رئيس مجلس الادارة

أحمد السيد النجار

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

منتقدا حصر التجديد فى تغيير أساليب الخطابة .. د. على مبروك: لا نحتاج إلى تجديد السائد.. بل إلى خطاب جديد فى الدين

◀ حوار: محمد حربى
د.على مبروك
ننشر اليوم حوار الدكتور على مبروك أستاذ الفلسفة بجامعة القاهرة ضمن حلقات عن تجديد الخطاب الدينى فى نفس يوم انتقاله إلى الرفيق الأعلى، وهو تأكيد على أن الأفكار لاتموت وأن المفكرين ينتقلون بأجسامهم ولكن تبقى أفكارهم تنير لنا الطريق.

والمفكر الدكتور على مبروك يسير فى أعماله ومؤلفاته وآرائه التى كشف عنها هذا الحوار على درب الإمام محمد عبده والعلامة أمين الخولى والمفكر الراحل نصر حامد أبو زيد. يراه البعض تلميذا مخلصا لاستاذه نصر وأراه باحثا يحاول ويجتهد فى قراءة النص الدينى على أسس عقلانية ينحاز فيها للواقع على حساب الماضى.

لايعلن القطيعة الكاملة مع ما تم انجازه فى الماضى ولا يعلن القطيعة مع ما انجزه أسلافه من العقلانيين ولكنه لا يسير على الخطى نفسها بل يسير على الدرب بخطى أخرى لانه بصدد تقديم قراءة معرفية تتنكر لغلالات الأيديولوجيا التى تلون فعل القراءة الحداثى للتراث العربى والاسلامى محاولا تدشين قراءة معرفية لهذا التراث السائد فى تاريخ الاسلام، والإجابة عن هذا السؤال: لماذا ساد نوع معين من العقل المعرفى ولم تتسع دائرة تراثنا للعقلانية التى برزت كإشارات خاطفة سرعان ما ارتدت على اعقابها؟

لا نعنى أن «مبروك» الذى بدأ دراسته الفلسفية للتراث بموضوع النبوة يقدم فى قراءته فصل الخطاب فيما يتعلق بالتراث، أو الخطاب الدينى، فهو نفسه ينفى وجود فصل خطاب فى أى منتج ثقافى معرفى، فكل المحاولات اجتهاد يصيب ويخطيء ولذلك يركز على الواقع الراهن ويحاول إنقاذه من تثبيت اللحظة التاريخية وتكلس القراءة ومد حصيرتها لتشمل الماضى والحاضر والمستقبل، محاولا بوعى منح الحاضر حقه فى قراءة ماضيه ومستقبله من دون وصاية تطلع من اضابير الكتب ومتاحف التاريخ.



ومنذ كتابه عن الإمامة وعلى مبروك يحفر معرفيا فى تفكيك البنى المنهجية لإنتاح المعرفة فى التراث العربى والاسلامي.

وفى هذه المداخلة النقدية التى أجاب فيها عن عدد محدود من اسئلة الملف يقدم على مبروك رؤية واضحة لا تقبل بتجديد الخطاب السائد بل تدعو الى خطاب دينى جديد نسهم نحن ابناء الراهن فى صياغته وتحديد ملامحه.

وهذه شهادته حول فكرة تجديد الخطاب الديني.

فى معنى الخطاب

ما المقصود بمصطلح الخطاب، وهل يمكن تطبيقه على النص الدينى المقدس أو ينسحب فقط على النصوص الشارحة؟

ابتداءً أن لفظة «الخطاب» هى من الألفاظ المتضايفة؛ أى التى تحيل إلى مُخاطِب (مُرسِل للخطاب) ومُخاطَب (مُتلقى له) وبينهما الخطاب أو الرسالة والسياق الذى يتحقق فعل التواصل داخله، فإنه يمكن القول إن اللفظ يتسع لكل ملفوظٍ أو مكتوب أو حتى مسموع (كقطعة موسيقية) أو مرئى (كلوحة تشكيلية). وبالطبع فإنه يتسع ــ والحال كذلك ــ للنصوص المقدسة المنزّلة، فضلاً عن النصوص الشارحة والمفسِرة لها باعتبار أنها جميعاً تستوفى كل العناصر المُكونة لعالم الخطاب من رسالة ومُرسِلٍ ومُتلقِّ لها وسياق يتحقق فيه الفعل التواصلى بينهما.

وعلى الرغم من أن لفظ «الخطاب» إنما ينطوى ــ لا محالة ــ على معنى «القول»؛ وعلى النحو الذى يجعل البعض يختزل معناه فى مجرد الخطابة، فإن دلالته «كمفهوم» إنما تتجاوز حدود القول إلى ما يقوم وراءه، ويرقد تحت سطحه من بنية ونظام يفسران «القول» ويتجاوزانه إلى ما سواه. ومن هنا ما يتسمان به من شمول وكلية يرتقى معها «الخطاب» إلى حدود المفهوم «المعرفي» القادر على أن يهب العقلنة والتفسير لكل ما يتحقق فى فضائه من أفكارٍ وممارساتٍ جزئية.

والحق أن مفهوم الخطاب يعد أحد أكثر المفاهيم تأسيسيةً ومركزية فى سياق التطور الراهن للعلوم الإنسانية؛ وبكيفية بدا معها أن تحليل الخطاب هو مركز الدرس، ليس فى الحقل الخاص بتلك العلوم، على تنوعها فقط، بل وحتى فيما يخص حقول الدرس الفيزيائى والبيولوجى وغيرها. ويتميز المفهوم بالاتساع الكبير فى مجال الدلالات التى يشير إليها؛ وإلى الحد الذى يبدو معه أن لا شيء يفلت من حدِّه الرحيب. فهو يشير، من جهة، إلى القول «الملفوظ» أو «المكتوب»، وإلى ما يقف وراء هذا القول مما لا يكون ملفوظاً أو مكتوباً، من جهة أخري. وحين يتعلق الأمر بهذا الذى يقف وراء القول (ملفوظاً أو مكتوباً)، فإن الخطاب يشير إلى النظام المعرفى (الإبستيمي) الجامع لجملة الشروط التى تجعل انبثاق القول (الملفوظ أو المكتوب) ممكناً، فى لحظة بعينها.

بين الدين والخطاب

هل ثمة خطاب دينى واحد شامل جامع أم أنها خطابات دينية حتى فى الدين الواحد تنطلق من منطلقات التاريخ والتأويل؟

يكون الدين ــ أى دين ــ ساحة لجملة خطاباتٍ متباينة، ويرتبط ما يقوم بينها من التباين بحقيقة أن كون الخطابات هى أبنيةٌ نظرية لا يلغى أنها لا تكون أبنية مُعلَّقةٌ فى الفراغ، بقدر ما تضرب بجذورٍ غائرة فى عالم الاجتماع والسياسة. وبالطبع فإن طبيعة الموقف الاجتماعى السياسى الذى تتكأ عليه الخطابات ينعكس على طبيعة التداول المعرفى السائد داخلها؛ وبمعنى أن الأبوية فى الاجتماع والسياسة تربط نفسها بنوعٍ من العقل الإلحاقى الاستتباعى الذى يربط كل شىء بسلطة أصلٍ أول، فى حين أن مناهضتها تستلزم عقلاً يشتغل على نحوٍ مغاير، كما ينعكس على بنية الخطابات الدينية التى قد يحمل بعضها ملامح «سلطوية»، فى حين يحمل بعضها الآخر ملامح «لا سلطوية». وبالطبع فإن الطبيعة الصراعية الحاكمة لما يجرى فى عالم الاجتماع والسياسة لابد أن تنعكس على طبيعة العلاقة بين الخطابات التى لابد أن تقوم بدورها على قاعدة الصراع والتنافر. وضمن هذا السياق الصراعي، فإن واحداً من تلك الخطابات يفلح فى إقصاء ما عداه، وفرض هيمنته الكاملة على الساحة وحده. ومن هنا ما يلزم قوله من أن تعدد الخطابات لا يلغى أن واحداً من بينها يحقق سيادته على النحو الذى سرعان ما يختفى معه كل أثر للتعددية الخِطابية؛ وبما يجعل الناس تتصور أنه لا هناك إلا الخطاب الذى تحققت له السيادة دون غيره.

وفى الإسلام، فإن صراعات السياسة بالذات قد اشتغلت على مستوى العقيدة؛ بما انعكس على حقيقة أن التعدد الخِطابى فى الإسلام قد تبلور ــ منذ البدء ــ على مستوى العقيدة، وليس الفقه. وقد ارتبط ذلك بأن دراسات العقيدة لم تقدر على استيعاب خلافات السياسة وصراعاتها، فتعددت الخطابات داخلها. وعلى العكس، فإنه كان على الفقه أن يستوعب كل التباينات الأنثروبولوجية بين الأقوام التى دخلت الإسلام لأن هذه التباينات تتعلق بما لا اختيار للناس فيه على عكس السياسة التى تكون ساحةً لاختياراتهم، ولهذا فإن تعدد المذاهب داخله لم يكن مانعاً من اندراجها جميعاً تحت مظلة خطابٍ واحد. وهكذا فإنه فيما كانت العقيدة ساحة لخطابات تتباين جذرياً فى التصورات التى طرحتها لكلٍ من الله والعالم والإنسان، وفى كيفية ترتيب العلاقة بين هذه المقولات المركزية على نحو ما يُظهره التباين بين الخطابين الأشعرى والمعتزلي، فإن اختلاف المذاهب الفقهية لا يعكس أى تعددٍ على صعيد الخطاب؛ حيث ظلت الأقوال الفقهية داخل هذه المذاهب خاضعة لتوجيه نظام معرفى أو ابستيمى واحد. وهكذا فإن المرء حين يعود إلى كتابٍ فى الفقه على المذاهب الأربعة، فإنه يلمح تبايناً بين الأقوال الفقهية لهذه المذاهب فى مسألة بعينها (كمسألة الكفاءة فى الزواج مثلاً)، حيث يختلف أصحاب هذه المذاهب حول بعض الشروط المُعتبرة فى الكفاءة التى اعتبروها شرطاً فى صحة الزواج، فإن كان الحنابلة يعتبرون المال شرطاً فى الكفاءة حيث لا يكون المُعسر كفؤاً للموسرة، فإن الشافعية لا يعتبرونه (أى المال) شرطاً فى الكفاءة، وإذ يبدو الشافعية ــ والحال كذلك ــ أخف وطأة من الحنابلة فإن ذلك لا يلغى حقيقة أن الشافعية لا تقوم بهذا التخفيف لكى تخرج من فضاء خطاب التمييز الذى تظل تندرج تحت مظلته مع الحنابلة. إنهم فقط يختلفون حول شرطٍ بعينه، ولكن من دون أن يضعهم هذا الاختلاف خارج المظلة الواسعة لخطاب التمييز الذى يكاد يكون الحاكم لبناء المنظومة الفقهية بأسرها. ولسوف يؤكد ذلك أنه إذا كان الأحناف قد تمسكوا فى القصاص بمبدأ التساوى فى النفوس، فذهبوا إلى قتل المسلم بالذمي، والحر بالعبد، والرجل بالمرأة، لأن آية القصاص مُحكمة وفيها إجمال بيَّنه قوله تعالي: (وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس)، واتفق المالكية والشافعية والحنابلة ــ فى مقابلهم ــ على قتل الأدنى صفة بالأعلى (كالذمى بالمسلم والعبد بالحر)، وعدم قتل الأعلى صفة بالأدنى (كالمسلم بالذمى والحر بالعبد)، مؤكدين مبدأ التمييز فى القصاص، فإن الغريب حقاً هو ما سيذهب إليه الأحناف من أنه لا قصاص بين الرجل والمرأة، ولا بين الحر والعبد، فيما دون النفوس؛ لأن الأطراف كالأموال، فينعدم التماثل بالتفاوت فى القيمة، والتفاوت معلوم قطعاً بتقويم الشرع، حيث إن الشرع قد قوَّم اليد الواحدة للحر بخمسمائة دينار قطعاً ويقيناً، ولا تبلغ يد العبد إلى ذلك، فلا تكون مساوية ليد الحر يقيناً. وبالطبع فإن ذلك يؤكد أن مبدأ التمييز يبقى حاضراً يظلل الجميع بمظلته الواسعة.

وإذ يحيل ذلك إلى أن الخطاب الفقهى الذى صنعته اجتهادات الفقهاء والمفسرين ينبنى على قاعدة التمييز (بحسب النوع والدين والمكانة)، فإن ما يبدو من تعارض ذلك مع ما يقصد إليه القرآن من تقرير مبدأ التسوية بين البشر إنما يكشف عن قوة هذا الخطاب (الذى صنعته النصوص الثواني) فى مواجهة القرآن (الذى هو النص الأول)؛ وإلى حد ما يمكن القول إنها سيطرة الخطاب على القرآن.

كيف تقرأ عملية الإصلاح الدينى وتجديد الفكر الإسلامى منذ محمد عبده حتى الآن؟

لعله يلزم أن تنطلق أى قراءة لتجربة الإصلاح الدينى فى العالم الإسلامى من الوعى بإمكان التمييز فى تاريخ هذه التجربة بين مسارين متباينين على نحو كامل فثمة مسار ينطلق من جمال الدين الأفغانى ليتواصل مع رشيد رضا ويمتد عبره إلى حسن البنا (مؤسس جماعة الإخوان المسلمين) ثم إلى سيد قطب الذى كان قد انفتح على الأفكار الرئيسة لأبى الأعلى المودودي، ولعله يلزم القول بأن كل الحركات الجهادية الراهنة، التى تنشط فى عولمة الإرهاب (من قبيل القاعدة وجبهة النصرة وداعش وغيرها)، هى بمثابة التحققات الواقعية التى لابد أن تنتهى إليها سيرورة التطور فى هذا المسار. وقد انبنى هذا المسار على فكرة بسيطة مؤدَّاها أنه لا سبيل إلى إقامة (دين) الإسلام، فى هذا العالم الذى تهدده الهيمنة الأوروبية الكاسحة، إلا بإقامة (دولة) الإسلام أو حكومته أولاً، لقد ابتدأ إذن مسار «تسييس الإسلام»، الذى تبلور مع الأفغاني، بتأثير ما عاينه من إسقاط الإنجليز لحكم المسلمين فى الهند عند أواسط القرن التاسع عشر. وإذ راح الأفغانى يرى فى إسقاط حكم المسلمين فى الهند سقوطاً للإسلام نفسه كدين، فإن قناعة راحت تتبلور منذئذ بأنه لا إقامة لدين الإسلام إلا بإقامة دولة الإسلام؛ وهى الدعوى الجوهرية التى يقوم عليها خطاب تسييس الإسلام، أو الإسلام السياسي، الذى يتزايد الاعتقاد بأنه العائق الأكبر أمام أى إمكانية للتطور فى العالم العربي، والإسلامى على العموم.

البداية الهندية

ولعل ما هو جديرٌ بالالتفات هنا هو ما يبدو من ان ما جرى فى الهند كان هو نقطة البدء فى تبلور هذا المسار؛ وذلك من خلال الأفغانى الذى تنطق جميع الشواهد على أن الهند كانت هى الإطار الذى تحددت داخله جملة الأفكار الحاكمة لخطابه، فإن تجاوز المرء عما يقرره هو نفسه من أن عقله «قد تثقف فى الهند»، فإنه يبقى أن نصه الأهم «الرد على الدهريين» هو نتاج مجادلة كبرى مع أحد أكبر المفكرين الإصلاحيين الهنود؛ وهو السيد أحمد خان. وحين يدرك المرء أن السيد أحمد خان كان ــ فى كتابه عن الخلافة ــ من أنصار الرأى الذى لا يعلق إقامة دين الإسلام على شرط إقامة دولة الخلافة، فإنه يقدر على استنتاج أن خصومة الأفغانى معه لا ترتبط فقط بمناصرة خان للأفكار الحديثة، بقدر ما ترتبط ــ وفى الأساس ــ بموقفه الذى لا يرى فى الخلافة شرطاً لإقامة دين الإسلام. فإنه لا يمكن أبداً فهم فكرة الأفغانى عن «الجامعة الإسلامية» إلا كنوعٍ من الرد على فكرة أحمد خان عن لا جدوى إقامة الخلافة. وهكذا فإن جدال الأفغانى مع أحمد خان، الذى يدافع عن فكرة أن إقامة دين الإسلام ليست فى حاجة إلى إقامة الخلافة، كاشفٌ عن أن الفكرة الرئيسة فى خطاب تسييس الإسلام؛ والتى تجعل إقامة الدين موقوفة على إقامة الدولة، لم تكن لتتبلور خارج ما لحق بالإسلام الهندى من تطورات فى القرن التاسع عشر. ولعله يلزم تأكيد أن تأثير الهند على خطاب تسييس الإسلام سوف يتجدد مع أواسط القرن العشرين مع أبى الأعلى المودودى الذى سوف يمد الخطاب بالفكرة التى ستجعله الأكثر عنفاً ودموية؛ وهى فكرة «الحاكمية».

>> ما يطرحه الدكتور على مبروك هنا فكرة مهمة تحتاج الى توسع كبير لشرحها ونقدها ولأن هدف الملف ليس فى مجاله هذه الالتفاتة على اهميتها سنترك مناقشتها لحوارات أخرى مع على مبروك أو نتركها لأهل الاختصاص فى الدرس التاريخى المتعلق بالحركة الإصلاحية الدينية ليقولوا فيها آراءهم.

ونعود إلى ملفنا ونسأل: ماذا عن المسار الثانى لحركة الإصلاح؟

فى المقابل، فإن مساراً آخر للإصلاح تبلور على نحو مغاير بالكلية لمسار تسييس الإسلام الذى انطلق من الهند. وإذ تبلور هذا المسار ضمن إطار عربى خالص، فإنه يجوز اعتباره مساراً عربياً فى الإصلاح الدينى ارتسمت ملامحه فى المراكز الحضارية العربية الكبرى (والتى هى مصر والشام وتونس) فإنه إذن كان اللقاء مع الحداثة فى الهند، قد تمخض عن إسقاط حكم المسلمين فيها، فإن ذلك لم يكن هو نفس ما تمخض عنه اللقاء معها فى تلك المراكز الحضارية العربية الكبري، بل لعله بدا ــ وبحسب ما تشهد تجربة نابليون فى مصر ــ أن اللقاء مع الحداثة كان مدخلاً لتفعيل مبدأ الشورى فى الحكم؛ والذى هو مبدأٌ أصيل فى الإسلام. وليس من شكٍ فيما يعنيه ذلك من أن اللقاء مع الحداثة لم يكن مُهدِداً لحكم الإسلام فى التجربة المصرية، بل كان داعماً له بحسب ما بدا لشيوخ الأزهر الذين استحسنوا الإصلاحات التى أدخلها نابليون على نظام الحكم المملوكى التركي. ومن هنا فإن نقطة انطلاق هؤلاء المصلحين إلى الإصلاح لم تكن هى تلك التى انطلق منها الأفغاني؛ والتى تمثَّلت فى أن إعادة (دين) الإسلام إلى المشهد مشروطةٌ بإقامة (دولته). فالإسلام، بالنسبة لهم، لم يكن مُهدداً لأنه فقد موقعه السياسي، بل إنه بدا لهم أن التهديد الحقيقى للإسلام إنما يرتبط بما جري، على مدى القرون، من تحويله إلى قناعٍ تتم التغطية به على ضروبٍ شتى من الانحطاط العقلى والسياسى والاجتماعي. وهكذا فإن «المسألة السياسية» لم تشغل الحيز الأكبر من تفكير الإصلاحيين العرب، بل لعلها كانت موضوعاً للتأثيم واللعنة؛ بحسب ما هو منسوب إلى الإمام محمد عبده. ومن هنا فإن جوهر المشروع الإصلاحى عندهم لم يكن بناء سلطة الإسلام السياسية، بل كان السعى إلى تحريره من التغطية به على ضروب الانحطاط القائم فى ميادين التفكير والاجتماع والسياسة.

فإذ قرأ الإصلاحيون العرب وجوه الانحطاط القائم ــ مع نهايات القرن التاسع عشر ــ فى التقليد والجمود العقلى (بحسب الإمام محمد عبده المصري)، والاستبداد السياسى (بحسب عبد الرحمن الكواكبى السوري)، والتفاوت الاجتماعى والتمييز ضد المرأة (بحسب قاسم أمين المصرى والطاهر الحداد التونسي)، فإنهم راحوا يفضحون ما يجرى من إخفاء هذه الضروب الانحطاطية وراء الإسلام. وإذ كانوا بذلك يحررون الإسلام من هذا التوظيف الفاسد، فإنهم كانوا أيضاً يحررون العقل والسياسة والاجتماع من التسلط عليها باسم الإسلام. ولعلهم كانوا عبر هذا التحرير المزدوج يعيدون الإسلام إلى مجاله الدينى بعد أن ابتعد عنه، بسبب ما جري، على مدى القرون، من جعله قناعاً تتخفى وراءه سلطة تحكمية باطشة.

ولعل نظرة على المآلات الدامية التى ينتهى الآن إليها مسار «تسييس الإسلام»، الذى لعب الإسلام الهندى دوراً حاسماً فى تبلوره، تؤكد وجوب إعادة الاعتبار لمسار الإصلاح العربي؛ على أن يكون معلوماً أنه الإصلاح الذى تبلور فى مراكز الحضارة، وليس ذلك الذى أنتجته مواطن البداوة. ويرتبط ذلك بحقيقة أن مركزية السلطة فى إصلاح البداوة قد جعلته ينتهى إلى التحالف الكامل مع تسييس الإسلام.

تاريخ الدم

هل يمكن أن نتكلم عن استئناف توحيد المذاهب أو التقريب بينها كما فعلت لجنة الأزهر برئاسة الشيخ شلتوت ــ رحمه الله ــ فى الستينيات، وهل من الممكن التقريب بين الخطابات الدينية المنطلقة من أسس مذهبية؟

لعل الوقت قد حان لتجاوز ما جرى الانشغال به، فى النصف الأول من القرن العشرين، من السعى إلى التقريب بين مذهبى السنة والشيعة؛ خصوصاً أن أى متابعة لدماء الفريقين المسفوحة فى المساجد والمراقد وملتقيات التجمع والحشد تكشف عن الناتج الهزيل لهذا التقريب فى الواقع. ولعله يلزم الانخراط فى عملٍ جدّى يستهدف إيجاد الشروط التى تؤول إلى فتح الباب أمام الخروج من قبضة المذهبيات القاتلة. ولعل نقطة البدء فى عملٍ كهذا تنطلق من وجوب الوعى بأن المذهبية هى فاعلية سياسية تتخفى وراء قناع الدين. فالمذهب هو التركيب الذى تنخلع فيه صراعات الناس من رداء «السياسة» لتتلبس بزى «القداسة»؛ ولهذا السبب فإنه، فى الجوهر، هو الأداة التى تنتقل بها تلك الصراعات من وضع «المؤقت» والعارض إلى وضع «المؤبد» والخالد. ويرتبط ذلك بأن هذه الصراعات تتحول ــ عبر هذا الانتقال ــ من «أحداث» تتحدد بشروط التاريخ وسياقه إلى «معتقدات» عابرة لأسوار الزمان وتحديداته. وإذ المذهب ينتقل بالخلاف من كونه مجرد «حدثٍ» إلى أن يصبح «معتقداً» من خلال ما يقوم به من فك الروابط بينه والتاريخ، فإنه ليس ثمة من سبيل لتحويل المذاهب من بنيات متعالية يخضع البشر لسطوتها الباطشة إلى إطارات كاشفة عما يقوم بينهم من التعدد والتنوع واختلاف الرؤى والمصالح، إلا عبر تفكيك تلك العمليات التى تمكنت عبرها من فك روابطها مع التاريخ ووضع نفسها كبنيات متعالية يقدِّسها الناس، ولو فى تعارضٍ مع تعاليم الدين نفسه. وحين يدرك المرء أن هذه البنيات المذهبية المتعالية تتحول الآن ــ أو تكاد ــ إلى ألوية يتقاتل المسلمون تحت راياتها السوداء القاتمة، فإنه يلزم تأكيد أنه ليس من سبيلٍ أبداً للخروج من دوائر العنف المذهبى الراهن إلا بالخروج من كهوف الماضى وسراديبه الخانقة المميتة. وبالطبع فإنه لا سبيل للخروج من هذا الماضى إلا من خلال السيطرة عليه وتحويله إلى تاريخٍ له منطقٌ يحكمه، بدلاً من استمرار حضوره كإطارٍ لنماذج مثالية يقاربها الناس كمحدداتٍ لسلوكهم ومعايير يقيسون عليها مدى انضباط أفعالهم.

وليس يعنى تحويل الماضى إلى تاريخ إلا الوعى بالسياقات التى تحولت فيها وقائعه من «أحداث واقعية» إلى «معايير مثالية»، من خلال ما جرى من الصعود بها إلى السماء التى تحولت فيها إلى «عقائد»؛ وذلك بمثل ما جرى مع وقائع الإمامة التى تقدم المثال النموذجى على تحول ما هو تاريخى من «حدثٍ» إلى «اعتقاد». فإن الإمامة كانت محض «واقعة تاريخية» اختلف حولها المسلمون بعد وفاة نبيهم، وانحسم صراعهم عليها بفضل المحددات التى فرضتها موازين القوة التى كانت قائمة آنذاك، ولكنها سرعان ما تحولت إلى «قاعدة دينية» يتحاجج الفرقاء عليها بأدلة الدين وشواهده. فإن من هزمتهم موازين القوة القائمة آنذاك، وحالت دون أن ينتصر خيارهم السياسى فى الإمامة، لم يكونوا ليصمتوا على نحوٍ كامل، بل إنهم راحوا يرتفعون بخيارهم السياسى فى الإمامة إلى حد اعتباره أصلاً للدين ومطلباً من مطالب السماء. وهكذا فإن من انهزمت قضيتهم فى الأرض قد اختاروا أن يرفعوها إلى حيث تصبح «قضية السماء». وإذن فإن ما جرى من خذلان «أهل الأرض» للخيار السياسى لمن جرى الاصطلاح على أنهم الشيعة قد دفع بهؤلاء الشيعة إلى أن يجعلوا من اختيارهم السياسى (للإمام عليِّ وأهل بيته) اختياراً لرب السماء نفسه. وبحسب ذلك، فإن موقف الشيعة فى الإمامة الذى ينحاز للإمام عليّ قد راح يتحول من مجرد «اختيار سياسي» إلى أن أصبح «اعتقاداً دينياً» لا يتم الإيمان إلا به.

وللغرابة، فإن خصوم الشيعة من أهل السنة لم يفكروا على نحوٍ مختلف، بل إنهم يمارسون التعالى نفسه بالإمامة من تحديدات السياسة إلى فضاءات الدين. وعلى العموم، فإنه يبدو أن أى تهديدٍ لمسألة السلطة والإمامة فى الإسلام كان يدفع بأصحابها إلى التعالى بها إلى حيث يجعلونها «شأناً إلهياً» لا دخل للناس به. فلقد كان ذلك هو نفس ما فعله الخليفة الثالث عثمان بن عفان حين طالبه الثائرون عليه بأن يخلع نفسه من السلطة، حيث لم يجد الرجل ما يردُّ به على هذا المطلب إلا قوله: «كيف أخلع قميصاً ألبسنيه الله؟»؛ بما يكشف عنه ذلك من النظر إلى سلطته بما هى «شأنٌ إلهي» لا قول للناس فيه. ورغم ما يبدو من ان الخليفة الثالث كان يخرج بذلك عما استقر عليه الخليفتان قبله (أبى بكر وعمر) من النظر إلى أصل سلطتيهما على أنها من الناس، وليس من الله، فإنه كان يُثبِّت التقليد الذى استقر فى التعالى بالسلطة أو الإمامة، فى حال كونها موضع تهديدٍ بالذات، إلى حيث تصبح «شأناً إلهياً» لا دخل للناس به. وبدورهم، فإن أئمة أهل السنة الكبار لن يختلفوا عن نظرائهم من الشيعة فى التنظير للإمامة بما هى «قاعدة دينية» مردها إلى الله؛ وإلى حد ما صار إليه أبى المعالى الجوينى (المُلقَّب بإمام الحرمين) من أنه «إن تعسف مُتعسف وادَّعى التواتر والعلم الضرورى بالنص على عليِّ رضيّ الله عنه، فذلك بُهت وهو دأب الروافض، أن يُقابلوا على الفور بنقيض دعواهم فى النص من الله على أبى بكر رضيّ الله عنه»، وأما حجة الإسلام الغزالى فإنه سيقرر «فكأنَّا (أى نحن أهل السنة) فى الظاهر رددنا تعيين الإمامة إلى اختيار شخص واحد (أو حتى مجموع الأشخاص)، وفى الحقيقة رددناها إلى اختيار الله تعالى ونصبه»؛ وبمعنى أن الإمامة تكون ــ حسب نظرية النسبتين المجازية والحقيقية للفعل ــ اختياراً من الناس (فى المجاز)، ولكنها (فى الحقيقة) اختيارٌ من الله. وبالطبع فإنه لا معنى لذلك إلا أن أهل السنة يمارسون التعالى نفسه بالإمامة، وإلى الحد الذى تكون معه من فعل الله واختياره فى الحقيقة؛ وبما يحيل إليه ذلك من اكتمال دائرة التعالى بالإمامة ــ إلى حيث تصبح ديناً ــ عند السنة والشيعة.

وليس من شكٍ فى أن تحول الإمامة إلى دين عند كلٍ من السنة والشيعة سوف يجعل من الاختلاف بينهما اختلافاً بين دينين؛ بما يعنيه ذلك من تأبيد التقاتل بينهما، لأنه تقاتلٌ بين الحق والباطل اللذين لا يقبلا التصالح أبداً. وبتحولها إلى دين فإنها تأبى أن تتحول إلى ماض، بل إنها تبقى حاضراً متجدداً. وأكثر من ذلك فإن استمرار حضورها المتجدد سوف يكون علامة حضور الدين وتجدده فى النفوس، ولعل الذين يتقاتلون تحت راياتها، من الفريقين، لا يرون سبيلاً لممارسة الدين إلا فى هذا التقاتل.

وبالطبع فإنه لا سبيل للخروج من حلبة هذا التقاتل المذهبى الدامى إلا عبر تنزيل الإمامة من فضاء «الدين والعقيدة» إلى سياق «التاريخ والسياسة». ولعل هذا التنزيل هو جوهر ما ينبغى أن ينشغل به المسلمون الآن ليحرروا أنفسهم ــ ومعهم دينهم ــ من ضيق المذهبية وتعصباتها القاتلة.

جديد لا تجديد

هل نحن بحاجة إلى تجديد خطاب راسخ بالمعنى الإصلاحى أم أننا بحاجة إلى خطاب جديد أو خطابات جديدة تنطلق من الحاضر لا من الماضي، وكيف يمكننا ذلك هل بإعادة قراءة النص أم بجعله ساحة للحوار؟

بحسب المعنى المنضبط لمفهوم الخطاب كنظام ابستيمى (معرفي) تندرج تحته جملة أقوال تتباين فيما بينها، فإنه لا مجال لتجديد الخطاب، بل لابد من خطابٍ جديد. ولعل الحديث عن تجديد الخطاب يكون ممكناً فحسب فى حال صرف دلالة الخطاب إلى مجمل الأقوال الجزئية المُتداولة فى محيط خطابٍ بعينه. وأما فى حالة صرف دلالة الخطاب إلى النظام الابستيمى (المعرفي) الكلى الحاكم لجملة الأقوال الجزئية التى تندرج تحته؛ وهو المعنى المنضبط لمفهوم الخطاب، فإنه لا يكون قابلاً للتجديد أبداً. وإذا كان من يتحدثون عن تجديد الخطاب يقصدون مجرد تجديد الأقوال الجزئية فى محيط خطابٍ ما، فإنه يلزم تأكيد أن مجرد تجديد الأقوال المتداولة فى محيط خطابٍ ما، لن يؤدى إلى أى خلخلة لثوابت الخطاب التى تتمثل فى نظامه الابستيمى (المعرفي) الكلي، بل سيظل هذا النظام قائماً يعيد إنتاج ثوابته من خلال تلك الأقوال المتجددة، أو بالأحرى المُتبدلة.

كيف؟

إذا كان تجديد الأقوال المتداولة فى محيط الخطاب الفقهى يعنى إحلال قولٍ فقهى (أكثر تخفيفاً) لأبى حنيفة محل قولٍ آخر (أكثر إثقالاً) لابن حنبل، فإن هذا الإحلال لن يؤثر أبداً على ثبات النظام الابستيمى (المعرفي) الكلى الذى تندرج تحته تلك الأقوال الجزئية. ليس ذلك فقط، بل إن هذا الإحلال سوف يتيح للنظام الابستيمى (المعرفي) الكلى أن يطيل أمد بقائه. وحين يدرك المرء أن مشكلة الخطاب الفقهى ليست فى الأقوال الجزئية المتداولة فى محيطه، بل إنها تكمن فى النظام المعرفى الكلى الذى تصدر عنه، فإن ذلك يعنى أن القصد إلى تجديد الأقوال هو أمرٌ لا طائل من ورائه، وأن السعى لابد ان يتجه إلى مواجهة النظام المعرفى الكلى الذى تصدر عنه هذه الأقوال. ويرتبط ذلك بحقيقة أن استمرار المرء فى الاشتغال تحت مظلة النظام الكلى لخطابٍ ما، لن يتيح له أبداً أن ينتج شيئاً يخرج عن حدود ما تحكم به. فإنه إذا ما جرى تصور الخطاب كبناء له سقف، فإن كل ما يمكن أن يحصل من تغييرٍ أسفل هذا السقف سيظل محكوما بما تفرضه طبيعة هذا السقف.

ما هو المطلوب هنا.. تفكيك الخطاب لإلغائه أم تفكيكه لبناء خطاب جديد؟

بالطبع فإن مواجهة النظام الكلى للخطاب على النحو الذى يؤول إلى تفكيكه لن يكون تجديداً للخطاب، بل إنه سيكون توطئة لخطابٍ جديد. والحق أن وعياً بالنظام المعرفى الكلى الذى ينبنى عليه الخطاب الفقهى (وهو أحد صور الخطاب الدينى السائد) إنما يؤول إلى وجوب تفكيكه على النحو الذى يفتح الباب أمام خطاب جديد. وتتأتى ضرورة هذا التفكيك من حقيقة أن «المبدأ» الذى يقوم عليه النظام الحاكم للخطاب الفقهى إنما يتخاصم بالكليّة مع المبدأ الذى يقوم عليه بناء الدولة الحديثة. فإنه إذا كان الخطاب الفقهى ينبنى على مبدأ التمييز الذى كان يتوافق مع بناء عالم العصور الوسطى القائم على تراتبية تُمايز المسلم عن غير المسلم والرجل عن المرأة والحر عن العبد، فإن بزوغ عصر الحداثة قد أسقط هذه التراتبية على نحوٍ كامل؛ بحيث لم يعد يمكن لمن يفكر بهذه التراتبية أن يدَّعى الانتساب إلى العصر الحديث. وهكذا فإن استمرار تبنى خطابٍ ينبنى على مبدأ التمييز والتراتبية سيظل عائقاً أمام الانتساب الحقيقى إلى العصر الحديث، الذى يتيح لكل الأفراد أن يحضروا فى المجال العام بما هم سواسية لا تمييز بينهم على أساس الدين أو النوع أو العِرق أو المكانة الاجتماعية. وبالطبع فإن ذلك يستلزم بناء خطابٍ فقهيٍ جديد ينبنى على مبدأ اللاتمييز الذى يتوافق مع بناء العصر الحديث. ولكن ذلك لن يكون ممكناً حقاً إلا عبر تحرير القرآن من إطارات الفهم المتوارثة بدورها من عالم العصور الوسطي، ومن الضغوط التى يمارسها عليه الخطاب الفقهى التمييزي. ولعل ذلك يدفع إلى ضرورة إعادة النظر فى العلاقة بين الفقه والقرآن؛ والتى يبدو فيها أن القرآن ليس هو ما يوجه الفقه، بل إن الفقه هو- وللغرابة- ما يوجه القرآن، ويفرض عليه سطوته.

كيف ذلك؟

يعنى ذلك أن القرآن ينطق بما يريد له خطاب الفقه أن ينطق به؛ الأمر الذى يتحقق من خلال ما يجرى فرضه عليه من الآليات والمفاهيم التى يُقال باستحالة مقاربته إلا من خلالها؛ كالنسخ والإجماع والجمهور، والاعتبار بعموم اللفظ لا بخصوص السبب وغيرها من القواعد التى توجِّه القرآن للنطق فى اتجاهٍ بعينه.

وهنا فإنه إذا كان القرآن ينطوى على جانبين يمكن التمييز بينهما؛ يتمثل (أولهما) فى المبادئ التأسيسية من أمهات الفضائل والقيم الكبري، بينما يتمثل (ثانيهما) فى الحدود والتكاليف الإجرائية التى تتحقق من خلالها هذه المبادئ التأسيسية الكبري، فإنه يلزم تأكيد أن العلاقة بين هذين المكونين هى علاقة ديناميكية متحركة؛ على النحو الذى يكون فيه المكون الإجرائى الأداتى مُحققاً للمكون التأسيسى الكلى مع تغيُّر الأزمنة وتحولها. وعلى العكس من ذلك، فإن الفقه يقوم على اعتبار المكون الإجرائى بمثابة وضع نهائى ثابت لا يتحول حتى ولو أن هذا الثبات يقف عائقاً أمام تحقيق المبادئ التأسيسية والقيم الكبري بنى نفسه ليس فقط على عزل الواحد من هذين المكونين عن الآخر، بل وعلى تثبيت المكون الإجرائى باعتباره مكوناً نهائياً.

ملحوظة منهجية من المحرر: بالطبع هذه الفكرة الجوهرية لا يمكن تقصيها تماما بما تستحق فى ملف كهذا ونترك متابعتها ايضا لحوارات أخري.

خطاب دولة أم مجتمع

هل من المنطقى أن تنطلق الدعوة لتجديد الخطاب الدينى من رأس السلطة السياسية؟

ليست هذه هى المرة الأولى التى تنطلق فيها الدعوة لتجديد الخطاب الدينى من رأس السلطة السياسية. فقد حدث فى القرن التاسع عشر أن أدرك رأس السلطة السياسية (وهو الخديو إسماعيل) احتياج مصر إلى نظام قانونى وتشريعى يتسع للمعاملات الجديدة الجارية فيها آنذاك، فاتجه الرجل مباشرة إلى شيوخ الأزهر وعلمائه، طالباً ــ حسب رواية الأستاذ الإمام محمد عبده ــ تأليف كتاب فى الحقوق والعقوبات موافق لحال العصر، سهل العبارة مُرتب المسائل على نحو ترتيب كتب القوانين الأوروبية. ولسوء الحظ، فإن عدم تجاوبهم مع هذا المطلب كان هو السبب فى إنشاء المحاكم الأهلية، واعتماد الحكومة على قوانين فرنسا، وإلزام الحكام بترك شريعتهم وحرمانهم من فوائدها. ورغم أن الحكومة أبقت على المحاكم الشرعية (التى يجرى العمل فيها بأحكام الفقه الموروثة) إلى جوار المحاكم الأهلية (التى يجرى العمل فيها بقوانين فرنسا)، فإنه قد ظهر للناس ــ كما يقول الإمام ــ أن المحاكم التى يجرى العمل فيها بقانون فرنسا كانت أضمن للحقوق وأقرب للإنصاف من المحاكم التى تسند شريعتها للوحى السماوي، حتى كان شيوخ الأزهر أنفسهم يتحاكمون إليها. وبالرغم من ذلك، فإن هؤلاء الشيوخ قد ظلوا ــ كما يقول الأستاذ الإمام ــ عقبة فى طريق الإصلاح الذى كان غيابه هو المسئول ــ وللغرابة ــ عن إسقاط حكم الشريعة. إن جوهر الدرس هنا هو أن التقاعس عن إنجاز الإصلاح لا يؤدى فقط إلى إعاقة التقدم الحاصل فى حياة الناس، بل إنه يؤدى إلى تهديد الموروث الدينى الذى تقوم المؤسسة نفسها على حراسته؛ بما يهدد وجود المؤسسة نفسه.

وبعد أكثر من قرن ونصف على طلب الخديو إسماعيل من المؤسسة الدينية تجديد الشريعة، فإن الرئيس السيسى هو الذى يدعو الآن إلى ثورة فى الموروث الديني، ورغم ما جرى من إعلان شيخ الأزهر وعلمائه للتجاوب مع هذه الدعوة الثورة وتجديد الخطاب الديني، فإنه يبدو ــ ولسوء الحظ ــ أنهم لا يملكون ما هو أكثر من مجرد إعلان النوايا الطيبة. ويرتبط ذلك بأنه إذا كانت الثورة فى الدين وتجديد خطابه هى عملٌ معرفى فى الأساس، فإن عملاً كهذا يستلزم ممن يتصدون له أن يمتلكوا المنهجيات والأدوات المعرفية التى يتمكنون معها على إنجازه. ولسوء الحظ، فإن ما يصدر عن رجال المؤسسة إنما يكشف عن أنهم قد اختاروا الأيسر؛ حيث اكتفوا بمجرد ترديد المفاهيم من دون أى وعيٍ بحمولاتها المعرفية التى يستحيل للمفاهيم أن تنتج فى غيابها. وكمثالٍ، فإنهم إذا كانوا لا يتوقفون عن ترديد مفهوم الخطاب ــ وهو أحد أكثر المفاهيم ثراء وخصوبة فى سياق التطورات المعرفية المعاصرة ــ فإنهم يستخدمونه بدلالة لا تتجاوز معها حدود مجرد «الخطابة»؛ بحيث يبدو وكأن «تجديد الخطاب» لا يتجاوز مجرد «تحديث الخطابة» وأسلوب القول. إن ذلك يعنى أنهم لن يتجاوزوا ما فعل أسلافهم ــ على عصر الخديو إسماعيل ــ الذين قبلوا بالتحاكم إلى محاكمه الأهلية الحديثة، ولكن مع الرفض الكامل للاقتراب من الموروث. وبالمثل فإن الشيوخ الآن قد قبلوا بترديد مفاهيم الخطاب والتجديد والثورة وغيرها، ولكن مع تفريغها من دلالاتها على النحو الذى يظل معه الموروث الدينى قائماً على حاله.

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق