رئيس مجلس الادارة

أحمد السيد النجار

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

جنة السلع الصغيرة

استبقت الصين زيارة رئيسها الأخيرة إلى المنطقة العربية بتنظيم منتدى حوارى فى القاهرة لمناقشة الورقة الأولى التى أصدرتها الحكومة الصينية حول سياستها العربية التى كانت عملا مهما ومفيدا

فلقد رسمت الورقة اطارا موفقا للعلاقات الصينية ـ العربية، وهى تصلح اساسا للتباحث والتفاوض حول هذه العلاقات، وسادت الحوار نبرة عاطفية سرعان ما بددها الواقع على الأرض من أننا لسنا أمة، بل بلدان مشتتة الرؤى والأهداف إن وجدت! ففى مقابل خطاب صينى تولاه متحدثون مفوهون من بينهم قيادى بمستوى وزير يخلص إلى أن هموما ورؤى كثيرة فى التنمية المستدامة تجمع الأمتين العربية والصينية، انبرى متحدثون عرب يعرضون رؤى لم تكن عميقة فى الغالب عن وسائل إعلام محلية لا يبدو أنها تصنع رأيا عاما بقدر ما تمثل حكومات هى فى الواقع أبعد ما تكون عن الخطاب المتحرر وأقرب للخطاب الرسمي. إن حوارا واعيا مع الصين لابد له أن يتوقف أمام حقيقة أنك تحاور عملاقا ذا توجه سلمى وإنسانى لا مفر من معرفة أنه يتقدم بخطوات جبارة تؤكدها البيانات الرسمية والوقائع على الأرض، فمثلا مدينة صينية نامية حديثة هى ى وو تسمى جنة السلع الصغيرة التى تغزو منطقتنا بعد أن كانت مطلع ثمانينيات القرن الماضى قرية صغيرة تعتمد على الصناعات التقليدية المحلية، إنها الآن أكبر سوق للبضائع التجارية فى العالم وأول مركز لتداول وعرض السلع الاستهلاكية بعد أن قرر سكانها تبنى استراتيجية تطوير صناعاتهم المحلية، فهناك ثقافة جمعية جادة تجعل التعبير مستساغا، متى يقرر أهل دولة عربية ناشئة أن ينقلوا بلدهم إلى رحاب العالمية بإبداعاتهم التى تنم عن ثقافاتهم؟! لا بل متى تقرر أى من الدول العربية أن تكون منتجة للتكنولوجيا التى تعد الطريق الوحيد لإثبات الذات فى هذا العالم؟!

الحقيقة أن لسان حال الفقراء العرب يقول شكرا للصين التى أبدعت صنع فى الصين ذلك أن نظرة متفحصة لطبيعة المستوردات العربية من الصين تبين أن دولا تستورد منتجات رخصية الثمن، والأمر لا يعدو كونه انعكاسا للقوة الشرائية للغالبية العظمى من الجمهور العربي، لذا رأت أن الفقراء ومحدودى الدخل هم من يجب أن يتوجه إليهم الإعلام فى خضم معركته التنويرية وإضاءاته على تجارب الشعوب والامم الناجحة خصوصا ما يتصل بالتجربة الصينية الفريدة فى التنمية، أو الرأسمالية الشعبية إن جازت التسمية، ومن بين أكثر الاسئلة إلحاحا حول الاسس الدافعة للطفرة الصينية يتفق مفكرون عرب على عدة نقاط تعد الأساس الذى قامت عليه، ومنها وجود سلطة وطنية تعبر بشكل حقيقى عن طموحات الشعب الصينى وتراهن على جديته فى انجاز خطط التطور الكبيرة والواعدة، فسلطة الحزب الشيوعى الحاكم فى الصين لم تستغرق كثيرا فى الايديولوجيا ومتاعبها، ونحت منحى مختلفا جذريا عن الشكل السوفيتى فى بناء الاشتراكية فالاشتراكية الصينية كما يرى المفكرون استطاعت أن تتعايش مع أنماط عديدة من أنماط الانتاج التى أدت إلى ما يمكن وصفه باقتصاديات الرأسمالية الشعبية وبعبارة أخرى سار الانتاج والابتكار مهنة شعبية!.

وتلعب الفلسفة الكونفوشوسية دورا عميق التأثير فى نشر قيم الحرية والالتزام المتأصلة فى الثقافة الشعبية الصينية، وفى عمق منطقة شرق آسيا وجنوبها الشرقي، فقد أولت الفرد اهتماما متميزا بالتعليم، كما أعطت اهتماما بالعائلة ودورها فى بناء المجتمع بتأكيد احترام السلالة والدعوة إلى التفاهم والتعاون الأسرى وبقدر كون العائلة مستقرة يصبح المجتمع مستقرا. تستحق ورقة الصين العربية أن يدرسها أهل القرار فى العواصم العربية باهتمام، وأن يبدوا ملاحظاتهم عليها بعناية، وأن يأخذوها فى الاعتبار، وهم يخاطبون الصين، ففى هذه الحال من السهل على المرء أن يدرك أن هناك فرقا واضحا بين دولة صديقة مثل الصين تمد يدها إلى العرب ودول أخرى كبرى لا تأبه كثيرا لبناء الصداقات مع الدول العربية، ولا تقيم وزنا كبيرا لمخاوف العرب ومشاغلهم الأمنية والحياتية، كما أن الورقة تركز على التعاون الصينى العربى فى الحاضر والمستقبل، كما تدعو إلى تأسيس العلاقات الدولية على قاعدة النفع المتبادل بدلا من أنماط العلاقة القديمة القائمة على الصفرية، بحيث ما تربحه دولة تخسره أخرى والعكس. أن الصين لا تحول المهزوم إلى منتصر، والجسم العليل إلى جسم صحيح، ولكنها تستطيع أن تساعد بصورة أكثر فاعلية فى إنقاذ المنطقة العربية من حروبها وصراعاتها، فإذا تعافت باستطاعتها أن تستجيب لنداءات ورقة الصين العربية أى أن تنهض المنطقة العربية من عثرتها، وأن تتعاون مع الصين فى بناء عالم يسوده السلام والأمان والازدهار.

د. عماد إسماعيل

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق