رئيس مجلس الادارة

أحمد السيد النجار

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

«جدار حى» .. الرواية الممنوعة فى المناهج العبرية الحب المستحيل بين فتاة إسرائيلية وشاب فلسطينى

خالد الأصمعى
الكاتبة دوريت ربينيان
شهدت الساحة الثقافية العبرية الإسرائيلية في الآونة الأخيرة شبه معركة أثارها وزير التربية والتعليم نفتالي بينيت وطاقم مكتبه إثر استبعاد رواية الكاتبة دوريت ربينيان "جدار حي" من قائمة الروايات المقررة لطلاب اللغة العبرية في المرحلة الثانوية في المدارس اليهودية،

بحجة أن هذه الرواية تدفع لإضعاف ومحو الهوية اليهودية الخاصة، وتشجع الفتيات اليهوديات على إقامة علاقات عاطفية مع الشباب العرب.

وبعيدا عن المواقف المتناقضة، ما بين المؤيد والرافض التي شهدتها الساحة الثقافية العبرية في الأسابيع الأخيرة، قدم مركز مدار الفلسطينى للدراسات الإسرائيلية ترجمة للرواية، جعلت المثقفين العرب ينضمون إلى ساحة الخلاف حول الرواية وخصوصا النهاية الدرامية التى وضعتها الكاتبة والتى تحمل الكثير من العنصرية والتعصب رغم إدعاء الكاتبة بتوجهاتها اليسارية وانحيازها المزيف للحق الفلسطينى.

وتبدأ القصة فى مقهى فى نيويورك حيث كان يجلس الشاب الفلسطينى حلمى عندما رأى لأول مره الفتاة الجذابة ليئات بملامحها الشرقية ووجهها الخمرى ونظرة حياء فى عينيها تحمل عبق الشرق، إقترب منها ودار بينهما حوار تعارف علمت من خلاله أن حلمى فنان تشكيلي، أحست بالإنجذاب إليه ولبت دعوته لمرافقته إلى بيته لرؤية لوحاته، وكانت رحلة سير طويلة وشيقة في شوارع نيويورك يتبادلان الأحاديث والقصص، كل يحكي قصته للأخر، حتى وصلا إلى منطقة "بروكلين" حيث مرسم وسكن حلمى، وبعد قضاء سهرة ممتعة معا، فتح كل منهما قلبه للآخر وقص حكايته وأحلامه.

جاءت ليئات إلى نيويورك عن طريق صندوق فولبرايت الداعم للطلاب الجامعيين، حيث فازت بمنحة دراسية لمدة ستة أشهر، تعود في آخرها إلى إسرائيل وتسكن في أحد الأحياء الغنية فى نيويورك "منهاتن"، بينما حلمي جاء إلى نيويورك قبل أربع سنوات يحمل شهادة فنان ويسكن في حي "بروكلين" الفقير.

فليئات الطالبة الجامعية ذات الأصل الإيراني والميول اليسارية تؤمن بحق الشعب الفلسطيني في الحرية، وترفض كل الممارسات العدائية التي يقوم بها جنود الاحتلال ضد أبناء الشعب الفلسطيني، وطالما تصادمت مع أفراد أسرتها ومعارفها وبعض زملائها في الجامعة بسبب إدانتها لممارسات الجنود في الأراضي المحتلة وتأييدها لإنهاء الاحتلال وحق الفلسطينيين في دولة مستقلة إلى جانب دولة إسرائيل، وحلمي الفلسطيني كان قد تم تهجير أسرته من قريته المسمية قرب مدينة اللد عام 1948 وأقاموا في مخيم لاجئين قريبا من مدينة أريحا، ومنها رحلوا إلى مدينة الخليل عام 1967، وقد اعتقل وهو في الخامسة عشرة من عمره لمدة أربعة أشهر بسبب رسمه العلم الفلسطيني على حائط في مدينة الخليل، وبعد فترة سجنه تركت أسرته المدينة، وسكنت مدينة رام الله، ثم أرسلته عائلته إلى العراق ليدرس في جامعة بغداد، وبعدها سافر إلى الولايات المتحدة حيث التقى بليئات، وحلمي كمعظم المثقفين الفلسطينيين يؤمن أن حل النزاع الفلسطيني الإسرائيلي يكون فقط بقيام دولة واحدة تضم الشعبين معا بعد أن غير جيش الاحتلال والمستوطنون جغرافية الأراضي الفلسطينية ومنعوا كل إمكانية لتقسيم البلاد إلى دولتين، برغم الاختلاف في وجهات النظر والمواقف يتعايش حلمي وليئات فى قصة حب متوهجة حافلة بعشرات التفاصيل التى تشى بأن كلاهما لا يستطيع الحياة بدون الآخر.

حلمان متناقضان

كان موقف حلمي الشاب الفلسطيني في علاقته العاطفية مع ليئات اليهودية أكثر انفتاحا وتفهما وقدرة على استيعاب الآخر ومستعدا لتناسي أحقاد الماضي وويلاته ومآسيه، وقابلا للتعايش السلمي في واقع جديد يسوده الأمن والتعاون والسلام، فهو لم يشعر بأي حرج في قصة حبه مع ليئات، فقد عرفها على أشقائه وأصدقائه، وسهر برفقتها معهم، وتبادلوا الأحاديث والأفكار، بينما ليئات كانت تتحاشى إخبار أفراد أسرتها بقصة حبها لحلمي، وترتعب إذا ما شكت بإمكانية معرفتهم، وتتحاشى ظهورها معه، وتخفي قصة حبها أمام أي يهودي إسرائيلي تصادفه، حيث إن اليهودي الإسرائيلي لا يثق بالآخر، ويقف منه موقف الحذر والترقب، وليس على استعداد لائتمانه والركون إليه وقبول التعايش معه في حياة مشتركة آمنة.

هكذا تحددت الحواجز التي تفصل بين ليئات وحلمي، وحالت دون امتزاجهما وتوحدهما منذ بداية تعارفهما، وزادت وضوحا مع استمرارية العلاقة وتطور الأحداث والمواقف.

وقد تمثلت هذه الحواجز- بحسب المؤلفة- في: ليئات تنتمي إلى الطرف الأقوى المحتل للغير، غير مستعدة للتنازل عن مواقفها وأفكارها التي تؤمن بها وعن حقها الذي تراه، وبالمقابل يبدو حلمي الطرف الأضعف، الخاضع للإحتلال، يحلم بأنه سينجح، يوما ما في المستقبل بالعيش مع الغير "اليهودي" في وطن واحد كبير، ويسبح معه في نفس البحر الذي لا يملك الآن غير إمكانية النظر إليه من بعيد، وليئات رغم اندفاعها في حبها لحلمي إلا أنها كانت تعترف دائما أن لهذا الحب نهاية، وأنه حب غير مرضي عنه من قبل أهلها وشعبها ومجتمعها. وتدرك في لا وعيها استحالة نهايته السعيدة، لأنها على قناعة أن حلمها لا يلتقي مع حلم حلمي، فهو يحلم بوطن واحد يجمعهما، وببحر واحد يسبحان فيه، وبحياة جميلة تضمهما، وهي من جهتها ترتعب من إمكانية تحقيق حلمه، فهي تريده حبيبا يعيش في وطن مستقل غير وطنها، لا يشاركها في ملكية البحر، ولا حق له في هذا البحر، هي تخاف حلمه، ورغم انتقادها للجدار الذي يقام بينهما إلا أنها تشعر بالرضى والقبول لأنها ترى فيه واقيا وحاميا لها من حلمي وحلمه، هكذا كانت ليئات واضحة وحازمة مع نفسها في موقفها من حلمي وحلمه المستقبلي، فقد شعرت بعدم الرضى عندما سمعته في الليلة الأخيرة التي جمعتهما في نيويورك، يحجز تذكرة للعودة إلى أهله ووطنه بعد مغادرتها لنيويورك بشهرين، وبعد عودته إلى رام الله تركته يعيش سعيدا فرحا مع أفراد أسرته، وفي البيت الذي استأجره في بلدة جفنا، ورضيت عن ترميمه للبيت والحديقة، لكنها لم تقبل أبدا بمجرد تفكيره بتعدي الحدود التي وضعتها له، فمكانه في الأراضي المحتلة، ولا مكان له داخل إسرائيل، ففي هذا تعد وخطر وتهديد لاستقرارها ووجودها.

نهاية انتقامية

لم تقبل الشابة اليهودية ليئات فكّرة شقيق حلمي بالسباحة في بحر يافا واعتبرته أمر غير مقبول. فالبحر بحرها وترفض انتهاك الغريب له، وإعلان كبير بخط واضح، وبالثلاث لغات يحذر "السباحة ممنوعة"، وإذ تجاهل شقيق حلمى هذا التحذير إبتلعه البحر، وعندما فكر حلمى بتجاوز الممنوع والتحذير لتخليص شقيقة من خطر الغرق، ونزل إلى البحر يصارع الأمواج ويتلقى ضرباته، فقد انتقم البحر منه وابتلعه وأنهى حياته. وبذا توضح ليئات حدودَ المسموح به لحلمي وأبناء شعبه: عليكم الاكتفاء بالحلم فقط، فهذه الأرض لنا، وهذا البحر لنا، وهذا الجدار الذي نقيمه سيفصل بيننا ليحمينا ويوفر لنا الطمأنينة والأمن.

وبهذه النهاية أرادت الكاتبة دوريت ربينيان أن تؤكد اقتناعها، بعد عرضها لقصة الحب القصيرة العنيفة بين ليئات اليهودية وحلمي الفلسطيني، أن مشاعر الحب والإنسانية قد تكون وتتشابك بين أفراد الشعبين اليهودي والفلسطيني، ولكن لا إمكانية للتفاهم والتصالح والتعايش، ولا حل ممكن لقضية النزاع بين الشعبين.

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق