رئيس مجلس الادارة

أحمد السيد النجار

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

الحبيبة الغالية

منذ عشرين عاما تقريبا ارتبطت بفتاة رشحها لى أحد معارفي،

ولم تكن لى معرفة سابقة بها، ولكنى وجدتنى معجبا بها بمجرد رؤيتها، وتزوجتها على الفور، وبمرور الوقت، خالطنى شعور غريب بأننى كنت أستحق من هى أفضل منها، وظلت فى قلبى غصة لهذا السبب، وكثيرا ما حدثتها بظروف أسرتها المادية السيئة مقارنة بظروف أسرتى الميسورة.

وأسعدتنى بعشرتها الحلوة، وهدوئها الذى لا مثيل له، وأيقنت كم أننى كنت مخطئا فى نظرتى إلى ظروفها، وعشنا زوجين سعيدين، وواجهنا الحياة بكل تقلباتها، فلقد تعثرت ماديا بعد الزواج، ولكن بعون الله تعالي، وبفضل كفاحنا معا، تجاوزنا الظروف السيئة التى ألمت بنا، وتحسن وضعنا المادي، وصرنا بترابطنا محل احترام وتقدير الأهل والجيران والمعارف، وأنجبنا ثلاثة أولاد فى مراحل التعليم المختلفة، وأصبحنا حديث الجميع حيث رأوا فينا أسرة مثالية.

وذات يوم أسود حضرت زميلة لزوجتى حيث تعمل معلمة فى مدرسة قريبة من منزلنا، وأخبرتنى أنها وقعت على الأرض فى المدرسة، وتطلب منى سرعة المجيء إليها، فاستأجرت احدى السيارات، وذهبنا إلى المدرسة، وحملت زوجتى إلى المستشفي، وتبين من الفحوص الطبية أنها أصيبت بجلطة أدت إلى شلل نصفى فى الجانب الأيسر والقدم، واليد، والعين، وجزء من الفم، فأسرعت بها إلى طبيب متخصص، ومنه إلى آخر، وثالث، وظللت على مدى تسعة أيام حائرا بين الأطباء ولم يغمض لى جفن، ثم حانت اللحظة المؤلمة، فلقد أسلمت زوجتى الروح إلى بارئها، وانهرت أنا وأولادى وبكينا دما ودمعا، ولكن ماذا يجدى البكاء؟.. اننى أتأمل حالى وحال أبنائي، وأتذكر حينما كنت أتشاجر معها، بل وأضربها أحيانا، فتذهب إلى منزل أسرتها لعدة أيام، ثم تعود بمفردها دون أن أذهب إليها، ونتيجة لصنيعها هذا تؤنبها أخواتها البنات، ويوبخنها ويقلن لها «أنت ما عندكيش دم، تغضبى وترجعى البيت من غير ما ييجى ياخدك» فكانت ترد عليهن: «زوجى عنيد، ومعندوش استعداد للاعتذار، ولن أجرح كبرياءه»!

والحقيقة التى أعترف بها هى أننى فى كل مرة تغضب فيها أتظاهر بأن هذا الأمر لا يهمني، ولكنى كنت فى داخلى أدعو الله أن يهديها وتعود إلى المنزل، وعندما أشعر بعودتها، أذهب إلى حجرتى أقصد حجرتنا ـ وأتظاهر بالنوم فتأتينى وتصالحنى حتى لو كنت أنا المخطيء، وكانت تلك اللحظة دليلا أكيدا على علاقتنا القوية ونخرج معا سعداء، ونجلس بين أطفالنا، وكأن شيئا لم يكن.

وأتذكر حينما كنت أجلس فى غرفتى على جهاز الكمبيوتر لعدة ساعات، وهى تمارس أعمالها فى المنزل من طهى وخلافه، وتطلب من أحد الأولاد أن يحضر لها شيئا ما من البقال، فيرفض، وتنادى عليه أكثر من مرة، وتهدده بأنها سوف تخبرنى بأنه يعصاها، لكنه يعاندها، فتصرخ فيه، وتضطر لمناداتي، فأسمعها ولا أرد عسى أن يستجيب الولد. وفى النهاية أخرج مسرعا من الحجرة لاضرب من لا يريد تلبية طلباتها، فتقف أمامى وتحول بينى وبينه، وتحتضننى وتربت على كتفي، أما الولد فيكون قد ذهب إلى البقال بمجرد رؤيتي، وينتهى الموقف بالأحضان والضحكات.

وها أنا أنظر إلى أولادى يتامى الأم. كما أننى أشعر باليتم أنا الآخر لأول مرة فى حياتى بالرغم من أننى بلغت سن الخمسين، فيا كل الأزواج والزوجات المتخاصمين والمتعاركين، تسامحوا، وتصافحوا، واعلموا أن الله يمن عليكم بنعم مستترة، ولا يشعر أحد بقيمتها إلا عندما يفقدها، واننى نادم وحزين على كل لحظة أغضبت فيها زوجتى أو أسأت إليها، وأسأل الله أن يغفر لها ويسامحها، وأن يسامحنى ويعيننى على الصبر على فراقها، ويتلطف بأولادى المنكسرين منذ رحيل أمهم، ولا حول ولا قوة إلا بالله.

ولكاتب هذه الرسالة أقول:

ليتنا نتأمل جيدا قول الحق تبارك وتعالى فى سورة الروم «ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة، إن فى ذلك لآيات لقوم يتفكرون»، فلقد أعطى الله للذكر خصائص جسمية ونفسية وعقلية واجتماعية، واعطى للأنثى الخصائص نفسها، ولكن فى صورة أخرى لتصبح خصائصهما متكاملة، فيسكن كل طرف للآخر، ويكمل به نقصه،.. نعم يا سيدى فلقد صمم المولى سبحانه وتعالى الحياة الزوجية على المودة والرحمة، وإذا كان الأمر كذلك فلماذا الخصام والمنازعات والشقاق والبغضاء وأحيانا القطيعة التى قد تدوم عدة أشهر فى كثير من البيوت؟.. ثم تأمل معى المودة والرحمة التى يجب ان تدوم عليها حياة كل زوجين، فالمودة سلوك يجسد المشاعر الداخلية للمرء من خلال الابتسامة والكلمة الطيبة والصبر والتحمل، والرحمة بأن يقدر الزوج قيمة زوجته، وهى ايضا تعطيه قدره.. فالانسان قد يعانى فى حياته الكثير من المشاق، ولكن ينسيه متاعبه انه عندما يعود الى بيته يجد السكينة والتعاون والمشاركة الوجدانية من زوجته، ولذلك فإن بيوت العقلاء الصادقين تبدو كالجنة حتى لو أنها صغيرة ومتواضعة، ولكنهم آمنوا بربهم فزادهم يقينا بأنهم أفضل من غيرهم، وهكذا فإن المودة والرحمة، تمثلان سر السعادة الزوجية، اذ ان الرحمة شعور أساسه العطف، وينبغى الا يغالى الزوج فيما ينتظره من شريكة حياته، ولا تغالى الزوجة فيما تنتظره من شريك حياتها، فالأمر مشترك بينهما، ويجب أن يتغاضى كل منهما عن سلبيات الآخر حتى تسير الحياة فى هدوء إلى النهاية.

وأحسب أن اعترافك بفضل زوجتك الراحلة هو الدرس العظيم الذى من الضرورى ان يعيه كل منا فلا يبخس زوجته حقها، وان يسعى دائما الى رأب الصدع الذى قد يصيب حياتهما، وأسأل الله أن يتغمد زوجتك بالرحمة، وأن يلهمك وابناءك الصبر، ولا تنس ما اعد الله للصابرين، والحمد لله رب العالمين.

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق
  • 2
    ^^HR
    2016/03/04 07:36
    0-
    3+

    ندعو الله بالرحمة والمغفرة لزوجتك الراحلة صاحبة الخلق الرفيع والتسامح والمواقف النبيلة..
    نشكرك على الوفاء واعترافك بعندك واخطاءك السابقة الغير مبررة خاصة فيما يخص بعض الفروق المادية بينكما فى بداية حياتكما وهو امر يسبب الضيق ولكنها تحملت التعالى برحابة صدر ونبل(رغم أنه ليس كبرياء بل كبر ومكابرة)،، الآن وبعد أن قضى الله بإختيارها الى جواره يتبقى عليك واجبات تجاهها : 1)أن تحسن لأولادها وهم أولادك وترعاهم وتعلمهم وتسعدهم،،2) أن تبر وتصل رحمها وهم اخواتها واخوتها خاصة اخواتها اللواتى كن تؤنبنها على تسامحها ونبل صنيعها ،،3) إن كنت تجد لك رغبة فى الزواج من اخرى فهذا حقك ولكن عليك أن تبذل اقصى فى ماوسعك فى اختيار من تعينك على تربية اولادك وتسعدهم....فلا تتسرع
    البريد الالكترونى
     
    الاسم
     
    عنوان التعليق
     
    التعليق
  • 1
    الحقيقة
    2016/03/04 03:22
    0-
    4+

    وما أسوأ الندم على أشياء لم نفعلها وكلمات لم نقلها لأحباب فرّقتنا عنهم الحياة… أو الموت
    يندمُ المرءُ على ما فاتَه … من لباناتِ إِذا لم يقضها وتراهُ فِرحاً مستبشراً … بالتي أمضى كأن لم يُمْضِها إِنها عندي وأحلامُ الكرى … لقريبٌ بعضُها من بعضِها..... و ها أنذا متروك كشيئ على رصيف انتظار طويل يخفق في بدني توق لأراك و ندم لأنني تركتك تذهبين
    البريد الالكترونى
     
    الاسم
     
    عنوان التعليق
     
    التعليق