رئيس مجلس الادارة

أحمد السيد النجار

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

بريد الجمعة يكتبه : أحمد البرى
هاربة إلى المجهول !

لم أتصور أن يأتى يوم أعانى فيه هذه الحيرة التى أعيشها الآن، فلقد كنت دائما قوية لا أبالى بأى عواقب، وأفعل ما أقتنع به،

ولا يثنينى شيء عن اتخاذ القرارات التى أرى فيها مصلحتي، فأنا سيدة فى سن الثانية والأربعين، نشأت فى أسرة متوسطة بإحدى محافظات الصعيد، ولى عدد من الأشقاء، والتحقت بالمدرسة وتفوقت فى دراستي، وحينما كنت فى الثانوية العامة ربطتنى قصة حب مع شاب يكبرنى بسبعة عشر عاما، ويدين بديانة غير التى أدين بها، وتعلقت به كثيرا ولم يكن هناك حل لزواجنا سوى أن أغيّر ديانتى لكى أتزوجه بعيدا عن أسرتي، والتحقت بالجامعة، وأصبحنا نلتقى كثيرا، وتحدثنا فى أمرنا، وقال لى إنه عرض على أهله رغبته فى الارتباط بي، فلم يمانعوا، وقد جهّز شقة كبيرة فى بيت العائلة، سوف نعيش فيها، وهو محام لم يسبق له الارتباط، وظلت المسألة معلقة بيننا، عدة شهور، وحسمت أمرى فى النهاية بتغيير ديانتى وأعلنت إسلامى رسميا، وأبلغت الشرطة أهلى بذلك، وفى اليوم نفسه عقدت قرانى على حبيبي، بنفس القرية التى نقطن بها جميعا، وأقمنا شهر العسل فى القاهرة، وأقبلت على حياتى معه بكل حب وسعادة، فكنت أذهب إلى الجامعة وأحضر المحاضرات، ثم أعود إلى البيت فأعد الطعام، وأنتظره إلى أن يأتى من المحكمة أو المكتب، ونتناول الغداء معا، ثم نستريح بعض الوقت، وبعدها أستذكر دروسي، ويعود هو إلى مكتبه حيث يدرس القضايا، ويلتقى موكليه، والحق اننى وجدته كما تخيلته، شابا طيبا، ويحبنى حبا جما، وأنا كذلك كان قلبى ملكا له، ولم يدخله أحد غيره، والأجمل أن أهله أحبوني، ووجدتنى واحدة منهم، ولم يخطر أهلى ببالى برغم أنه لا تفصلنا عنهم سوى عدة أمتار، وبالطبع وقع خبر زواجى وتغيير ديانتى عليهم كالصاعقة، فقطعوا صلتهم بي، واعتبرونى ميتة، لكن أحد أعمامى فكرّ فى قتلي، وكنا وقتها فى شهر رمضان المبارك، إذ استغل خلو الشوارع من المارة ساعة الغروب، وترقب عودتى من الجامعة وصدمنى بسيارته، لكن الله سلم، وأصبت فقط ببعض الكسور، وخضعت للعلاج، وكتب الله لى الشفاء سريعا، وتكرر أخذ تعهد عليهم بعدم التعرض لي، أو محاولة إلحاق الأذى بي.

وهدأت الأمور تماما، وأنا سعيدة بزوجي، وحملت فى ابنتى الكبري، ووضعتها طفلة جميلة وفرحنا بها كثيرا، ثم أنجبت بعدها بحوالى عامين ولدا ثم بعد أربع سنوات ولدا آخر، وصار لدينا ولدان وبنت هم قرة أعيننا، ولكن يبدو أن «دوام الحال من المحال» كما يقولون، فبرغم طيبة قلب زوجى فإنه كان شديد العصبية، ويثور لأتفه الأسباب ثم لا يلبث أن يعتذر لي، وينخرط فى البكاء، ويقول لي: «إنه لا يدرى سببا لانفعاله خصوصا وأن ما يطلبه دائما أمر بسيط، مثل أنه يريد أن أصنع له كوبا من الشاي، أو فنجانا من القهوة، إلى غير ذلك من الأمور التى لا تستحق «الزعيق» و«النرفزة»، فأهدىء من روعه، وأربت على كتفيه، وأرجوه أن يكون هادئا كما عرفته، وللأسف لا تمضى أيام حتى يعود إلى ثورته، فى ظل الضغط المتواصل من موكليه والقضايا التى ينتظر المرافعة فيها أمام المحاكم، ونتيجة غضبه المتكرر عرف الطريق إلى التلفظ بالطلاق فى كل أمر لا يعجبه، وقال لى «أنت طالق».. ورددها مرتين فى موقفين متتاليين، فارتميت عليه وقلت له: «بلاش كلمة الطلاق» فإنهار باكيا، ووعدنى أنه لن يعود إلى هذا القسم أبدا، ثم جاءت أقسى لحظة عشتها فى حياتى عندما نطق بالطلاق للمرة الثالثة، ولجأنا إلى دار الافتاء، وشيوخ الأزهر الشريف، ولم يكن هناك حل سوى الانفصال بعد الطلاق البائن، وأصبحت لا أحل له إلا بعد أن أتزوج غيره، فإن طلقنى الثانى أعود إليه، وهذا بالطبع حل مستحيل لأن المحلل حرام، ولابد أن يكون الزواج طبيعيا، والطلاق طبيعيا، وليس الزواج بنية الطلاق.

ولم أدر بنفسى فسقطت على الأرض مغشيا عليّ، وبعد أن أفقت وجدتنى بلا سند ولا معين، ولم يعد يحل لى أن أعيش فى شقة الزوجية، فإجتمع أهل زوجي، وقرروا أن يحصلوا لى على سكن آخر، أرعى فيه أولادي، وأكون بعيدة عن مطلقي، وبالفعل انتقلت إلى شقة فى مكان قريب من بيته، وعملت مدرسة بالتربية والتعليم وظللت على هذه الحال أربع سنوات، ولم يتزوج مطلقي، وصار العمل كل حياته، ولم ينقطع اتصالنا يوما واحدا، إذ كان يطمئن يوميا عليّ وعلى الأولاد، وقد أشفقت عليه، وعلينا من الحال المتردية التى وصلنا إليها، ولكن ليس بيدى حيلة لاصلاح ما لا يمكن إصلاحه، وفكرت فى السفر إلى الخارج، لكى اؤمن مستقبل أولادي، فعمل زوجى الحر فى المحاماة لايكفل دخلا ثابتا للأسرة، وفى الوقت نفسه فإن المصاريف الكثيرة والمتطلبات اليومية فوق طاقتي، وتابعت إعلانات الوظائف فى الدول العربية، وجاءتنى فرصة سفر إلى السعودية للعمل مدرسة ولا تتطلب هذه الوظيفة وجود «محرم»، حيث أنها وظيفة داخلية تحت إشراف الجهة المنوط بها التوظيف، وغادرت مصر وسط دموع أولادي، وحزن مطلقى وقلبى الموجوع، وبدأت مرحلة جديدة من حياتي، ووضعت كل همى فى العمل ليل نهار، وكنت أعود فى الاجازات حاملة الهدايا الكثيرة لأولادى ووالدهم، إلى جانب المصروفات الشهرية التى كانت تصلهم بانتظام أول كل شهر، وتعرفت هناك على زميلات لى من مصر، وعرفت إحداهن حكايتى بالتفصيل، وأشفقت عليّ كثيرا، ونصحتنى بالزواج من باب أنه لا يعقل أن أظل بلا زواج وأنا فى هذه السن الصغيرة، وفى اتصال مع أولادي، تحدثت مع مطلقى فيما ما قالته لى زميلتي، فشجعنى على الزواج مادامت عودتنا إلى عش الزوجية مستحيلة، وبعدها تعرفت على محام من إحدى محافظات وسط الدلتا، تصورت انه على خلق ودين من مظهره العام، وكان خطيبا فى المساجد فى الوقت نفسه، وقال لى أنه مطلق ولديه أولاد يعيشون مع أمهم، وقد انفصل عنها لأنها كثيرة الشجار. وأنه يتمنى أن يحيا معى حياة خالية من المنغصات، وصادف كلامه هوى فى نفسى وأنا التى أتطلع إلى الهدوء وراحة البال منذ صغري، فوافقت على الارتباط به، ووثقنا زواجنا فى القنصلية المصرية، وانتقلت إلى شقته وفوجئت به منذ اليوم الأول يرفض أن أرسل مليما واحدا لأولادي، ويقول: «أبوهم اللى يصرف عليهم» فلم استجب له، ومع الأيام استشاط غضبا ومد يده عليّ بالضرب، وقدمه بالركل، وتوسلت إليه أن يترفق بي، ويرحم أولادى الذين لا ذنب لهم فى ابتعادى عنهم، فكان يهدأ تارة ثم يعود إلى الضرب والانفعال تارة أخري، وفى الاجازة الصيفية عدت معه إلى بلده، فإذا بى أجد زوجته فى المنزل وانها على ذمته، ولم يطلقها أو يحدث أى شئ مما ادعاه لي، ومع ذلك كان فى منتهى البجاحة وكأنه لم يفعل شيئا، ولم يكذب عليّ، وبصراحة شديدة فإننى وجدتها إنسانة طيبة القلب، ورحبت بي، وأصبحنا نعد الطعام معا، وحاولت كثيرا أن تخفف متاعبى وآلامي، ولا أبالغ إذا قلت انها أشفقت علىّ مما أعيشه من أهوال.. نعم هذه هى ضرتى التى لمست فيها كل الصفات الحلوة، وليست كما قال لى زوجنا، بأنه لم يطق عشرتها فطلقها.. وعند هذا الحد تأكدت أن حياتى لن تستمر معه طويلا. وبعد عودتنا إلى السعودية، إتصلت بى إبنتى الكبري، وأبلغتنى أن أباها أصيب بالفشل الكلوي، وأنه يخضع للغسيل الدموى ثلاث مرات فى الاسبوع، إلى أن يتم زرع كلى له، فانزعجت كثيرا لحاله، وفكرت فى أن أعود إلى مصر لأتبرع له بإحدى كليتي، وأوفر له ثمن الجراحة التى يحتاجها، ومرت أسابيع وأنا أعيش حالة صراع مع زوجى الذى أمعن فى إيذائي، وأحال حياتى إلى نكد مستمر، خصوصا بعد أن علم بحالة «أبو أولادي»، ثم جاءنى الخبر المفزع، فلقد مات مطلقى وأصبح أبنائى بلا سند، ولا معين، وأخذتهم عمتهم الكبري، وفرض عليّ زوجى حصارا شديدا بحيث لا أتمكن من الوصول إلى أولادي، وتحملت هذا العذاب إلى ان حلت الاجازة الصيفية الجديدة، وعندما عدنا إلى مصر، تركت كل شئ، وذهبت إلى بيت مطلقي، واحتويت أولادى ورفعت دعوى خلع ضد زوجى الثانى للضرر، وحصلت على الطلاق، وطويت هذه الصفحة السوداء من حياتي، وعدت إلى عملى القديم كمدرسة، وعادت علاقتى بأهل زوجى الأول رحمه الله كما كانت، وقد عرض عليّ شقيقه الأكبر الزواج لكنى رفضت مجرد فكرة الارتباط وقتها، ولم أقبل أيضا بالعروض الكثيرة من رجال يعملون فى مناصب كبري، واحتفظت مع الجميع بعلاقة طيبة إلا أهلى الذين لم يغفروا لى تغيير ديانتي، وأنا لا أريد منهم شيئا إلا الاطمئنان عليهم، وكنت كلما قابلت شقيقى الأصغر ألقى عليه السلام فيرد التحية وهو خائف من أن يراه أحد، ويبلغ الأسرة، وهم يعرفون كل كبيرة وصغيرة عني، بحكم أننا نعيش فى قرية واحدة.

ومرت الأيام، ووصلت ابنتى الكبرى إلى الفرقة الثالثة فى كليتها، ويليها إبنى الثانى فى الفرقة الثانية، أما ابنى الثالث ففى الصف الثالث الاعدادي، وهو هادئ الطباع، مثل أخته الكبرى تماما، ومشكلتى تنحصر فى ابنى الثاني، فهو عصبى جدا ويبدو أنه أخذ العصبية من أبيه، وعرفت أنه يتعاطى الحبوب المخدرة التى سيطرت على كثيرين من الشباب، ولذلك يطلب نقودا كثيرة، وأحيانا يضربني، ويسبنى بألفاظ نابية، وأحسست أنه يشك فيّ، وحدثته فى ظنى كثيرا، فمرة ينفي، ومرة يسكت، وأشعر أننى وصلت إلى مرحلة الضياع، ورويت لعمته الكبرى ما يفعله فجاءته وتحدثت معه، لكنها لم تصل معه إلى حل، وفوجئت بها تقول لى «تزوجى وارتاحى من هذا العذاب»، ففكرت فى الأمر، ثم ترددت فيه، إذ كيف أترك أولادي؟، وإذا كان ابنى الأوسط على هذه الحال فكيف ستمضى به الحياة، وما ذنب شقيقه وشقيقته لكى أتركهم بعد أن ضحيت بكل شئ من أجلهم؟

ولقد بلغ السيل الزبى يوم عيد الأم، إذ ضربنى إبنى بشدة، وعلا صوته عليّ ووجدتنى مضطربة بشكل لم يسبق له مثيل فى حياتي، وبعد أن أنهيت عملي، وقفت أمام باب المدرسة لا أدرى ماذا أفعل؟.. وفكرت فى أن أتصل بأمى وأقول لها: «كل سنة وانت طيبة»، وتمنيت أن أزورها، وبالفعل اتصلت بها، وأبديت لها رغبتى فى أن تعود المياه إلى مجاريها معها. فردت عليّ التحية، لكنى أحسست أنها سوف تفتح الماضى كله، فآثرت أن أكتفى بهذه التحية، وإتجهت إلى بيت عمة أولادى الكبري، وأعدت على مسامعها ما فعله إبنى بي، فإصطحبتنى إلى شقتنا، وجلست معه فأبدى ندمه على ما يفعله بي، وأخذ يقول: «بحبك ياماما.. والله بحبك». ولم يمض يوم واحد حتى كرر إهانته لي، وأجدنى الآن على حافة الانهيار، ولا أدرى ماذا أفعل حتى أستعيد ابنى وتستقر حياتي؟ ثم هل أتزوج ليكون لى بيت آخر أقسم الوقت بينه وبين أولادى بحيث إذا تعبت فى احدهما أذهب إلى الثاني، وكيف أقنع إبنى بالعلاج من الادمان، وهو الذى لم يعترف لى بإدمانه، ولا بشكوكه الواضحة فى تصرفاتي؟.. وهل يكون حلا مناسبا لى إذا انتقلت إلى شقة أخرى بمفردى وقت هياجه؟ ولكن من يضمن لى أنه لن يأتينى فى الشقة الجديدة وتزيد شكوكه فيّ؟

إن الحيرة تقتلنى ولا أجد سبيلا إلى أن أعيش واقعا جديدا ومستقرا بعيدا عن العذاب الأليم الذى قاسيته طول عمري، فبماذا تنصحني؟

< ولكاتبة هذه الرسالة أقول:

ذكرنى قولك «بلغ السيل الزبي»، فى وصفك حالك بالمناسبة التى قيل فيها، فلقد كان هناك رجل يعمل فى صيد الأسود، حفر «زُبْية» أى حفرة عميقة على إحدى الروابي، وغطاها بالأغصان والأعواد، ووضع الطعم الذى سيخدع به الأسد، ويجذبه الى تلك الزبية، فيسهل عليه اصطياده، ولكن كما يقال، تجرى الرياح بما لا تشتهى السفن، إذ إنه فى ذلك اليوم أمطرت السماء مطرا غزيرا، وسالت السيول الى أن وصلت لتلك الرابية، وطمرت الزبية التى أعدها الصياد لاصطياد الأسد، فأفسدت عليه الصيد، فقال وقتها «بلغ السيل الزبي»، فإذا طرأ على الإنسان أمر معين، أو وقع فى مشكلة ما، وتفاقمت به الى أن وصلت الى حد يفوق توقعاته، ولا يستطيع السيطرة عليها، فإنه يردد هذا القول المأثور، وهذا ما حدث لك أخيرا بعد أن انسدت أمامك أبواب الاستقرار والسعادة التى كنت تنشدينها منذ نعومة أظافرك.

وبصراحة شديدة فإن الهدف الذى رسمتيه لنفسك بالحب والزواج والهدوء والسكينة، لم تتخذى فى سبيله الخطوات العقلانية المدروسة التى ينبغى أن يبنى عليها المرء حياته، ولذلك تعددت محطات هروبك من الواقع الذى تعيشينه الى الخيال الذى تأملينه، بلا تفكير، أو أسس محددة لحساباتك، فجاءت خاطئة تماما، ففى سنوات المراهقة جذبك شاب يكبرك بسبعة عشر عاما، وينتمى الى ديانة غير ديانتك فانجرفت إليه، دون أن تكون لديك القدرة على حسم أمرك معه، أو أن تكونى قادرة على اتخاذ القرار المناسب وقتها، ولم تدرسى طباعه جيدا، ولو أنك نلت ــ لا أقول موافقة، ولكن على الأقل ــ حياد أحد كبار أسرتك فى هذه المسألة، لاستطعت أن تلجأى اليهم وقت الشدة، وكان على زوجك الذى لم يقدر موقفك جيدا أن يتمهل فى ترديد قسم «الطلاق». وكان هذا الرجل هو محطتك الأولى فى رحلة الهروب.

وبعد الطلاق جاءت محطة هروبك الثانية من الواقع بسفرك الى الخارج، أملا فى جلب المال الذى يساعدك على الحياة الرغدة التى تنشدينها، ثم تزوجت للمرة الثانية دون حسابات دقيقة، بناء على معلومات مغلوطة قالها لك أحد المصريين فى هذه الدولة، عن حياته، بأنه طلق زوجته لأنه لم يطق عشرتها إلى غير ذلك من الأسباب التى يسوقها من يحاولون الايقاع بفريسات لهم، ولما اكتشفت خطأك وبأنه ليس الرجل المناسب لك، خلعته من حياتك، وعدت الى بيتك القديم لتربية أولادك، لكنك وجدت أن ابنك الأوسط مدمن للحبوب المخدرة التى تنتشر بين كثيرين من الشباب الذين لا يجدون من يوجههم الى الطريق الصحيح، ويقعون فى براثن الإدمان، كما أنه يشك فى تصرفاتك، وربما يعتقد أنك على وشك الانتقال الى محطة جديدة فى حياتك، ولذلك ينهال عليك ضربا وركلا وسبا، وربما يضيق عليك الخناق فى الدخول والخروج، ولا شك أن ما عاشه من أحداث انفصالك عن أبيه، وزواجك بآخر، ثم عودتك إليهم، ومتابعته ما يثار عن زواجك مرة ثالثة، كل ذلك هو الذى جعل الشك يتسرب الى قلبه، فأنت أمه، ولا يريد أن يخسرك مرة أخري، لكنه لا يستطيع التعبير عما فى صدره من غصة تجاه السنوات المريرة التى مروا بها فى غيابك عنهم، فما أقسى على الابن من أن يجد أمه مع رجل آخر غير أبيه، خاصة اذا كان على قيد الحياة، ولم يتزوج بأخري، ومن هنا ينبغى أن تحتويه، وأن تكررى على مسامعه أنك ضحيت بكل شيء من أجلهم، وأنك انفصلت عن زوجك الثاني، لأنه كان يريد أن يبنى جدارا فاصلا بينك وبينهم، لكنك رفضت بإصرار أن تقبلى الاستمرار معه، أو أن يكون لك منه أولاد، يربطونك به مدى الحياة، وأكدى لهم أنه ليس فى الدنيا أعز ولا أغلى منهم.

وليعلم ابنك الطالب الجامعي، وهو يدرك جيدا أنه يوشك أن يقع فى دائرة الادمان، إن عناده بالاستمرار فى تعاطى الحبوب المخدرة سوف يفقده حياته ووجوده ومستقبله، والأفضل له أن يخضع للعلاج، وسوف يخرج سالما قبل أن ينزلق الى المرحلة التى لا يرجى الشفاء منها، وأما الانتقال الى شقة جديدة فلا أوافقك عليه أبدا، لكنك سوف تزيدين بذلك الشكوك فيك، ولن يجلب لك السكن البعيد عنهم الراحة، بل ستكون له عواقب وخيمة بعد أن تتركيهم بمفردهم بلا موجه، ولا رقيب، وكلهم فى أعمار خطيرة تتطلب المتابعة الدقيقة.

وعلى صعيد أهلك، فإن المبادرة التى اتخذتيها يوم عيد الأم بالاتصال بوالدتك فأحسب أنها سوف تكون نقطة البداية نحو إذابة جبل الثلج فى علاقتك بهم، صحيح أن المصالحة معهم ليست بالأمر السهل، لكنها ممكنة بمرور الأيام، فحرية العقيدة مكفولة للجميع، وهى لا تفسد لعلاقات الود والمحبة قضية، فاحرصى على الاتصال بهم، وبأخوتك فى المناسبات المختلفة، وليتهم يدركون أنك فى النهاية ابنتهم، وأن الدين لله سبحانه وتعالي.

أما مسألة الزواج للمرة الثالثة، فإنها تحتاج الى تأن شديد، على الأقل حتى يتم أولادك تعليمهم، وتصبح لكل منهم حياته المستقلة بعيدا عنك، فالزواج لمجرد الارتباط فيه مخاطرة كبيرة، وسبق أن تجرعت كأس المرارة من زوجك الثانى الذى كان زواجه بك مجرد نزوة سرعان ما تبخرت لذتها، ثم كان الواقع الأليم الذى جعلك تطلبين الخلع، فلا تهربى الى المجهول من جديد، واحسبى أمرك جيدا، وحتى اذا كانت حاجتك شديدة للزواج، ولا تستطيعين الصبر بلا رجل فى حياتك، فعليك أن تضعى النقاط على الحروف مع من يتقدم اليك، وتجدين راحتك معه، بالاتفاق على أن يكون أولادك معك، وأن تبنى جسور الصلة معهم، فهم كل حياتك ولست على استعداد للتضحية بهم مهما تكن الأسباب والمبررات والمماطلات التى قد يلجأ إليها البعض طمعا فى اتمام الزواج بلا شروط، ولتأخذى الضمانات الكافية بعد فسحة من الوقت قبل عقد القران.

وفى هذه المسألة بالذات فإن المشاعر والأحاسيس لا يمكن قياسها بأجهزة طبية ومختبرية، فهى غير ملموسة، وتسهم فيها منظومة الروح والجسد معا، فتريثى فى اتخاذ الخطوة المقبلة، وكونى أكثر وعيا وهدوءا فى معالجة وضعك المستقبلي، وأقرى بالواقع، وسوف تتفتح لك أبواب السعادة والاستقرار، وفقك الله وسدد خطاك على الطريق الصحيح.. إنه نعم المولى ونعم النصير.

رابط دائم: 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق
  • 7
    اريد حلا
    2016/03/25 14:09
    0-
    2+

    ارملة مثقلة بالهموم من كل جانب
    فقدت الاهل اول الامر واخره بسبب رجل وغيرتِ ديانتك بسببه ايضا ولم يعد لكِ معين ولا ملجأ سوى الله سبحانه وتعالى لقد تسبب ابو اولادك فى خسارتك كل شئ اهلك دينك حياتك وبسببه ايضا بحثتى عن حضن يحتضنك من الوحدة والالم الذى تتجرعينه فرميتى نفسك بين يدى كاذب مدعى وكان الفشل حليفك ورجعت لأولادك بعد تغير طباعهم ونقمهم وحقدهم عليك وعلى فقدك وافتقداك وتواجدك فى حياتهم ... حاولى علاج ابنك وتكلمى معه فى لحظة صفاء اذهبى به لطبيب يعينك على علاجه لعل وعسى اعانك الله وارجو ان يسامحك اهلك ويقفون الى جوارك ويحاولون مساندتك ومساعدتك ولعل قصتك تنفع للذكرى والعبرة ولكن قلوب العذارى لها شأن اخر ولا تتعلم وتعتقد بسذاجتها ان وضعها غير وانها افضل وانها لن تقع كما وقعتِ انتى او غيرك .. انها دروس الحياة ولكن بعد فوات الاوان .. يسر الله امرك وازاح همك وفك كربك انتى وانحن والجميع
    البريد الالكترونى
     
    الاسم
     
    عنوان التعليق
     
    التعليق
  • 6
    عمرو
    2016/03/25 13:22
    4-
    26+

    كمال4: هذه المشكلة لايصلح معها ابوالعريف والمنقول والفلسفة وصولا الى شبهة التهكم
    هذه المشكلة تحتاج ذهاب الزوجين الى فقيه وعالم دين مسلم ويحدثانه وجها لوجه ليستبين منهما دقة ألفاظ الطلاق ويستبين أيضا عما إن كان الزوج فى حالة غضب أذهبت عقله من عدمه،،، تماما مثلما يحدث مع الزوجين المسيحيين حين يذهبا الى رجل الدين المسيحى لعرض مشكلة بينهما ليقدم لهما النصح والارشاد،،فلا داعى للإثارة
    البريد الالكترونى
     
    الاسم
     
    عنوان التعليق
     
    التعليق
  • 5
    اسماعيل عمر
    2016/03/25 11:03
    5-
    8+

    الاولاد اهم
    لا تتركى اولادك وتهربين مرة اخرى فحافظى عليهم وحاولى ان تعالجى ابنك وان اردت الزواج فاقبلى الزواج من عمهم حتى لا تجرحيهم والله الموفق
    البريد الالكترونى
     
    الاسم
     
    عنوان التعليق
     
    التعليق
  • 4
    دكتور كمال
    2016/03/25 10:58
    31-
    4+

    اغاثة اللهفان في حكم طلاق الغضبان
    و حكم الفقهاء و العلماء ان الطلاق لا يقع اذا كان الزوج غضباناً : لان الغضب يزيل العقل و بدون العقل لا تكون نيًة و بدون نية لا يكون الطلاق مقصوداً او واجباً : و الله اعلم : و قد اقترح البعض عدم وقوع طلاق الا امام قاض او ماذون : بعد زوال الغضب : الا ان بعض العلماء اعترض بان الطلاق باللفظ معروف و مثبوت و شرعي
    البريد الالكترونى
     
    الاسم
     
    عنوان التعليق
     
    التعليق
    • نادى الهادى
      2016/03/25 11:32
      0-
      0+

      انت لست مخولا بإغاثة اللهفان ولاغيره فى هذه المشكلة
      بأى حق تفتى؟!...لنكن صرحاء أنت لايجوز لك ذلك بموجب اختلاف الديانة،،هذه الفتوى تحتاج فقيه مسلم عالم بالمذاهب الفقهية وآراء المجتهدين -قدامى ومحدثين -عن أحكام الطلاق ومدى وقوعه من عدمه ودعك من فتاوى الفضائيات ومايوفق هواك الذى لايخلو من...ومن ... ،،،،أخيرا : المسلمون يتحسسون كلامهم او يصمتون تجاه مقولة الزوجة الواحدة ولاطلاق الا بعلة الزنا
  • 3
    ^^HR
    2016/03/25 10:12
    2-
    57+

    لاتخلو من جوانب مضيئة مثل انتصار الحب وكان الزوج فى بداياته عند حسن الظن
    توجد اوجه تشابه الابن الاوسط وابيه عليه الرحمة فى التسرع وشدة الغضب فالأب كان متسرعا فى الغضب والتلفظ بالطلاق والابن متسرع ومتهور ومعتدى على والدته وارجح أنه يتعاطى المخدرات ومن هنا يبرز التساؤل: هل يصلح الزواج الثالث من حال الابناء خاصة الابن الاوسط؟! أم ستتركينهم للمجهول والضياع من جهة كما أنك لاتملكين صك ضمان براحة البال فى الزواج الثالث؟!....أخيرا أقدر صعوبة موقفك فى ظل الظروف التى احاطت بك منذ بدء زواجك وتغيير ديانتك إلا أن المشكلة تنحصر فى الابن الاوسط فقط وعليه انصحك بالصبر وكثرة الاستعانة بأهل مطلقك الطيبين بشهادتك ليعينوك على هذا الابن الضال إما بإعادته الى جادة الصواب او علاجه
    البريد الالكترونى
     
    الاسم
     
    عنوان التعليق
     
    التعليق
  • 2
    ^^HR
    2016/03/25 06:15
    3-
    38+

    فيها جوانب مضيئة مثل انتصار الحب وكان الزوج فى بداياته عند حسن الظن
    توجد اوجه تشابه الابن الاوسط وابيه عليه الرحمة فى التسرع وشدة الغضب فالأب كان متسرعا فى الغضب والتلفظ بالطلاق والابن متسرع ومتهور ومعتدى على والدته وارجح أنه يتعاطى المخدرات ومن هنا يبرز التساؤل: هل يصلح الزواج الثالث من حال الابناء خاصة الابن الاوسط؟! أم ستتركينهم للمجهول والضياع من جهة كما أنك لاتملكين صك ضمان براحة البال فى الزواج الثالث؟!....أخيرا أقدر صعوبة موقفك فى ظل الظروف التى احاطت بك منذ بدء زواجك وتغيير ديانتك إلا أن المشكلة تنحصر فى الابن الاوسط فقط وعليه انصحك بالصبر وكثرة الاستعانة بأهل مطلقك الطيبين بشهادتك ليعينوك على هذا الابن الضال إما بإعادته الى جادة الصواب او علاجه
    البريد الالكترونى
     
    الاسم
     
    عنوان التعليق
     
    التعليق
  • 1
    ابو العز
    2016/03/25 00:07
    17-
    9+

    الاختيار الصحيح
    لعل الخطأ الفادح الذي وقعت فيه السيدة الفاضلة هو زواجها من رجل يخالف ديانتها والذي ترك اثره الواضح على ابنائها وعلاقتها باسرتها .ا
    البريد الالكترونى
     
    الاسم
     
    عنوان التعليق
     
    التعليق