لا يصل اليه المحاق ، وجميلة بحساباته وحساباتي في الازمنة التالية بشعر ناعم ذهبي وطويل وتقاطيع فاتنة والعينان خضراواتا لم أر لهما شبيها في كل اركان الدنيا أيام كنت طيفا حرا لا يحدد طوافه أحد ، بعدها كنت أشعر أن احتمالات وجودي محفوفة بمخاطر بلا حصر ليتمسك بها ويتخطي الحواجز والمعوقات الموروثة ولا يخذلني ، فيكون أقوي من ناسه وقدراتهم علي تعويقه أو منع حريته لتحقيق أفكاره لولا المرحلة الحرجة التي تحول فيها الطيف لمشروع كيان لم يكن مؤكدا وجوده ما جئت وساعتها لن أصل لغايتي باكتمال العلاقة بينهما لكي أصبح حقيقة مؤكدة تملك حق الحوار معكم فلو هزموه ما تحققت أنا أبدا ، هل كنت في صف خصوم أهلي وناسي بالتبعية ؟ وتحقيق أمنياته التي توافقت مع رغبتي أن اتحقق وأنال حظي من الدنيا الفانية لو لم يكن أقوي من الولاء لناسه فربما أتجاسر وأبوح بأنني وافقته عندما فكر في الرجوع لبلده بعد أن صار قادرا علي دفع التكاليف لينفذ غرضه ويرتبط بقمر بمشهد معلن دون رضاهم وغصبا عنهم في تقديراتهم جميعا ، ولأن جدتي كانت أكثر الخاسرين في المشوار الممدود أكثر من غيرها فقد كان من اللازم أن يحصل هو علي موافقتها ومباركتها قبلهم لأنها تركت لهم الدار وانفصلت عن زوجها وابن عمها بعد سعيها لتحقيق أمنيتها لتحمل طفلا ينضاف للسلالة مع ابنها الوحيد أخا يؤنسه ويؤاخيه بعد أن منحها المولي المنصور ففرحت به ، ولكن الحمل لم يتكرر رغم سعيها المتكرر المتواصل دون جدوي بكل الحسابات فصارت جريحة بداخلها ، وخارجها بسلوك امرأة قليلة الحياء من عائلة الخصوم جاءت لتمتلك الرجل وتحكم إرادته ثم أرضه علي حساب ابنه الوحيد وزوجته بنت عمه ، ولحساب الغرباء وقد دفعوها كوباء اصاب الدار التي لم تحتمل أن تعيش فيها أو تتنفس هواءها ، وهي من هي بحسابات الكل وقد كان أبوها كبير العائلة قبلهم جميعا ، لكن زوجها لم يعمل بأصله او يحميها من الدخول في مقارنات مع البنت الخليعة التي رفعت برقع الحياء امام الناس وقالتها مؤكدة إنها عشقته ، ولتبدأ هيمنتها علي عقله لأن اسمه كان يجلجل بعلامات قدرته لرهبة خصومه فانتهي أمره بتحويل سيرته لحكاية يخجلون منها ، وبحسابات من ارتبطت بهم وعاملتهم من أهلها فازت بحريتها لأنها تركت داره بعزيمتها. وطلبت خلاصها فخلصها او استجاب لرغبتها وأراحها ، لأنها كانت اكبر من أن تكون ضرة لواحدة من خصومهم

كانت كل هذه الأفكار تدور في دماغ المنصور وهو يري العقبات اكثر من الممكنات وقلبه الذي يهوي دون وعي أو حكمة وباندفاع يتشايه مع إندفاع الأب دون مأزق يتشابه مع خطيئته بزواجه من « الغندورة « وهو الزوج والإب ، لكن الخطأ صار يؤدي لمواجع أصابت الطيف السارح بالفراغ غير المحكوم بلا منطق ولا يقين ، ولأنني كنت ما أزال تائها في مرحلة الطواف غير المأمون أتمني أن أصير طفلا لهما وأكبر ثم أزحف وأقوم وأمشي وأتعلم وأكبر وأقرأ ما كتبوه في تواريخ البشر ويتأكد لي أن الخطايا خطايا ، وأن الخير خير في نهايات المطافات ، لكن ارادتنا ككيانات قابلة للوجود الفعلي شريك ، فهل اختار واحدا من البشر وطنه او زمنه او أهله بأي مكان من اطراف هذه الدنيا البراح ؟ أم انها مصادفات مرصودة او مرتبة بقدرات من خلق لنا الدنيا بأسرها لنعيش فيها ومنح الرب الخالق عقولنا البشرية حيزا متواضعا من العلم والمعرفة نعجز عن تفسيره لأنه فوق قدراتنا ، وببعض الإرادة يمكنه تسيير اموره وأمور محيطه ، وأنا أحدثكم علي هذا النحو لتغفروا لمن خالفوكم في الشدائد او في بعض الأمور العارضة ما بدا لكم خطايا وسوء سلوكهم بحساباتكم لأن نصيبهم الغلاب وهو مكتوب لهم رغم السعي والدوران في كل الأماكن والتعايش بكل الأوقات ، هو قدر صانع للأسرات بمعني من المعاني وهو صانع للأوطان أيضا وعابر للبحار والمحيطات الممدودة بلا حدود وهو حامي حمي الأنهار ، وربما يحدثني بعضكم عن ارادة البشر وأنا من انصار ارادة البشر لكنها إرادة هشة في نهاية المطاف في الوجود السرمدي الممدود دونما حدود ، مزحوما بملايين النجوم والمجموعات الشمسية التي تحتاج آلاف السنين للوصول اليها بسرعة الضوء ، فكم هو ضعيف هذا الكيان البشري رغم الإرادة التي جعلتني اواصل حواري معكم بعد زيادة مواجعه في القلب والأطراف وهي بالقطع تعوّقني وتضيّق حيز أمنياتي في مواصلة الحياة «

«لقد بحت لكم أنني كطيف كنت سببا للخطيئة الكبري التي تورط فيها مدفوعا في مسار خاطيء بكل الحسابات ، ربما لأن الرغبة في الحياة آفة تتحول فيها الروح إلي هدف لمكابدات يسببها اب لابن أو أم لبنت او ولد ، وهذه المسارات تمضي علي هذا النحو لو تفكرنا وتأملنا ورصدنا ما كان قابلا للتحقق وما لم يكن قابلا علي أي نحو أن يتأكد أو أن يكون ، لكنني لم استشعر تلك المخاوف التي صادفت وجودي نفسه ، ربما لو بحت لروحي لتمنعت عن دخول المنزلق العسير وقد وقعت فيه ووقع ابي « المنصور ابن عوف « الذي انتسب إليه بمشاعري وخلايا دمي وذاكرتي ومحاولاتي أن اتواصل معكم وأنا الغريب عنكم ، لكن شيئا مشتركا يجمعنا قطعا وهو المشوار البشري والبنايات والكلمات وخلايا الدم وميراثنا المشترك الذي تأكدنا أننا كنا بؤرة كشفه وتسجيل كلماته وصناعة تماثيله مع الرسوم والتوابيت الساكنة والواثقة من رجوعها لتكمل مشاويرها رغم كل المعوقات والعداوات ، ولعلها تكون وسيلة التواصل قبل الوجود وبعد الوجود والقاسم المشترك بيننا هو الإنسانية التي تدعونا لأن نتلاقي ونختلف او نتفق لكننا في نهاية المطاف نبوح ، والبوح هو العزاء المؤكد الذي يعوضنا عن الخسارة ويوهمنا بحصولنا علي ما قد يتبدي لنا تربحا وهميا بلا دلالات «.

.........................................

هل يحق لي أن أروي لكم ايام الصلح بين الحاج إبراهيم وأم المنصور كما شعرت بها وأن الطيف السارح في البراح الممدود متباعدا متقاربا منكم وعنكم في نفس الوقت والأطياف تحوم حولكم وترصد أفعالكم لكنها لا تملك أن تنبهكم أين يكون الخير وأين يكون الشر ، اطياف ارواح تسرح في الفراغات كما سرحت أنا وقبل أن اتجسد فأتبدل واصير مثلكم بشرا سويا لا يملك أن يري ما يتواري عنه في مربع مسكون ، وعلي العكس من تلك الانفتاحات غير المحدودة في فراغ سرمدي يسرح فيها الطيف ولا يعوقه زحام الأطياف حتي ولو كانت أعدادها غير المحصية بالملايين في مربعات محدودة ، هو نوع من المخزون الذي تبقي لي لأحكي لكم عن ما بدا للبعض انه كان مخبوئا عني او انني لم اعش ايامه بحسابات البشر ، لكن المسألة أخطر من ذلك عند من حازوا الذاكرة البشرية مع تلك الذكريات التي تبقت منهم في مرحلة الأطياف السارحة في الفراغات التي لا يلتفت اليها البشر او يتخيلوها ، لعلها مصادفات تخص البعض وتستعصي علي البعض منكم ممن ينشغلون بما يتعايشون منه ويستشعرونه بدقة أكثر من غيرهم ، هؤلاء هم أبناء الحياة بخيرها وشرها ، أما تركة الأطياف فهي تتساوي مع سرحان الأدمغة والسماح لها بأن تحوم في الفراغ لتستكشف مالم يكتشف كل تفاصيله احد ، وهو عبء بكل الحسابات لأن الذاكرة تكفي وإضافة الخيالات التي تستكشفها تلك الأطياف السارية بحساباتي ليست في كل الحالات لائقة أو هينة ، هي عبء لم يحتملها ويواصل مشاويرة معها

كان الحاج إبراهيم في تلك الليلة يشعر بسعادة طفل ، ربما عبر لأم المنصور عن اشواقه لحضنها ودفء الفراش بجوارها فبدا عليها الخجل الموروث ، لكنها كانت ليلة مبهجة بحساباتهما ، لأنه عاد كما كان ابن عمها الحنون الوفي الذي اكتشف ملاعيب الزوجة الجديدة بعد أن سمع ما قيل عنها كزوجة جميلة وصبية وأم لطفل صغير يعشقه لكنه كان يفكر بعد أن انكشفت ملاعيبها الخسيسة ، وتيقن في تلك الأمسية ان « الغندورة « كانت مدفوعة اليه ليعشقها ويعاشرها وقد وهبت نفسها له بحيلة مدبرة من ناسها ليصلوا لما وصلوا إليه لتدخل الدار وتقلب موازينها بتسرّيب ما كان يتاح لها أن تناله ، كانت تجربته تتجلي له بكل تفاصيلها ليصل لفكرة شبه مؤكدة بأنها لا تليق به وأن الغندور ليس ابنه لأنه كان محمولا في بطنها قبل أن يعاشرها بشهرين ولانه عقد عليها قرانه ثم ولدته في الشهر الرابع مكتمل النمو وقالوا إنه ابن سبعة شهور لا تزيد ، فهل كان مغيبا أم انه كان يتأمل تفاصيل الأحداث ونتائج الخدعة التي تورط فيها بشهادة شهود لم يتشكك في حساباتهم وتفسيراتهم ، لم تكن حلالا له كما حاول أن يقنع نفسه ، لكن ثمرتها توافقت مع اشواقه التي عاشها متمنيا خلفة تأتي من صلبه لتثبت قدراته لأن المسألة المأمولة لم تتكرر بعد المنصور ، ودارت بذاكرته كل التفاصيل وتأكد من صدق الشائعات ، وربما كان تودده لأم المنصور ليستعيد ثقتها فيه وهي بنت عمه التي صار يطمئنها بأنها أغلي من كل حريم الدنيا وأن صلحهما جدّد ما راح منهما في تلك الأيام التي غابت عنه وتركته يعاني من اليتم ، لأنه عاد طفلا يحتاج حنان امه ودفء حضنها ، وقد تحقق له في تلك الليلة صلحة معها وطالبها بأن تسامحه مؤكدا أنه سيتخلص من الغندورة في اقرب وقت وأنه سوف يأخذ منها الطفل بالقوة او بالقانون قبل ان يحين موعد ضمه لأبيه ليرعاه ، وهو مالك يستطيع أن ينفق عليه بينما هي معدمة وأهلها علي باب الله.

لكن أم المنصور لم تصدق كل ما قاله ولا سلّمت بينها وبين روحها بأنه صادق معها تماما ، فطلبت بحياء أن يفرش لها المقعد الخالي بسطح الدار لتسكنه معزولة ومتباعدة عن معاشرة بنت الغرباء لو عادت لداره بالولد الصغير وهو يحمل اسمه ويستحق رعايته لأنه ابنه أمام الناس ، وطلبت أيضا ألا يفرض عليها معاشرة الغندورة غصبا أو التعامل معها ، مؤكدة انها عادت للدار لتحميها من النهب والسلب ، وكيلا تنفلت اعصابها مرة أخري وتعاركها فوافقها واستغرب من ثقتها رغم ما قاله بأنه لن يعيدها الي داره مرة أخري ، لأنها كما قالت له أم طفل منسوب اليه امام الدنيا ولا جدوي من الإنكار ، ولعله من داخله استحسن فكرتها وقال مداعبا لها أنها ستصبح فوق سطح الدار قريبة من الرب الخالق ، تصلي له في اوقات الصلاة وتدعوا في الخفاء علي ضرتها بقطع عيشها ، أو تدعو لها بالهداية لتحمي الدار وتتعلم الأمانة بحسب ما يتمناه ، وليتأكد لها أنها عادت كما كانت ست دارها وقد استعادت مكانتها في تسيير دارها ، وقال متوددا أن طلبها بسيط ومفيد ولا يحتاج منها لأكثر من بعض الصبر ، وطمأنها مؤكدا أنه إذا حدث ما توقعته او تخيلته بعودة ضرتها للدار ، فستكون لها خادمة كأول شرط وأنه لولا الولد ما فكر في إعادتها أبدا بعدما ثبت أنها نهبت وسلبت معاش داره وخانت الأمانة عندما سلمها مسئولية كل شئ بحسن نية ، وابتسم قبل أن يقول مستكينا ربما ومواسيا نفسه في همومه وقدره المكتوب وهو يتنهد :

إللي قبلنا قالوا إيه ؟ ع الأصل دوّر ، بس إنتي اللي فاضله لي م الدنيا

علّقت علي ما سمعته وهي تهز رأسها وقد تأكد لها أن ظنونها فيه تأكدت رغم كلامه المعسول وتظاهره بأنه أفاق من كابوس وقرر أن يعيدها برضاه برغم ملاعيب ناسها واهلها :

أهلها بعتوا لي مراسيل عشان أرجعها الدار

ما هي حلالك يا أبو المنصور ، وأبو الغندور

شايفاها حلالي يا أم المنصور ؟

اللي ما يشوف م الغربال يا ابو منصور

- ما تفضيها سيرة بقي يا بنت عمي ، فضيها سيره ، حلالي دا إيه ؟ إنتي إللي حلالي

.........................................

«سأطلب منكم ومن أبي أن يسمح لي أن أرافقه في مشواره لدار امه ، كان يركب الحمار ويتعجله راضيا تماما عن كل ما رآه وسمعه بين أبيه وأمه في حوار مطمئن بين طرفين عاشا طوال عمرهما وبينهما طمأنة لا يتسرب اليها أي شكوك ، كان يعرف أنها مالكة للدار التي تتوجه إليها بلا شريك لأنها حسبما قال الكل وروي خلّصت ذمّتها تماما أمام الله وأمام الناس ، ودفعت لكل اخ نصيبه حسب تقدير الرجل الطيب المتخصص في معرفة اثمان البيوت القديمة بلا مجاملة لطرف ، وبحياده مقابل الرزق الذي يجود به البائع أو المشتري طوعا دون أن يطلب أجرا أو يراجع ما يتناوله قبل أن يدسه بجيبه داعيا لمن أعطاه أو رافضا يعناد وجدية أن يأخذ ممن يري أن حالته تحتاج للعون ، وسلمت الحاجة سعيدة مفتاح دارها للحاج برهان وهو الأخ الأكبر صاحب دار تفصلها عن دارها بناية صغيرة كانت في الزمن السابق دكانا لتخزين الحبوب اللازمة لغذاء ناسهم وناس غرباء عندما كان يعمل معلما في مدرسة ابتدائية تابعة للأزهر بالبندر ، فتحولت الدار لمخزن كيماوي أغلقوه لتصبح حيزا خاليا إلا من العناكب والفئران والقطط الضالة ، والدكان علي هذا النحو جالب لزواحف ووساخات تسرح وتزحف للدارين المجاورتين من ناحية اليمين واليسار ، ولم يكن لديه مفر غير التخلص من آثار أي كيانات تزحف نحو دارها المسكوكة التي تحولت لمسئولية أو عبء موسمي من اللازم بحسابات الحاج فرحان أن يأمر عياله بفتحها كل مدة لكي يزيلوا ما قد يكون رمادا سقط وتراكم يحتاج للتنظيف من مخلفات العناكب والفئران من أي نوع ، وربما لأنها سلمته ميراثها من الأرض ليزرعها ويناولها إيجارها بانتظام كل عام وكف عن ذلك لظروف طارئة لم يفتعلها لكنه لمطالب واجهته بالفعل غصبا مثل تزويج البنات ومصاريف ولدين يدرسان بجامعة القاهرة ويسكنان بمدينتها الجامعية ، ربما قال لنفسه بأن سداده لإيجار ارضها لا بد أن يتم في اقرب وقت تسمح فيه ظروفه ، ويوم باح لها بخجل عن احواله تبسّمت له وقالت أنها ليست بحاجة لإيجار أرضها منه لأنها مستورة ، ولأنها أخته والفوارق بينهما لا وجود لها ولأن السماح بين الأخوة ميراث اولاد الأصول فقد كان يكفيها أنه سدد إيجار ألأرض وأكثر مقدما بشهادة الكل في اوقات الشدة العابرة اذا واجهتها ، ولأنه لم يفرط في تأدية اي واجب لصالحها في كل المناسبات ، وتولي تجهيزها وكسوتها تمهيدا لزواجها كما صرف علي فرحها من ماله ، ونقطها بما يليق بإسمه وأصله ومركزه في أي مناسبة لها كميلاد الولد والزيارات في الأعياد والمواسم المتتابعة بما تشمله من خير داره الذي ينضاف لخير دارها في بيت رجلها ، وكان طفلها المولود يكبر يوما بيوم وعاما بعد عام ويلزم أن ينال عيديته من خاله الحاج برهان فتسعده أكثر من أي عيديه يأخذها من قريب أو غريب ، والرجل يتطوع ليسدد دينا لقريب أو يجامل من جامله ، حتي عندما صار المنصور وحيدها شابا ثم رجلا كان يناوله ما يليق بسنه من المال في تلك المناسية معابثا له وهو يراه مترددا :

ح تقوللي كبرت ؟ وماله ، بس ح تكبر علي خالك ؟ خد عيديتك يا راجل ، ح تنكسف من خالك ؟

وفي الأعياد يقدم لها كسوتها او يقدم لها مقطع قماش من الصوف الإنجليزي يفصله الحاج إبراهيم جلبابا او عباءة تليق به بعد عودته من زيارة حج ، يطوف بالكعبة المباركة ثم يزور المصطفي لقراءة الفاتحة علي روحه ثم يصلي في مقامه لهداية ناسه وزيادة خيرهم وخلفتهم ، كانت الذكريات تتوالي متسارعة في عقل ابي وهو يخطو اول خطوة ، داخلا دارا ألفها وصحي للدنيا ليدخل ابواب حجراتها ويعبر عتبتها في طفولته الأولي ، يلعب بما يجده ظلطة أو « شخشيخة « أو مشّاية ، أو يركب ظهر الحمار مسنودا علي ذراع أو كتف ولد أكبر منه ، لعله تذكر وجبات كبد الأرانب التي كانت تربيها داخل الدار قبل رحيل ابيها أو عودتها لدار إبراهيم قبل أن يصير حاجا مثل ابيها ، وسأل نفسه كيف مرت السنوات بهذه السرعة ثم صار حسبما يقولون عنه رجلا ؟ وطافت بخيالة صورة قمر» فهز رأسه متسائلا بينه وبين نفسه أن كان من الممكن أن يتزوجها ؟

قام ليلم الثياب من دولابها ويضع علبة المصاغ ملفوفة بثوبها في السلة ، ولعل صندوق نقودها أغراه او دعاه ليفتحه ، ليري عشرات الجنيهات والجنيهات وأنصافها وأرباعها ورقا ملونا والريالات الفضية وانصاف وأرباع ريالات مع أنصاف الفرنكات مسدسة أو مدورة ، تلفت حوله وكأن جمعا من الناس يراه ويعتب عليه لأنه يفتح صندوق الأم ، لكنه تأكد أنه وحيد داخل دار أمه بتفرج علي مدخراتها ، ومطمئنا عليها أغلقه وأحكم إغلاقه وتأكد أن احدا لن يبوح لها بأنه انفتح بيد المنصور وشاف محتوياته علي مهل وحسبها وتنهد وربت علي خشب الصندوق الصغير ، وفكر كيف أن امه تحتفظت بتلك الأموال التي لم يحسبها أو يحصيها قبلا ، ومعاندا نفسه أو رافضا أن يصبح جاسوسا علي مال أمه التي احتفظت به لمطالب الحياة وكلها من مردود ميراثها من أبيها أرضا يزرعها الحاج برهان ، وجده الكبير والد أمه مثل خاله برهان الذي خلّص ذمته وسدد ما كان يرجئه من حقوق حسبها عن سنوات كانت تعيش فيها بدار زوجها ، فأعاد لها كل مالها لتعيش بدارها أيام الغضب كما باحت للمنصور وهو يسعي وعزيمته تقوي ويطمئن قلبه ، وبركب حماره وقد عاد مسرعا ليقدم علبة المصاغ ،ملفوفة في ثوب بين ثبابها وصندوقها الذي ركنته بجوارها ثم مدت يدها وفتحته وناولته للحاج إبراهيم :

الحاج برهان دفع إيجاره المتأخر أول ما وصلت الدار

كان فاكر اني ح افوتك ؟ وتفوتيني ؟ دا قلبه ابيض

يعني كان يسيبني اعيش علي حساب مين ؟

علي حساب جوزك يا غاليه ، يا أم المنصور ، خللي الفلوس دي معاكي

هو أنا وانت مش واحد ؟

كان المنصور يشعر بالحيرة فقام من مكانه وتحرك في صحن الدار ثم صعد إلي السطح ، شاعرا بالخجل ممزوجا بفرحة تمناها وتخيلها ، وربما تخيل نفسه أبا لطفل يأتي ليرعاه ويتباهي به ، يعلمه ويحدثه ويحكي له كل تفاصيل الحياة قبل أن يولد في الدنيا البراح غير المحدود ، بحلوها ومرّها كما كان يحسّها أو يحاول تفسيرها ، فيشعر بالعجز ويتركها للمولي جل جلاله «

لكنكم تعرفتم علي الموازين التي انقلبت معاييرها دون مقدمات ، فالغندورة التي عادت لتشاركهم الحياة مرة أخري , وأم المنصور التي عاودت التباعد عنها حفاظا علي عزتها وكرامتها والحاج التائه في دوامة تواصل بدنه مع من تدربت زمنا وتعلمت كيف تاسر مشاعر امثاله وتفقده توازنه رغم التاريخ الحافل بالعطاء والزهو ، هل كانت غريزة الرجل لها هذه القدرة لتبدل مساره ؟ ربما ، كنت أشعر بالمرارة طيفا لم يتأكد وجوده لكنني كنت اتحسس خطواتي وأقرأ ما كان يطوف بخيال « المنصور « أبي المحتمل وهو يعيش ازمته بلا حلم في الخروج غير الخروج الغصب ، لكنه يتعرض للطرد بلا مبررات .

«تــمــــــــــــــــت»

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق