رئيس مجلس الادارة

أحمد السيد النجار

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

موت شاعر الاسكندرية

مصطفي نصر
انشغلت مرجريت ـ زوجة الباشا حسن بدوي ـ باختها التي جاءت من لندن لزيارتها‏.‏ كان ذلك قبل قيام الحرب العالمية الثانية بقليل‏.‏أخرجت أختها قصاصة ورق من حقيبتها وقالت‏:‏

ـ لي صديقة تعيش هنا في الإسكندرية, وأريد زيارتها.
كانت القصاصة صغيرة جدا, قرأت مرجريت ما بها:
فيلا..... ياه إنها بعيدة, ولا أستطيع أن أزورها بدون الباشا.
عندما جاء الباشا في المساء ألحت عليه مرجريت بأن يذهب بأختها إلي صديقتها الإنجليزية, فهي مشتاقة إليها كثيرا. حاول الباشا أن يؤجل الزيارة إلي الغد; لأنه متعب, لكن مرجريت تعرف كيف تنال منه ما تريد.
ذهبت أختها مع مرجريت والباشا. كانت الفيلا بعيدة, بيت جميل وحيد في أرض شاسعة, حوله حديقة تصل إلي البحر, وقفت سيارة الباشا أمام الفيلا. تابعت أخت مرجريت المكان في إعجاب شديد:
ـ إنه رائع.
أومأ الباشا برأسه, واقترب من السائق هامسا:
ـ لا تذهب بعيدا, فلن نتأخر.
ثم عاد لزوجته وأختها. سارا في الحديقة الصغيرة التي تحيط بالبيت من كل جانب, لم يكن الباشا مرتاحا لهذه الزيارة فكيف يزور أسرة لا يعرفها, وبدون دعوة أو استئذان, لكن أخت زوجته; ضيفته ولابد من تحقيق ما تريد. قالت مرجريت: أخشي ألا يكونا في البيت.
فقالت أختها في ابتسامة واسعة:
ـ لا, لقد كتبت لي في خطاباتها; إنهما لا يخرجان من البيت بعد الظهر.
دق الباشا زجاج باب البيت المغلق, ففتحه شاب متوسط الطول, جسده نحيف, ويلبس نظارة, ابتسم في ود;
ـ أهلا.ـ أنا حسن بدوي باشا.
مد الشاب يده وقد ازدادت درجة حماسه في الترحيب, أتراه يعرف الباشا, أو سمع عنه.
دخلت أخت زوجته, وصاحت بإنجليزيتها المتقنة:
ـ أهلا مستر فخري.
فوجئ الباشا بها, تضمه لصدرها وتقبله, ثم قالت للباشا مبررة تصرفها:
ـ لقد كان زميلي في كلية أكستر. وكنت صديقة لزوجته ميري.
تبتسم مرجريت في حياء, فهي لا تعرف مستر فخري هذا ولا تعرف زوجته, لقد قابلتهما أختها في كليتها بعد حضور مرجريت إلي مصر وزواجها من الباشا.
جاءت ميري, ترتدي بنطلونا وفانلة بسيطة, صافحت أخت مرجريت بحرارة, لكنها لم تقبلها كما قبلت زوجها.
جلسوا في الردهة, لم تكن واسعة كردهة الباشا في قصره الكبير, لكن الجو كان فنيا, لوحات معلقة, تماثيل في كل ركن, وبيانو في الركن البعيد.
قال الباشا:
ـ إنكما تعيشان في جو فني رائع.
ابتسم فخري في حياء ولم يعلق, لكن أخت مرجريت قالت:
ـ فخري شاعر معروف في مصر.
دهش الباشا, فهو لصيق الصلة بالشعراء والأدباء, وكثيرا ما حضر ندوات أدبية مع كبار الأدباء: العقاد وطه حسين والمازني وغيرهم, فكيف لم يسمع عن فخري هذا؟!
قال فخري: أنشر قصائدي ومقالاتي في مجلتي الرسالة والثقافة وغيرهما.
أحس الباشا بالسعادة فهو يرتاح لمقابلة الأدباء خاصة الشعراء, لولا السياسة التي أضرته; لكان أديبا أو شاعرا. فقد كتب في صدر شبابه أشعارا كثيرة, مازال يحتفظ بها للآن, ومن وقت لآخر; يخرجها من مكمنها, ويقرأها في عاطفة شديدة, تصل إلي درجة البكاء.
تحدث فخري عن عمله في مدرسة الرمل الثانوية, لقد عين فور عودته من البعثة الدراسة في إنجلترا لدراسية اللغة الإنجليزية في مدرسة العباسية الثانوية,( كانت المدرسة الثانوية الوحيدة في الإسكندرية, مبني كبيرا جدا ـ محاطا بحدائق واسعة, وحوله ـ جبال كأنه قلعة).
ثم انتقل إلي مدرسة الرمل الثانوية فور إنشائها,( فخري هو الذي سعي لأن يعمل بها لتكون قريبة من بيته حتي لا يتأخر عن زوجته التي تنتظره كل يوم في فيلتهما الصغيرة).
وقامت ميري, غابت بعض الوقت ثم عادت ممسكة ببعض الكتب, قدمتها إلي زوجها, الذي أخرج قلمه, وهو يقول:
ـ سأهديكم آخر كتاب صدر لي. رواية تسي, سليلة آل ديرفيل من تأليف توماس هاردي, قمت بترجمتها عن الإنجليزية.
قال فخري:
ـ لقد ألفت كتابا بعنوان محمود سامي البارودي وآخر بعنوان الخلافة السياسية وقد فازا بجائزتين من جوائز وزارة المعارف العمومية, وسوف أطبعهما في القريب, وسأرسل إلي سيادتك نسختين منهما.
قال فخري:
ـ يا باشا أنا أعرفك منذ أن كنت وكيلا للديوان الملكي.
ربت الباشا علي ساقه بإعجاب شديد, ووعد فخري بزيارته في قصره, قال الباشا:
ـ لقد زارني في قصري كبار رجال السياسة والأدب والفن.
أكملت مرجريت:
ـ زارتنا الممثلة عقيلة راتب وزوزو حمدي الحكيم, وفاتن حمامة ويحيي شاهين وغيرهم.
لم يكن الباشا يتوقع أن يطيل البقاء هكذا في بيت صديقة أخت زوجته, فقال وهو ينظر إلي ساعته: قد مر الوقت دون أن نحس.
........................
لقد سافرت ميري ـ كعادتها ـ إلي إنجلترا لزيارة أهلها ومعها ابنها الصغير البالغ من العمر ست سنوات. مازالت مرجريت تذكر الولد الصغير, لقد ربياه علي طريقتهما الهادئة, حياة رتيبة هادئة.
كان وزوجته, زوجين ائتلفا في نغم جميل, يعجبها ما يعجبه, وتميل إلي ما يميل إليه, وبلغا من هذا الاتساق العجيب حدا بعيدا.
سافرت ميري وقامت الحرب وهي في إنجلترا, كانت رسائلها تأتيه كل عدة أيام, تحدثه عن ورود الحديقة, والبيانو في ركن الردهة البعيد, وعن الببغاء الذي كان يحدثها كلما اقتربت منه, وتوصي فخري بالاهتمام بقططها الصغيرة, وأن يشتري الطعام لها كل يوم, وأن يدخل عصافيرها من الحديقة كل مساء حتي لا يقتلهم البرد.
وفجأة انقطعت الرسائل, لم يتبق لفخري غير الصمت في الفيلا الصغيرة المحاطة بالصحراء من كل جانب, صوت الهواء يخترق الجدران, يطارده في حجرة نومه الدافئة, لم يتعود أن يسهر في المقاهي والمنتديات, لم يعد يسير كل صباح في طريق الكورنيش, ولا يلعب التنس في الحصص التي لا يعمل بها, ولا يسبح في البحر في الشاطئ القريب من بيته, لم يعد يقرأ, لا شيء إلا الصمت الرهيب.
في المساء يغلق باب الفيلا الخارجي بالمزلاج, لم يكن يفعل هذا أيام كانت ميري معه, لكنه الآن يخاف. ويغلق الباب الداخلي( نسي كثيرا أن يدخل العصافير إلي داخل الفيلا حتي مات بعضها) يصعد إلي حجرة النوم, تواجهه صور ميري وصور ابنه الوحيد معلقة علي طول الجدران وهو صاعد السلم, يقبل صورهما, ويغلق حجرة نومه, يغطي جسده بالبطاطين, يخفي وجهه تحت الغطاء, تأتيه ميري بجسدها القصير وابتسامتها الرائعة, تحدثه بإنجليزيتها المحببة إلي قلبه, لقد وعدته بأن تترجم أشعاره إلي الإنجليزية, وتنشرها في بلدها ليصبح شاعرا كبيرا مثل لورد بيرون الذي تحبه كثيرا, وتري أن أشعار زوجها ـ فخري ـ قريبة من شعره.
إذا نام يحلم بها وهي محبوسة في معسكرات الأسري التي يكتبون عنها كثيرا هذه الأيام, وابنها يقف خارج السياج يبكي جزعا عليها. ميري ببنطلونها وقميصها البسيط تتحرك في كل ركن من البيت الصغير, الولد ابن الست سنوات يلتصق بالأب, يتابع صور المجلات التي يقرأها.
كان الباشا يزوره, يجالسه, لم تعد جلسات فخري مسلية كما كانت, كان يتحدث مع زائره لحظات ثم يعود لاكتئابه..
تصل فخري الدعوات من جمعيات أدبية كثيرة في الإسكندرية للاشتراك في ندوات شعرية, لكنه يرميها فوق المائدة, المجلات ملقاة في كل ركن من الردهة, والورق والتراب فوق الأرض. أين أنت يا ميري, لتري جنتك وقد تحولت إلي خراب.
تصل الجرائد إلي فخري كل صباح; خاصة الإنجليزية منها, قرأ ذات صباح ـ قبل أن يذهب إلي مدرسته, عن غرق سفينة تحمل أطفال إنجلترا, كانت ذاهبة إلي كندا, لتكون بعيدة عن خطر الموت الذي يرسله هتلر كل يوم وكل ساعة وكل دقيقة. لكن الغواصات الألمانية طاردت سفن إنجلترا التي تحمل الأطفال الإنجليز, التي أرادت إنجلترا بها أن تصون نسلها, وتحتفظ بهم لكي لا ينتهي جنسهم. استطاعت الغواصات الألمانية أن تغرق سفينة منها, كان فوقها ابن فخري, مات الطفل ابن الست سنوات, غرقا في المحيط.
....................
عندما علمت مرجريت بغرق الوالد ـ ابن فخري وميري ـ بكت. الطفل كان جميلا, وكان مرتبطا بأبيه أكثر من أمه, فقد كان فخري أكثر حنانا منها. قالت للباشا:
ـ الرجل سيجن, لا شك.
زاره الباشا ومرجريت معه, حاولا أن يخرجاه من صمته وكآبته دون طائل.
وجاءت دعوة من جمعية أدبية بالإسكندرية لحضور حفل لتخليد ذكري وفاة الشاعر المسرحي القصاص محمد تيمور, كان ذلك في منتصف أكتوبر.1940 الحفل مقام في قاعة نادي موظفي الحكومة الكبيرة بمحطة الرمل.
الجو بارد جدا, والنادي في عمارة قديمة وكبيرة علي البحر, لكن دخولها من زقاق جانبي مظلم دائما, والسلم متآكل, والباشا لا يرتاح لمثل هذه الأماكن, لكنه يحب محمد تيمور ويعجب به. كما أنه قرأ في الدعوة اسم فخري; سيلقي قصيدة في رثاء محمد تيمور, فقال لزوجته:
ـ لابد أن نكون بجوار الرجل في مثل هذه الظروف.
جلس الباشا في الصف الأول ومرجريت بجواره, وقف مقدم الندوة للترحيب بهما, وأعلن أكثر من مرة عن تشريف السياسي الكبير, ورجل الصناعة المرموق حسن بدوي باشا للندوة.
القاعة مزدحمة, فالفقيد كان علي صلة بمعظم التيارات الفنية والأدبية في مصر. وتتابع الشعراء والكتاب علي المنصة, ليذكروا محاسن الفقيد الغالي, وجاء دور فخري ليلقي قصيدته التي أعدها لهذه المناسبة وكان مطلعها:
حيا الخلود محمدا تيمورا
قد كان روضا للفنون نضيرا
فوجئ الحضور بما يرون, فالشاعر لم يستطع أن يشد اهتمام السامعين كعادته, كان تائها, تضيع الكلمات منه, فيتوقف, ليبحث عنها في الورق الذي يقرأ منه, ضاع ألقه وتوهجه الذي كان جليا في جلساته مع الباشا وزوجته في فيلته الجميلة الصغيرة برمل إسكندرية, أو في قصر الباشا بالطابية. كان يريد أن ينتهي من قصيدته ليسترد أنفاسه التي تضيع وتخنقه, وضع يده علي رابطة عنقه, فكها قليلا, ثم عاد إلي قصيدته فلم يجدها, لقد تاهت الحروف, فلم تتكون الكلمات, وروحه ومشاعره بعيدتان جدا, في عالم مجهول. حيث يحركهما الموت الذي تحدد له منذ أن سافرت ميري بابنها الصغير.
وهكذا, فقد فخري الاتصال بالموجودين, فهو غير متحمس لإلقاء قصيدته, ولولا حبه لمحمد تيمور ما خرج من فيلته, لم يكن واعيا بما يقول, فانصرف الناس عنه, بدأ الهمس في القاعة: ما الذي حدث لفخري؟ لقد كان أنيقا, وظريفا موت ابنه المفاجئ أضر به.
تدلت رابطة عنقه فوق الياقة المفتوحة, فبدا كرجل يستعد للانتحار شنقا, وظهر بوضوح مدي اتساخ قميصه. كان يرفع بنطلونه من وقت لآخر, بسبب فقده الكثير من وزنه بعد موت وحيده, فخرج القميص عن بنطلونه, وشعره الطويل, غير مهذب. فتحس أنه لم يمشطه قبل أن يخرج من فيلته.
كانوا ـ في القاعة ـ يعلمون بما حدث لابنه, الذي غرق في المحيط, وزوجته التي لا تستطيع أن تأتي لمقابلته ومشاركته أحزانه; لخطورة السفر في البحر. فتركوا شعره وتحدثوا عن مصيبته. مسكين فخري, لم يتجاوز الثلاثين من عمره إلا بأشهر معدودات, وبدا كأنه في أواخر العمر.
بدا في هذه الليلة مكلوم النفس, يسيطر الذهول علي أعصابه. شعر الباشا وكأنه يري ميتا أمامه يتحرك ويسير, روحه ومشاعره هناك بعيدا, حيث يحركهما الموت الذي تحدد له منذ أن فارقته ميري ذات صباح وفي يدها ابنه الوحيد, الأثير لديه.
أراد الباشا أن يقول لمرجريت بجواره: ماذا حدث للرجل؟, لكن فخري انتهي من إلقاء قصيدته وسار علي المسرح غير مدرك للطريق الذي جاء منه, صمت للحظات, وبحث عن مخرج, الجمهور يتابعه مندهشا, نسوا أن يصفقوا له, ـ كعادتهم عندما ينتهي الشاعر من إلقاء قصيدته ـ ثم أسرع في مشيته, كأنما ألقي بعبء يثقل كتفيه, فكاد يقع وهو ينزل درجات المسرح القليلة, فتعالت آهة بين الموجودين. وأصوات متداخلة.
سار في طريقه لمكانه وسط الصفوف, فوقف الباشا ومد يده له مصافحا, لكنه لم يره ولم ير يده الممدودة, وكاد يستمر في سيره, لولا أن شده الباشا من ملابسه التي بدت فضفاضة علي جسده الذي ازداد نحولا من قبل أن يموت ابنه الوحيد, منذ أن توقفت رسائل ميري إليه.
فعاد فخري وابتسم ابتسامة ميتة لقد أخبرني صديق ذات يوم, وكنا نتحدث في أمر الموت:
ـ أن الميت; يموت قبل إعلان موته بأيام عديدة, يكون فيها سائرا علي قدميه, يقضي حاجاته, دون أن يعلم أن خبر موته سيعلن بعد وقت قصير.
وقتها لم يصدقه, لكن حالة فخري أكدت ما قاله صديقه, فهو ميت الآن, وجهه أصفر, وعيناه تشعان صفارا كلون الميت.
صافحهما ليلتها, وتمتم بصوت خافت, وسار حزينا, تاه بين صفوف الشعراء, ولم يجده الباشا. ربما أسرع إلي الطريق وعاد لبيته لكي لا يقابلهما. فقد أرادت مرجريت أن تأخذه معها إلي القصر, ليقضي في ضيافتهما عدة أيام, فقد يستطيعان إخراجه من حزنه هذا.
لكن الصحف جاءت بعد أيام قليلة من هذا اللقاء تفيد بأنه مات, انتحر فخري بأن أطلق رصاصة مسدسه علي رأسه وهو مستلق في استرخاء علي كرسي طويل هزاز, لطالما رأيناه جالسا فوقه في حديقته التي كانت جميلة ومنمقة طوال بقاء ميري في مصر. ولم يجد الذين استقدمهم صوت الرصاصة إلي حيث جثته; غير ورقة صغيرة ملقاة أمامه, ومكتوب عليها بيت زهير بن أبي سلمي ـ بعد تحويره إلي:
سئمت تكاليف الحياة من يعش
ثلاثين حولا ـ لا أبا لك ـ يسأم
أيقظ الباشا زوجته, أعطاها الجريدة المنشور بها نعي أسرته جريدة الأهرام الصادرة يوم22 أكتوبر1940:
أصيب فخري ـ مدرس اللغة الإنجليزية بمدرسة الرمل الثانوية والشاعر المعروف ـ برصاصة خاطئة من مسدسه وكان يحاول إصلاحه, لكن الرصاصة خرجت من ماسورتها خطأ فأصابته.
تريد أسرته إبعاد تهمة الانتحار عنه, فالانتحار مكروه دينيا واجتماعيا.
بكي يومها في صمت وبكت زوجته مرجريت في عنف.

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق