رئيس مجلس الادارة

أحمد السيد النجار

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

الدولة والمواطن ضد «الفسـاد»

تحقيق: كريمة عبدالغنى
الفساد آفة ومرض تعانيه كل الدول الغنية والفقيرة ، غير أن خطورته تكون أشد أثرا فى الأخيرة ، وتصبح بمثابة الكابوس الذى يجثم على صدر المجتمع ، ومصر إحدى الدول النامية التى تعانى وباء الفساد الذى استشرى فى بدنها وتغلغل فى عروقها على مدار عشرات السنين فلم يعد يقتصر على بعض كبار المسئولين ورجال الأعمال ، بل اتسع مجتمع الفاسدين،

وأصبح لدينا قسم آخر له يعرف بـ «فساد الصغار والفقراء» الذى تولد نتيجة سياسات الإفقار التى مارستها بعض الحكومات عبر مختلف العصور ، واتساع الفجوة فى الدخول ، وارتفاع الأسعار المستمر دون تدخل الدولة لكبح غول الغلاء وجشع التجار ، وغياب «القدوة» فى قمة هرم السلطة والمجتمع ، فلم يجد المصريون وسيلة لانجاز مصالحهم المشروعة سوى بدفع »رشا وإكراميات ، حتى بات ذلك سلوكا عاما معمولا به فى المجتمع المصري.. وهذه الظاهرة كانت أحدى العوامل التى أطلقت ثورة 25 يناير للقضاء على شبكة الفساد، وقد حاولنا فى «تحقيقات الأهرام» رصد آراء عدد من الخبراء والقائمين على مكافحة جرائم الفساد لتحديد كيفية التخلص من هذه الشبكات والآليات بما يساعد على تفكيك منظومة الفساد سواء من الناحية التشريعية أو المالية والإدارية أو الثقافية.

فى البداية أكد اللواء عصام سعد، مدير الإدارة العامة لمباحث الأموال العامة، أن إدارة الأموال العامة تكافح جميع الجرائم الاقتصادية التى تتضمن قضايا الفساد والإفساد الوظيفى ، وذلك من خلال عمل الإدارات المتخصصة فى المجالات المختلفة ، فإدارة الرشوة واستغلال النفوذ تكافح نوعية هذه الجرائم داخل مؤسسات الدولة ، أما إدارة الكسب غير المشروع فتواجه جرائم التربح وتضخم الثروات، بالإضافة إلى إدارة الاختلاس والتى تكافح جرائم الاعتداء على المال العام ، هذا بجانب إدارة غسل الأموال والتى ترتكز مهمتها الرئيسية على العمل على حرمان المتهم من التمتع بالثروة والمال العام الذى استولى عليه بطرق غير مشروعة ودون وجه حق ، أما إدارة النقل والتهريب فتكافح تهريب ونقل العملات الأجنبية والتهريب بصفة عامة ، بالإضافة لإدارة التزييف والتدليس المعنية بمواجهة تزييف العملات الوطنية والأجنبية والمستندات الحكومية ، هذا بالإضافة إلى الإدارة الجديدة لمكافحة الجرائم المصرفية المستحدثة ، وعمل كل هذه الإدارات يصب فى نهاية الأمر فى مكافحة الجريمة الاقتصادية.

وأضاف : وذلك يتم من خلال جهد ضباط القطاع بكل مديريات الأمن وجميع المحافظات الذين يتمتعون بكفاءة وخبرات وتقنيات فنية مرتفعة تمكنهم من التعامل مع كل المجالات وضبط الجرائم التى تقع فيها وتقديم مرتكبيها للمحاكمة ، فمكافحة كل صور الفساد أمر بات حتميا ، وهذا أحد أهم المبادئ التى تعمل على تحقيقها واقعا كل الأجهزة المعنية بالدولة وفى مقدمتهم قطاع الأموال العامة بالداخلية ، ولعل الغالبية العظمى من المصريين يلمسون من خلال القضايا التى تم الكشف عنها ، مدى الجهد الذى يبذل فى سبيل القضاء على هذه الجرائم والفساد أيضا ، الذى حققت فيه مصر خطوات مهمة وهذا ما أكده التقرير السنوى الأخير لمنظمة الشفافية الدولية حول الفساد فى العالم، عندما أشار إلى تحسن تصنيف مصر فى الترتيب وصعودها للمركز 88على مستوى العالم خلال العام الماضي، مقابل المركز 94بالعام السابق ، ونحن نعمل على تحسن ترتيب مصر فى تصنيف مكافحة الفساد خلال العام المقبل بصورة أفضل مما تمكننا من إحرازه من قبل ، لنكون فى مصاف الدول التى تتمتع بالشفافية.

قاعدة المثلث

وقال : إن قضية مكافحة الفساد ترتبط بعوامل كثيرة ولا تقتصر على أجهزة المكافحة أو ضباط قطاع الأموال العامة وحدهم ، بل ترتبط بموقف ووعى المواطن المصرى ذاته ، فما الداعى الذى يجعل المواطن الذى يسعى للحصول على خدمة أن يوافق أو يبادر من تلقاء نفسه لدفع رشوة للموظف الحكومى لإنهاء طلبه؟ مع أن من حقه أن يطالب بحقه دون استجداء لأحد ، فالفساد يبدأ من «قاعدة المثلث»عند المواطن ، ثم الموظف والذى يجب عليه أن يتقى الله فى عمله ويؤديه على أكمل وجه ، ثم يأتى بعد ذلك دورنا مع باقى الأجهزة الرقابية لتطبيق القانون على كل شخص يخالف القواعد والنصوص القانونية التى تحدد ملامح العمل وضوابطه سواء كان موظفا أو مواطنا.

وعن أسلوب وكيفية التنسيق لمكافحة جرائم الفساد بين الأجهزة الرقابية وقطاع الأموال العامة أوضح سعد أن هناك تنسيقا دائما بين الإدارة العامة ومباحث الأموال العامة وكافة الجهات الرقابية المتعددة، بحيث يتم العمل فى بعض الوقائع بناء على تنسيق مسبق مع هذه الأجهزة، وفى أوقات كثيرة نحصل منهم على معلومات بشأن وقائع فساد خاصة بقطاع جرائم الاقتصاد ، ونعمل عليها وفقا للوائح القانونية ونقوم بتقنين اجراءاتها.

وعن مدى استعانة القطاع بتقارير الجهاز المركزى للمحاسبات أكد أن الجهاز احد الجهات الرقابية الهامة، ومعلوماته تتميز بالدقة وترصد من خلال خبراء معنيين، وفى حال وجود معلومات لديهم تشكل جرائم فساد نبدأ فورا فى تقنين اجراءاتها والعمل عليها .

وعن دور القطاع فى الكشف عن تكلفة الفساد الحقيقية والتى قيل أنها وصلت لمليارات الجنيهات ، قال سعد إن أى إنسان يدلى بتصريحات فهو المسئول عما يصرح به ، وهناك لجان كلفت بهذا الأمر من قبل جهات سيادية بالدولة لفحص هذه التقارير ، أما ما يخص إدارة الأموال العامة فمهمتها تتركز فى التحقيق الفورى فى كل المعلومات التى ترد إلينا دون تقاعس أو تأخير.

لا أحد فوق القانون

عن فساد الكبار وإمكان محاسبتهم، قال إن الجميع لدينا سواسية، ولا يوجد احد فوق القانون أو كبير على المساءلة، فالقول أو الاعتقاد بان هناك من يمكنه الإفلات من العقاب لمكانة يحظى بها ، فهذا قول عفا عليه الزمن ، خاصة أننا نعيش فى أجواء بها حرية تامة ، ووسائل الإعلام تتحدث فى كل شيء ولا يوجد أمر يمكن إخفاؤه .

وعن القضايا التى تعمل فيها إدارة مباحث الأموال العامة فى الوقت الراهن قال: نحن نعمل حاليا على قضايا كثيرة ومتنوعة بين الكبرى والبسيطة وبنفس الأهمية، لقناعتنا بان قضايا الفساد الصغيرة تمس نسبة كبيرة من الشعب المصرى.

أراضى الدولة

وعن دور إدارة مباحث الأموال العامة فى قضايا نهب أراضى الدولة أكد اللواء عصام سعد أن قضايا الاستيلاء على ارض الدولة من القضايا المهمة ، وهى ليست مالا «مباحا«لأى احد يمكنه الاستيلاء عليه ونهبه ، دون رادع وهو من أهم القضايا التى ننظرها ونقوم بدراستها حاليا ، فلا يمكننى تشكيل القضية إلا باكتمال جميع أركانها ، ، ودورنا يقتصر على تنفيذ القانون والذى يقضى فور تثبتى من وقوع استيلاء على مال الدولة والذى يشمل أراضيها أيضا ، فنقوم حينها بتقنين إجراءات ضبط الواقعة ، ويتم إحالتها للنيابة والتى تتولى التحقيق فيها ، وبدورها تقوم برفعها للجهات القضائية ، وبناء عليه يتم استرداد حق الدولة فى الأراضى ورفع الضرر الواقع على المال العام من خلال الإجراءات التكميلية, وعن كيفية التعامل مع الشخصيات الكبيرة ممن قاموا بالاستيلاء على أراضى من الدولة أضاف :قلت من قبل أن كل المواطنين عندى سواسية ، ووزير الداخلية اللواء مجدى عبد الغفار كافة تعليماته وتوجيهاته تؤكد انه «لا يوجد شيء اسمه كبار أو صغار ، وان الجميع سواء امام القانون».

إطار غير مدروس

أما المهندس محمد عبد الظاهر محافظ الإسكندرية فأوضح قائلا : إننا على مدى سنوات طويلة تحدثنا كثيرا عن الفساد وتضخمه فى محاولة للبحث عن أفضل السبل للتعامل معه، إلا أن الإصلاحات التى اتخذت لمكافحة الفساد وضعت فى إطار غير مدروس، ولم ينتج عنها إجراء حازم من شأنه الحد من هذه الظاهرة ، ودليل ذلك أنه فى ذات الوقت الذى كان الجميع يؤكد أن الفساد وصل «للحلقوم «كان يتم التغطية على الفساد الأكبر بالإدارة المحلية ،والذى تم الكشف عنه بعد ثورة 25يناير، ولكن ما يثير الدهشة أن مرتكبى هذه الجرائم والذين يحالون للمحاكمة يحصلون على أحكام بالبراءة ،ولا يدان إلا المتهمون بقضايا الرشوة المثبتة بالتلبس ، وهذا يحدث نتيجة اختلال الضوابط فى منظومة العمل ، لذا يتساءل البعض عن سر استمرار تغول الفساد ولاسيما بعد ثورة 25 يناير رغم أن أهم مطالبها تغيير النظام الفاسد.

الإصلاح بالضمير

ويرى عبد الظاهر أن إصلاح هذا النظام أمر يسير وليس بالصعوبة التى يصورها البعض ، فنحن لسنا بحاجة سوي»للضمير»وعلينا أن نقف على حقيقة مهمة أن تغيير النظام لا يتم بمجرد تغيير الأشخاص ، بل يحدث بتغيير التشريعات التى تشكل هذا النظام ، فمن الضرورى أن تتوافر لدينا تشريعات قادرة على أن تحاصر هذا الفساد ، بحيث تخلو من التجاوزات والمجاملات والاستثناءات. ويضيف : لابد أن نقف على حقيقة مهمة هى أن الخلل الذى يعوق مكافحة الفساد ويهدر مجهود الأجهزة الرقابية، والتى يصل عددها لـ7جهات، ناتج من فساد التشريعات ذاتها ، لقدمها وعدم مقدرتها على مواكبة التغيرات التى طرأت على مجتمعنا ، ولم يعد فى إمكان هذه التشريعات التواؤم مع مقتضيات العصر الحالى ، بل أغلبها معوق ويحمل تجاوزات وبعضها يرسخ للمركزية ويتم الالتفاف عليها إلى اللامركزية ، وهذه الأمور هى التى كونت منظومة الفساد و بالقانون، وهذا ما يؤدى لشعور المواطن بالإحباط .

قانونا هلاميا

ويشير قائلا على سبيل المثال ، من تلك القوانين قانون الإدارة المحلية وهو يعد قانون هلامي، لم يتم وضع ضوابط له ، بحيث تركت فيه الأمور على إطلاقها، بهدف إنشاء اللا مركزية ، والتى لم نتمكن من تفعيلها بعد، واستمر العمل بهذا القانون منذ صدوره عام 1971حتى الآن، وبناء على ذلك لم يعد من سلطة المحافظ أن يتخذ الإجراءات التى من شأنها منع الفساد من جذوره ،لالتزامه بالقوانين المركزية الموحدة والتى لا تتماشى طبيعتها مع اللا مركزية والتى تلزم فى مكافحة فساد المحليات، فمجموعة القوانين «كقانون البناء الموحد»أو الاستثمار الموحد جميعها ضد اللامركزية، وكان الواجب علينا تحديد إن كنا نريد العمل بالمركزية أو اللا مركزية ، وحسم ذلك الدستور عندما نص على السير فى اتجاه اللامركزية تدريجيا، ولكننا لم نتخذ بعد أى إجراء يسير بنا فى هذا الاتجاه، والذى يجب أن تبدأ ملامحه بتعديل القوانين الموحدة ، لتتناسب مع طبيعة كل منطقة يطبق فيها القانون وفقا للامركزية.

إدارة الفساد!

ومن ناحية أخرى يقول الدكتور سعد الزنط مدير مركز الدراسات الإستراتيجية وأخلاقيات الاتصال أن مصر قبل 25يناير ، وتحديدا فى آخر 15سنة من حكم مبارك تحولت من فساد الإدارة إلى إدارة الفساد ، لدرجة أنه تبلور فى منظومة متكاملة ومعقدة انتشرت فى كل مفاصل وهياكل مؤسساتنا ، وأغلقت كل أوردة وشرايين الأداء بها ، وزاد الأمر تدهورا صعود طبقة من رجال الإعمال ، الذين تسببوا بسطوتهم التى كانت اكبر من سلطة الدولة فى استفحال حجم الفساد ، والذى طال كل الهياكل الإدارية والمالية ، وفى المقابل لم تكن منظومة مكافحة الفساد بالدولة بجميع أجهزتها المتعددة ، بنفس قوة وشراسة قوى الفساد ، نظرا لانخفاض حجم المعلومات والمعالجات القضائية والأمنية تجاهها.

ويضيف : أما بعد ثورة يناير أضيفت صفحة جديدة للفساد المالى والإدارى من الفاشية الدينية وهو ما وضح جليا فى العام الذى حكم فيه التنظيم الإرهابى الدولة ، والذى تسبب فى أن تغلق منظومة الفساد كل الدوائر باكتمالها بالفساد الأخلاقى على المستوى المهنى والإنسانى ، والأخيرة تعد بالنسبة لى القاعدة الأساسية والقاسم الأعظم المتسبب فى تكوين الفساد وشموله كافة المناحي.

المعالجة الفورية

ويستطرد أن اعتقاد البعض الآن أن الدولة قادرة على المعالجة الفورية لهذه المنظومة يظل مجرد أمل، لان الفساد تراكمى وأصبح مصدرا من مصادر الثقافة المصرية ، وأنتج آثرا واضحا فى سلوك الكثيرين ، وهذا ما سيطيل من زمن المعالجة لهذه الأزمة والتى تستلزم تضافر الجهود والآليات وأمانة فى المعالجة.

ويرى الزنط انه لدينا أكثر من مسار يجب العمل عليها بالتوازى لانجاز شيء ملموس على ارض الواقع حيال تلك القضية ، فيجب على الدولة ومنظمات المجتمع المدنى والمجتمع ذاته أن يشاركوا فى وضع آليات التعامل مع قضية الفساد للقضاء عليه ، فالدولة حاليا وبعد نجاحها فى الانتهاء من خارطة المستقبل بشكل جيد ، فعليها أن تدرك وهى تعمل على إعادة بناء الجمهورية الجديدة ، أن تعمل على بناء مؤسسات الدولة بما فيها المسئولة عن مكافحة الفساد والعمل على رفع كفاءتها ، وضرورة ان تقوم القيادة السياسية بإسناد قيادة هذه المؤسسات لأصحاب المهارات من ذوى الرؤى والمقدرة على صناعة القرار والجرأة فى اتخاذه ، حتى نتمكن من الخروج من الدائرة المفرغة التى نحن فيها ، حيث تتوافر لدى معظم قيادات المؤسسات المعلومات الكافية بمرتكبى الفساد لديهم ، وتنقصهم القدرة والجرأة التى تؤهلهم لتطهير تلك المواقع من الفساد ، ولذا لابد من الاهتمام بالتدريب والعمل على إعادة بناء الإنسان المصرى ولاسيما فيما يخص منظومة القيم ، والتركيز على الأسرة والتعليم الأساسى والإعلام والخطاب الدينى .مع مراعاة أن يتم كل هذا تحت مظلة تشريعية ترسخ الطريق لمكافحة الفساد دون التغول فى استعمال السلطة أو الإساءة لأحد حتى لمن تحوم حولهم شبهات الفساد .

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق
  • 1
    مصرى حر
    2016/02/23 06:17
    0-
    0+

    الدولة الجادة النزيهة والمواطنين الشرفاء معا ضد الفاسدين والفساد
    وددت مزيد من توضيح العنوان ووضع النقاط فوق الحروف مع دعواتنا للطرفين بالتوفيق والانتصار على آفة الفساد
    البريد الالكترونى
     
    الاسم
     
    عنوان التعليق
     
    التعليق