رئيس مجلس الادارة

أحمد السيد النجار

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

درس فى الاقتصــــــــاد مـــــــن .. قبـــرص!

يسرا الشرقاوي
توالت التهانى على قبرص وحكومتها لنجاحها فى التخلى المبكر عن برنامج المساعدات الاقتصادية الخارجية، والذى كانت قد حصلت عليه بوصفها إحدى دول منطقة اليورو المنكوبة بالأزمة المالية فى حينها، لتتمكن خلال سنوات ثلاث ليس أكثر من التخلص من تصنيف الاقتصاد المأزوم، والعودة إلى الأسواق العالمية مجددا، ولتقدم للعالم كله درسا فى كيفية التغلب على أزمة اقتصادية طاحنة.

ترجع فصول التجربة القبرصية إلى عام 2013، مع انضمامها إلى اقتصاديات اليورو المنهارة بانخفاض قيمة السندات الحكومية إلى دون الحضيض، وعجز الحكومة عن تسديد التزامتها، وتزاحم الأفراد لتحصيل مدخراتهم قبل إعلان البنوك إفلاسها.

وقد تم وقتها إدراج قبرص ضمن قائمة الدول الخمس، وهى الدول الأوروبية التى نالت مساعدات إنقاذ فى وقتها، وهى : البرتغال، وإسبانيا، وآيرلندا، واليونان، وبالطبع قبرص.

نالت قبرص وفقا لاتفاقها مع الترويكا الأوروبية : البنك المركزى الأوروبي، والمفوضية الأوروبية، وصندوق النقد الدولي، مبلغ ١٠ مليارات يورو، أى نحو ١١ مليار دولار أمريكي، تستلمها قبرص على دفعات مقابل الالتزام بعدد من الإجراءات الإصلاحية والسياسات التقشفية الضرورية التى تشبه فى تفاصيلها ما صار مع باقى دول اليورو المنكوبة.

لكن مسار الاتفاق القبرصى وخواتيمه اختلفت عن مصير باقى اتفاقيات الإنقاذ، سواء فيما يخص من أتم الاتفاقية حتى نهايتها بإصلاح فعال كما جرى مع باقى دول قائمة الخمس، أو باستمرار تنفيذ الاتفاق كما هو الحال مع اليونان، الدولة الباقية الوحيدة والأخيرة على قائمة الإنقاذ مع دفعتها الثالثة من المساعدات.

غادرت قبرص قائمة الخمس مبكرا دون تحصيل مبلغ المليارات العشرة كاملة، فلم تتسلم إلا ٦٫٣ مليار، وسط شهادات بالغة الإيجابية حول الأداء الحالى والتوقعات المستقبلية لاقتصاد هذه الجزيرة المتوسطية.

فقد أكدت مثلا كريستين لاجارد مديرة صندوق النقد الدولى فى تعليقها إنهاء مساعدات قبرص أن النظام المصرفى فى هذا البلد بات أكثر صلابة، وأكثر استعدادا لتنفيذ سياسة إقراض أكثر إيجابية وإنتاجية.

كما أشاد مسئولون أوروبيون كثيرون باستعادة الاقتصاد القبرصى قدرته على النمو فى موعد سبق التوقعات، مما يبرهن على أنه بات أكثر قوة، وأنه خرج من كبوته بصورة لا تقبل الشك.

كيف تمكنت قبرص من إنجاح خطة إنقاذها إلى هذا الحد؟

وكيف تفوقت على غيرها من اقتصاديات اليورو المنكوبة بإحراز معدلات تعاف أكثر سرعة؟

جانب من الإجابة عن هذين السؤالين يكمن فى مسبب رئيسى لأزمة قبرص الاقتصادية ذاتها، فقد ارتبط النظام المصرفى لقبرص بنظيره اليوناني، مما جعله عرضة لتبعات أزمة الديون السيادية التى ضربت الاقتصاد اليونانى عام ٢٠١٢، وكان لفك ذلك الارتباط وإعادة هيكلة وإصلاح النظام المصرفى بصورة أكثر استقلالية الدور الأكبر فى حماية النظام المصرفى القبرصى من التأثر سلبيا بتحولات جانبية، وفى نجاحه على استعادة ثقة الأسواق الدولية.

يضاف إلى ذلك الالتزام الذى لا يحيد عند إجراءات الإصلاح وبرامج التقشف، متضمنة إعادة هيكلة القطاع العام، وإصلاح منظومة المعاشات وتنفيذ برنامج الخصخصة.

وتعكس تصريحات وزير مالية قبرص هاريس خاريجوجياس عقلية الالتزام التى أدارت الأزمة فى ذروتها، فقد أكد الوزير مع إعلانه أنباء وقف العمل بخطة الإنقاذ أن وقفها لا يعنى تجميد العمل بعناصرها، وأن عملية الإصلاح سوف تستمر خلال الشهور المقبلة، مع إرساء وتنفيذ نظام مالى أكثر توازنا، مع استمرار وضع النظام المصرفى تحت الرقابة.

نجح ذلك التوجه فى الوصول بمعدل النمو الاقتصادى فى قبرص إلى ١،٥٪ وتراجع معدلات البطالة إلى ١٥٪، وهو معدل مؤلم، ولكنه أقل إيلاما مما كان عليه، والنجاح فى التخلص كليا وتماما من العجز فى الموازنة.

وتأتى المعلومة الأهم فيما يتعلق بالديون السيئة أو الديون غير الفاعلة، التى يتعثر تسديدها، والتى أعلن البنك المركزى القبرصى فى تقرير صدر فى يناير ٢٠١٦ أنها تراجعت بنسبة ٤٦،١٪ ، لتسجل ٢٧ مليار دولار.

ويعد عنصر الديون غير الفاعلة بمنزلة الشوكة التى بقيت من مخلفات عهد الأزمة، لكن المؤسسات القبرصية تعمل على دراسته وإعادة هيكلته للقضاء على هذه الأزمة.

كما أسهمت الأزمة القبرصية فى القضاء على واحدة من السمات السلبية لاقتصادها، حيث كانت تعد ملاذا ضريبيا آمنا أمام أصحاب رءوس الأموال من دول أخري، ومن بينها روسيا، لكن خطوة استحواذ بنك قبرص على الودائع التى تفوق ١٠٠ ألف يورو وغير مؤمن عليها، رفعت قبرص من قائمة الملاذات الآمنة دوليا، وجنبها خطورة الحركة غير المحسوبة لهذه الفئة من الأموال دخولا وخروجا من الاقتصاد المحلي.

تصريحات القيادة القبرصية عكست أيضا إدراكا لطبيعة استقبال الأسواق الأوروبية والعالمية للاقتصاديات العائدة بما يشبه "التفاؤل الحذر"، ونلاحظ ذلك من تأكيد أصحاب التهانى على ضرورة عمل القبارصة على استكمال برنامج الخصخصة والذى أتمته أثينا إلا قليلا، فلم تكمل الحكومة القبرصية البند الأخير من الاتفاق مع الترويكا والذى كان يقضى بخصخصة شركة الاتصالات الوطنية، فتنازلت بذلك عن تحصيل الدفعة الأخيرة من مبلغ الـــ١٠ مليارات دولار، واعتمدت على مؤشرات أدائها الاقتصادى فى العودة إلى الأسواق بشكل طبيعي.

فى قبرص، كانت طرق تنفيذ خطوات الإصلاح بفاعلية جزءا أساسيا من العملية الإصلاحية الأعم، لكن منهج الالتزام واتباع سياسة واضحة المعالم يمكن للأسواق العالمية فهمها والاطمئنان لها، كل هذه عوامل سهلت من عودة اقتصاد الجزيرة إلى الأسواق العالمية.

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق