رئيس مجلس الادارة

أحمد السيد النجار

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

مواء البنات

عمار علي حسن
جاءه مواؤها في أحلامه الرخية‏,‏ فانتفض جاريا نحو باب الشقة يتعثر في البرد القارس‏,‏ ليجدها واقفة ترتعش‏,‏ تخمشه بمخلبيها الأماميين‏,‏ وتحكه بأسنانها‏.‏ فتح لها فاندفعت إلي الداخل‏,‏ واستقرت منكمشة تحت مائدة الطعام‏,‏ لا يتحرك منها إلا ذيل يهتز خفيفا‏,‏ وعينان رجراجتان تمسحان البلاط والسجاد وأرجل المقاعد‏.‏


كانت قد اختفت من البيت قبل ليلتين, وبحث عنها ملهوفا في كل طوابق البناية, وعلي سطحها المكتظ بفوائض البيوت, وفي الشوارع المتعرجة المحطية بها, وكذلك تحت أشجار الحديقة الشائخة القريبة من البناية التي يقطن فيها, فلم يعثر لها علي أي أثر.
أين ذهبت؟.. راح يتساءل, وكان كل من في البيت يطرح السؤال نفسه والحيرة تأكله, وشعروا جميعا أن أسرتهم قد نقصت فردا منها.
ولأن مثله, كرجل لا تزال طبائع الريف تسكن خلاياه, ليس بوسعه أن يتحمل بيات ابنته خارج البيت, أو تأخرها في العودة ليلا إلي هذا الحد, كان الأكثر قلقا عليها. بناته كن تبكين غيابها شوقا إليها, أما هو فكان يكابد شعورا بالخزي والعار, بعد أن قال له جاره:
ـ رأيتها تجري أمام القط الأحمر الغريب الذي يتسلل إلي البناية كل ليلة, ويعبث بمحتويات سلال القمامة.
تمني في هذه اللحظة لو وجد القط الغازي فأطبق علي عنقه حتي فاضت روحه, أو علي الأقل حبسه وحمله في قفص إلي أقصي طرف في المدينة, لكنه كان قد خطف غنيمته, ورحل.
وقالت جارته, وهي تحاول أن تطمئنه:
ـ القطط البلدي تذهب وتعود.
وهرع نحو موسوعة في علم الحيوان, كان قد اشتراها من سور الكتب القديمة, ليتأكد من معلومة قد قرأها قبل زمن عن أن ذاكرة القطط تمحي بعد أيام قلائل.
وقال لزوجته في خوف:
ـ ماذا لو مرت الأيام, وضاعت صورنا وأصواتنا من رأسها, فلم ترجع إلينا.
كان القط يأتي ويموء في الليل أحيانا, فتنتبه كل حواسها, وتهرول نحو الباب المغلق, وترد عليه بمواء رفيع مشبوب بالدلال, فيتملكه حرج وهو ينظر في عيون بناته. يقف صامتا وينهر القطة لتعود إلي قلب الشقة, ثم يفتح الباب ويطارد القط الغريب علي السلالم حتي يختفي بعيدا.
كان يتابع لهفتها عليه بشفقة عارمة, لا تلبث أن تتسرب حين تبرق في ذاكرته حكاية القطة التي سبقتها, فقد جيء بها قطيطة عمياء, وكبرت وأوقعته في ورطة لم ينسها أبدا.
كان البرد يأكلها إلي جانب سور الحديقة, وعينيها تبرقان في الظلام, ويذوب مواؤها في جلبة السيارات التي تمرق في نهر الشارع, حين رفعتها زوجته, وتفحصتها, ثم قالت:
ـ أربيها, وأعتني بها, لكنني سيكون فوق طاقتي أن أربي صغارها لو تركناها تحمل وتلد.
هز رأسه موافقا, فهي قطة بلدي, وصغارها لن تكون موضع ترحيب من جيرانه وأقربائه ومعارفه الذين يفضلون تربية القطط الشيرازي والرومي والسيامي. لكنها غافلت كل من في البيت, هو وزوجته والبنات, وهربت من الباب الموارب بعد أن كبرت, وعادت بعد يومين, ليكتشف بعد أسبوعين انتفاخ بطنها, التي أفرغت بعد خمسين يوما من هذا سبعة قطيطات عمياء, ما إن فتحت عيونها حتي راحت تمرح في الشقة ذهابا وإيابا, مثيرة فوضي عارمة.
ووجدت الزوجة نفسها ترعي عشرة صغار, سبعة أنجبتها القطة وثلاثة أنجبتها هي, منهن واحدة تعاني من إعاقة ذهنية وحركية حادة, ولم يصبرها علي إزعاج القطط سوي أن الصغيرة المعاقة كانت تحب البيضاء المرقطة ببقع سوداء علي ظهرها وبطنها, وتحدثها بحروف مبهمة, وهي تلهو بها ساعات طويلة, ناسية حاجتها الدائمة إلي التذمر والبكاء.
لكن الزوجة لم تستطع علي هذا الوضع صبرا, فقررت أن تبقي القطة التي تعلقت بها البنت وتوزع البقية التي شبت عن الطوق, علي أن تستمر القطة الأم في البيت من أجل البنتين الأخريين المتعلقتين بها أيضا. لكن من ذا الذي يقبل بقطط بلدي في بيته وهي التي يسميها الناس قطط الشوارع.
طفلة في الطابق الثالث, كانت تأتي لتلعب أحيانا مع البنتين السليمتين, تعلقت بالقطة البنية, فكانت من نصيبها, وفاجأت أمها الجميع حين قالت في فرح:
ـ القطط البلدي هي الأصل في بلدنا من أيام الفراعنة.
أما الست الباقية فلم تجد من يأخذها. وظلت الأسرة أسابيع في حيرة من أمرها, حتي اقترح عليهم أحد الجيران بأن يأخذوا القطط إلي بائع السمك في آخر الشارع, فهو يحتاج القطط كي تقتات علي ما يلقيه من أحشاء أسماكه وذيولها وزعانفها, قبل شيها أو قليها, وطمأنهم بأنه قريب زوجته, ويمكن أن يستوصوه بالقطيطات خيرا.
في البداية رفضت الزوجة هذا الاقتراح, وقالت:
ـ لكن قططنا تأكل في بيتنا مما نأكل منه, ومما اشتريناه لها من أكل خاص بها يباع في المحلات الكبري.
إلا أنها اضطرت بعد أسبوعين إضافيين من التمنع إلي قبول هذه الفكرة. قالت لزوجها:
ـ سنحملها إلي بائع السمك, لكن علينا أن نوسط جارنا لديه كي يعتني بقططنا.
رد الزوج في أسي:
ـ علي كل حال ستصبح من قطط الشوارع.
وانتابته رعشة, وحبس دموعه, ومضي من أمامها, واختلي بنفسه قليلا, ثم عاد إليها وقال لها:
ـ لا أريد أن أري القطط وهي تخرج من البيت.
واعتقدت أنه قد قرر أن يبقيها ويتحمل أعباءها, لكنه كان يقصد شيئا آخر, عرفته حين قال:
ـ انتظري حتي أكون خارج المنزل ثم احمليها خارج البيت.
وكانت تفهم أنه لا يتحمل الإلقاء بقططه في الشارع أمام عينيه, لأنه يعتبرها لحمه, مثل بناته. أما هي فكانت تعرف الفرق بين من حملتهن في رحمها وتلك التي أتت بها من جوار سور قديم بارد, يتكاثف علي هامته قش وورق شجر جاف, وتقعي عليه الكلاب.
لم تكن تسخر من مشاعره, بل كانت تحب فيه هذا, وتقول لنفسها: مثل هذا لا يمكنه أن يفرط فينا مهما جري, وكانت تحب أن تسمع منه وهو يقول عن أهله لحمي, وحين قال عن القطة التي غابت لحمنا ضاع, اندهشت لما قال في أول الأمر, لكنها سرعان ما ابتسمت في امتنان لقلبه الرحيم.
لكنه كان يري العبء الثقيل الذي وقع علي رأس زوجته منذ أن لفظ رحم القطة بقطيطاتها العمياوات, فأبدي استعداده لتوزيعها علي الجيران, لكن حين لم يتحمس أحد لها, وافق علي مضض علي أن تودع عند السماك, لكنه عزم علي أن يمر هو من يوم إلي آخر ليطمئن عليها.
قال لها قبل أن يخرج من البيت حتي يخلي لها الطريق لترحيل القطيطات دون أن يراها:
ـ ضعي خيطا أحمر في الساق اليمني الأمامية أو أعقديه حول ذيل كل قطيطة منها حتي أعرفها حين أمر علي السماك.
وطلبت هي من زوجة جارهم الذي نصحهم بإيداع القطط في هذا المكان أن تذهب معها لتوصي السماك بالقطط خيرا, فوافقتها, وهي تداري ضحكات مكتومة.
كان هو يمر كل ثلاثة أيام ليتأكد من أن أحوال القطط علي ما يرام, ويحمل إليها طعاما من البيت, اعتادت عليه, لكنه لاحظ في المرة الثالثة أن اثنتين منها غائبتان. سأل أحد صبيان السماك, فحدق فيه مليا, ثم ابتسم وقال:
ـ تأتي إلينا وتروح قطط أشكال وألوان.
ثم نظر في عرض الشارع, وهو يغمس إصبعه في الفراغ وتابع:
ـ ما يذهب منها يعود, فهي لا تجد الطعام والأمان إلا عندنا.
واستدار إلي الناحية الأخري حيث المحل المخنوق لحاتي رخيص, وقال:
ـ القطط التي تدخل عنده لا تخرج.
وراح يطلق قهقاته في الفراغ, فتساقطت أمام صاحب القطط, ليتعثر فيها, ويتدحرج بعيدا نحو الرصيف الآخر.
وفي يوم كان كعادته ذاهبا ليطمئن عليها, فوجد قططا ضخمة تطارد القطيطات هنا وهناك, ولا تدع أيا منها تظفر بطعام. وقف حائرا بين الصغيرات الفزعات, بعضها كان الشريط الأحمر مربوطا في سيقانها, وبعضها لم تكن كذلك. كانت القطيطات تزداد ضمورا, ويخرج مواؤها واهنا, وهي تنكمش إلي جانب الجدران, ورؤوسها منكسة إعياء وخوفا, وذيولها مرمية خلفها كأوراق شجر يابسة أسقطتها ريح خفيفة, وفي عيونها غلب الإجهاد الخوف, وهي ترقب قطع السمك النيئة تندفع في أفواه قطط سمان, بدت متفاهمة علي تقسيم الطعام كله فيما بينها.
جري نحو القطيطات ذوات الشرائط الحمراء, فجرت منه, ووقفت بعيدا, أشار إليها مبتسما, لكنها كانت قد نسيته.
جلس إلي جانب الجدار, وفتح حقيبته, وأخرج ما فيها من طعام, وراح يناديها بأسمائها التي كان تنادي بها في البيت, لكنها كانت قد نسيتها أيضا.
جفلت منه, وابتعدت, وزادت في انكماشها, لكنه لم ييأس, ظل يقترب منها في هدوء, ويضع قطع كبد الفراخ والقوانص والسلمون علي أوراق مقوية نظيفة كان يحملها معه. واحدة تشجعت وجاءت علي مهل, مادة أنفها نحو الرائحة التي انبعثت في المكان. ورأتها بقية القطيطات فتبعتها في حذر.
قبل أن تلمس القطيطة الأولي قطعة كبدة هجم قط كبير وخطفها, وتوالي الهجوم من كل اتجاه. وقف هو يصرخ فوق الطعام, ويهش القطط الكاسرة بقدميه ويديه, ويطوح حقيبته في وجوهها, لكنها لم تخف. مرقت من بين ساقيه, وعن يمينه وشماله. أحدها قفز فوق ظهره, فاستدار سريعا, وكاد يسقط علي الأرض, وطارت بقايا الطعام الذي كان لا يزال مدسوسا في الحقيبة, فزاد سعار القطط الضخمة, وجرت القطيطات نحو الجدر البعيدة, وشقوق الحارات الجانبية, التي تصب في ناصية الشارع, ووصلت الرائحة إلي أنوف كلاب كانت رابضة بعيدا, فجاءت مسرعة, تهاجم القطط, واختلط النباح بالزئير, وانطلقت قهقهات وسعال جالسين علي مقهي قريب كانوا يتابعون ما يجري, وينفخون دخان النراجيل في وجه العابرين.
انسحب هو إلي الخلف غارقا في حرج شديد. وقف إلي جانب الجدار يغالب حيرته, غلبها فقرر أن يلملم قطيطاته من الشارع, ويضعها في الحقيبة التي صارت فارغة, ويعيدها إلي البيت. جري نحوها مناديا عليها من جديد, وهو يغرس بصره في شرائطها الحمراء, لكنها فردت أجسامها المنكمشة, وولت هاربة في عمق الحارات الجانبية, بعضها دخل بنايات قديمة مفتوحة, وراح يصعد السلالم الحجرية المتآكلة, وبعضها اختبأ خلف إطارات سيارات مركونة وبرميل يعج بالنفايات, وأخري جرت نحو فج عميق, وضاعت من عينيه.
عاد ويداه فارغتان, عيناه تحت قدميه, وأسفلت الشوارع يكاد يعيده إلي الخلف. كان خزيانا وحزينا كأي أب ترك بناته علي قارعة الطريق, ومضي.
حين فتح الباب وجد القطة الأم في انتظاره. رفعت عيناها إليه وكفت عن المواء, وكأنها تعطيه فرصة ليرد علي سؤالها:
ـ لماذا ضيعت بناتك؟
الصغيرة البيضاء المرقطة كانت ترقد في حجر الطفلة المعاقة, بعد أن استدارت قليلا, لتلعق ذيلها. مال عليها, وراح يمسد وبرها الناعم, فنقلت لسانها إلي ظهر يده, ومسحتها في رفق.
منذ هذا اليوم كانت القطيطات السائبات في الشوارع تأتيه في أحلامه كابوسا مزعجا. يراها تنتفخ ويسود لونها, فتنبعث في الليل, لا تظهر منها إلا عيون ملتهبة. دوائر مضيئة لامعة, لا تلبي أن تتحول إلي الأحمر الزاهي, فتبدو جمرات متوهجة, تثقب الظلمة الشديدة. تموء بحرقة, وتضمر أجسامها من جديد, وتسحب معها بعض بقع الليل العريض, وتتقافز كدجاج مذبوح.
ينقشع الظلام بقفزها وجريها, فتنجلي أجسامها ضامرة, والجوع ينظر من بطونها أشواكا مسنونة, تمزع الهواء الراكد, وتقترب من بطنه هو, فيجري منها, وتجري وراءه, وهو يصرخ: لا.. لا.. لا, ثم يهب مفزوعا غارقا في عرقه, وهو يشهق. تستيقظ زوجته, تضيء النور الخافت, وتنظر في عينيه وتقول له في شفقة:
ـ أهي القطط أيضا؟
يرد وهو يجفف عرقه براحتي يديه:
ـ بناتي اللاتي تركتهن للغرباء.
راح يعوض تفريطه في القطيطات الضائعات بعناية أشد بالقطة الأم, والصغيرة البيضاء التي تمسكت بها البنت المعاقة.
كبرت البنات, وانقضي أجل القطة الأم, وصارت الصغري كبيرة, لكن ظل هو وزوجته حريصين طيلة الوقت علي ألا يسمحا لقط بالاقتراب منها, إلي أن غافلتهما ذات ليلة, وخرجت مع قط غريب, وعادت بعد ليلتين باردتين تموء بفزع, وتخمش الباب بمخالبها, وتنقره بأسنانها.
كان القط الغريب الذي يأتي دوما ليقلب سلات المهملات البلاستيكية الضخمة الموضوعة أمام شقق الطوابق, بحثا عن طعام. لا أحد يعرف إن كان يدلف من باب البناية الخارجي مغافلا نوبات الحراسة المتتابعة, أم يأتي من سطح البناية المجاورة.
وكانت القطة البيضاء المرقطة تقترب من باب الشقة, حين تشم رائحة قدومه, ثم تسمع صوت ضجيجه وهو يضرب السلال بمخالبه, أو وهو يفر هاربا حين يشعر بأن أي من الجيران يفتح باب شقته ليطارده.
حين اختفت من البيت, كان أول ما برق في خاطر الزوج أن الذي حال بينه وبينها قد تمكن أخيرا من اصطيادها.
وها هي قد عادت في الليل, ففتح لها, تذهبت عيناه فورا إلي ما بين كفليها, ثم انزلقت إلي بطنها. مال عليها, وأخذها بين ذراعيه, وقلبها علي ظهرها في هدوء, مادا يدين مرتعشتين نحو حلماتها. أتاه صوت زوجته من الخلف:
ـ لا تظهر آثار حمل القطط سريعا هكذا.
لم تعد القطة علي حالها بعد عودتها, كانت مجهدة طيلة الوقت, تغفو فلا تصحو إلا قليلا, وفقدت شهيتها للطعام, وهبط وزنها, وأخذت تقئ في الحمام أو في العلبة التي تقضي فيها حاجتها.
لم يمض سوي أسبوعين حتي بدأت حلماتها في التضخم, واحمر لونها, وفي الأسبوع الثامن بدأ بعض الحليب يخرج من ثديها, وعندها قالت الزوجة:
ـ اقتربت مأساتنا الجديدة.
وكان عليها أن تستعد لاستقبال ما تخشاه, فطلبت منه أن يشتري صندوقا مفتوحا من جانبه, لتلد فيه, وحين أتي به في آخر النهار فرشته بالقطن النظيف, واطمأنت إلي أنه سيصير مظلما تماما حين يغلق.
وجاء العميان في ظلمتهم الغاشية. ماءوا في خفوت, ثم انطلقت أصواتهم زاعقة تملأ الآذان, وراحت أرجلهم الدقيقة تذرع الشقة, بحثا عن كل شيء, اللعب والطعام وحجور البنات, اللاتي كبرن, وبرزت لهن تفاحات في صدروهن, وصرن يختلين بأمهن, ويسألنها عن أشياء لا يردن للأب أن يسمعها أبدا.

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق