رئيس مجلس الادارة

أحمد السيد النجار

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

زوجة أردوغان تعيد المجد «حريم السلطان»

أنقرة - سيد عبد المجيد
أردوغان
منذ أن بزغ نجمه في سماء الأناضول مع مستهل الألفية الثالثة ، كانت تبدر منه عبارات غامضة مغلفة بنزعات ثيوقراطية ، لا يمكن أن تخطئها عين مراقب متخصص .

وزاد من الشكوك ، هذا الولع الشديد المبالغ فيه بالحديث عن أمجاد غابرة عاشت فيها بلاده لقرون ، قبل سطوع شمس الأتاتوركية في عشرينات القرن المنصرم . على أي حال كان ما يتلفظه في هذا الصدد إجمالا غير مستساغ للمجتمع العلماني في تركيا الحديثة التي لم يألفها ، والدليل على ذلك هو أنه نفض عن نفسه حقبة لم تكن أبدا ناصعة ، بل على العكس وصمت الترك الحداثيين بالتخلف والدونية ، وكم هي السنوات التي شهدت جهودا مضنية لطمس كل أشكال الرجعية الدينية التي ترسخت في ذهن العالم والغرب بصفة خاصة.

غير أنه وبمرور الوقت تمكن من بسط سلطاته ( التي يريدها لا نهائية ) بطول البلاد وعرضها ، ومعها توالت الالفاظ والتعبيرات وقد تحررت من طلاسمها ومخاوفها ، لتصبح أكثر جرأة إلى أن صارت جامحة تتجاوز المعقول سريعة الطلقات تتجه نحو كل صوب.

والحق لم يكن رجب طيب اردوغان وحده فقط ، الذي غرد خارج السرب ، فالعديد من قيادات حزبه الناهض آنذلك، كانت لديهم قناعات لا حدود لها غارقة في التشدد ولم تخف إمتعاضها من المكتسبات الكمالية خصوصا تلك المتصلة بالنساء، ولو كان بمقدورهم القضاء عليها لما تأخروا .
وعندما قال اردوغان أنه لا يمكن أن تكون هناك مساواة بين المرأة الرجل، كان يترجم ما يردده رفقاؤه الذين سعوا إلى تكريس واقع مغاير للسائد ، ويبدو أن مسعاهم في طريقه للتحقق ، أن لم يكن قد تحقق بالفعل ، أو على الأقل إنجاز جوانب منه ، وتحت ذريعة الحفاظ على القيم والتقاليد وحياء الأسر الأصيلة ، كانوا ومازالوا، يدلون بتصريحات مثيرة مضامينها أعتبرت النقيض تماما لوتائر الحياة الاجتماعية المعاشة ، ولعل فيما كان يقوله بولنت ارينتش القيادي البارز وأحد مؤسسي العدالة والتنمية الحاكم بضرورة أن تحرص نساء وطنه على الكلام الخفيض ولا تظهر صوتها بالمحال والمنتديات العامة خير مثال على ذلك.
وهنا ستكون المفارقة المذهلة ، وهي كيف لعب الداعية فتح الله جولن دورا هائلا لتكريس النزوع نحو كل ما هي عثماني وهدم العلمانية من خلال رسائله التي كانت تبث عبر وسائل الإعلام عندما كان الوئام سائدا بينه وبين أهل الحكم وفيها تحريض لا لبس فيه للانقضاض على مبادئ الكمالية أما عن الصراع الحالي فمرده النفوذ والسلطة اللذان يريدهما اردوغان أن يكونا له دون غيره.
في هذا السياق لم يكن ما تحدثت بشأنه السيدة أمينة اردوغان حرم رئيس الجمهورية أمرا مفاجئا رغم أنه أثار كثيرا من الدهشة في الخارج ، حينما أشادت بحريم السلاطين العثمانيين واللاتي وصفتهن بـ” مدرسة لإعداد نساء من أجل الحياة” ، في حين أن باحثة مرموقة نفت ذلك تفصيلا ، آخذة عصر مراد الثالث دليلا وبرهانا مؤكدة أن الكتب هي الشيء الوحيد الذي لم يدخل إلى الحريم .
والملاحظة الجديرة بالتوقف عندها هي أن ما أدلت به السيدة أمينة ينسجم تماما مع ما قاله زوجها نفسه أن “المرأة هي قبل كل شيء الأم” التي عليها أن تنجب الكثير من الأطفال رافضا شعارات المساواة بينها وبين الرجل ، لكن الأخطر في حديثها تمثل في عدد من العبارات كانت حريصة أن تشدد عليها عندما قالت “ نحن نعمل لإزالة الانقاض المستمرة منذ 90 عاما “. وهو ما يعني في المحصلة النهائية محو حقبة الكمالية نسبة إلى مصطفي كمال أتاتورك الذي سيحتفل الاتراك بعد سبع سنوات من الآن بمرور مائة عام على تأسيسها ، المفارقة أنها كانت تتحدث أمام تجمع نسائئ ، لم يكن ليتكون لولا التشريعات التي دشنها النظام العلماني من أجل إعطاء المرأة التركية مكانتها بعد أن كانت حبيسة الحرملك الذي هو مرادف للعار، ومساواتها الكاملة بالرجل في كل مناحي الحياة.
في مدينة سامسون المطلة على البحر الأسود شمال الأناضول ، ومن خلال شعبة نساء حزب الشعب الجمهوري المعارض ، انطلقت شرارات التنديد بتقديم شكوى قضائية أتهمت قرينة الرئيس التي تجاوزت موقعها البروتوكولي ببث الفرقة والفتنة بين صفوف الشعب وتحقير للمبادئ التي تأسست عليها الجمهورية في عشرينات القرن الفائت .
وأكدت خديجة جاكر رئيسة الشعبة أن الجمهورية التي نعتتها أمينة اردوغان بالأنقاض، هي دون غيرها ، التي أعطت المرأة الأناضولية حق التصويت والترشح قبل بلدان أوروبية ، وبفضلها لقبت هي نفسها بلقب السيدة الأولي.
والقصة لم تنته عند هذا الحد ومن الخطأ التصور أن المسألة لا تعدو زلات لسان ، فهذا غير صحيح فهناك منهج يتغلل رويدا رويدا ويتسرب في أوردة وشرايين قطاعات من الشباب بمعظم مدن البلاد فلا مجال إذن للمصادفات.
وفي مؤشر لتنامي التيارات الأصولية نظمت دورية عنوانها “ التغيرات الجذرية “ الصادرة عن منظمة حزب التحرير ـــ المفترض أنها محظورة بحكم القانون وتلك علامة إستفهام ـــ مؤتمرا خاصا لإحياء الخلافة الدولية والمفارقة أنها أختارت صالة أتاتورك الرياضية وسط العاصمة أنقرة لتكون مسرحا لفعاليته وبمشاركة خمسة آلاف شخص ، لتذكير “ أمة محمد “ بمرور 92 عاما على “الحدث المشئوم “، وفي الوقت نفسه الدعوة لإعادتها من جديد إلى حصنها في تركيا .
وفي كلمته الإفتتاحية أكد محمود أكار القيادي بالحزب رئيس المكتب الاعلامي به “ أن الكفار أعداء الإسلام يعتقدون أن الخلافة الإسلامية ألغيت في تركيا قبل 94 عاما ، ويجزمون أنها لن تعود أبدا ونحن اليوم سنرفع راية الإسلام مجددا ليس في إسطنبول أو أنقرة فحسب وإنما بكافة المدن التركية ، للتخلص من الحزن والتاريخ الأسود الذي سجل في الثالث من مارس 1924 مؤكدا على أن حزبه كيان سياسي مبني على العقيدة الاسلامية “. ثم بشر ملايين المسلمين في أرجاء المعمورة بأن “ علم الخلافة سيرفرف قريبا على إسطنبول» .
وكان طبيعيا أن تثير تلك الواقعة عشرات الاسئلة ، ففي الوقت الذي دأب فيه الإدعاء العام الجمهوري ( النيابة ) بكافة مدن البلاد بالتحقيق في الدعاوي الخاصة بإهانة رئيس الجمهورية ، وعلى الفور يحيلونها إلى المحاكم المختصة التي سرعان ما تفصل فيها بأحكام السجن والغرامات ، فأين هم الآن من هؤلاء الذين أعلنوا على الملأ وفي وضح النهار وسط غياب الأمن ، رفضهم نعت داعش بالإرهاب وفي المقابل وصفوا مؤسسي الجمهورية التركية وأتاتورك بالأعداء ؟ أليس كل هذا يمثل إهانات للمبادئ التي أستقرت عليها هضبة الأناضول ؟

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق