رئيس مجلس الادارة

أحمد السيد النجار

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

الانتخابات الأمريكية كما يراها البريطانيون

لندن- منال لطفي
«يقول دونالد ترامب إنه إذا إنتخب رئيسا لأمريكا فلن يكون ثرثارا كما هو الأن. من المؤكد أنه محق. فلو انتخب دونالد رئيسا حتى هو سينعقد لسانه عن الكلام مثل بقية العالم».

لا أحد فى العالم يدرى من سيفوز بترشيح الحزبين الكبيرين الديمقراطى والجمهورى لخوض سباق الرئاسة فى أمريكا، ولا أحد بالقطع يمكن أن يتنبأ بهوية الرئيس ــ الرئيسة ــ الامريكى المقبل. فهذه الانتخابات خالفت كل التوقعات حتى الآن.

فالملياردير دونالد ترامب، الذى يعتبر دخيلا على السياسة ويمينيا بدرجة منفرة، فاز فى ولاية نيوهامبشير هذا الأسبوع وعاد لتصدر واجهة الجمهوريين. وهيلارى كلينتون التى كان البعض يعتبر رحلتها لنيل ترشيح الديمقراطيين ستكون سهلة، خسرت فى نيوهامبشير أمام المرشح الاشتراكى النزعة بيرنى ساندرز الذى بات المرشح المفضل للشباب والشرائح الدنيا من الطبقة الوسطى الامريكية.

هذه الإنتخابات فريدة إذن،فهى يمكن أن تؤدى لوصول أول مليادير لم يمتهن العمل السياسى من قبل (ترامب - مرشح جمهوري)، أو أول إمراة (هيلارى كلينتون - ديمقراطية)، أو أول يهودى (بيرنى ساندرز - ديمقراطي) أو أول أمريكى من أصول لاتينية (مارك ريبيو-جمهوري)، أو ثالث رئيس من نفس العائلة (جيب بوش - جمهوري).

وبسبب خصوصية هذه الانتخابات وصعوبة التنبؤ بنتائجها ووجود فرص لكل المرشحين، هناك حالة ترقب أوروبى لها ومتابعة لصيقة رغم أنها لم تدخل بعد مراحلها الحاسمة.

ووفقا لمركز «الاستطلاعات الدولية» الأوروبي، فإن الأوروبيين يتابعون الانتخابات الأمريكية التمهيدية بنفس الحماسة التى يتابع بها الامريكيون انتخابات بلادهم. ففى الاستطلاع الذى أجرى على مواطنين من بريطانيا وفرنسا وألمانيا وهولندا، أظهرت النتائج أن نحو 75% ممن استطلعت آراؤهم يتابعون الانتخابات التمهيدية فى امريكا، بينهم 20% يقولون إنهم يتابعونها بـ «كثافة» أو بـ «اهتمام كبير»

ورغم أن أمريكا لم تعد تلك القوة العظمى الأحادية المتحكمة فى مسار العالم، إلا أنها ما زالت مهمة. كما أن انتخاباتها تعتبر أكبر مهرجان سياسى فى العالم،بدءا من الإنتخابات التمهيدية للولايات وحتى يوم الإنتخاب الرسمى فى 8 نوفمبر 2016، إذ يتداخل السياسى مع المالي، وجماعات الضغط مع تأثير الدين، وقيم العائلة مع أستمرار العنصرية، والجاذبية الشخصية مع تأثير الاعلام.

وبسبب «العلاقة الخاصة» بين أمريكا وبريطانيا، يتابع البريطانيون خصوصا جولات الانتخابات التمهيدية بكثير من الإهتمام والقلق والخوف تحديدا من ترامب.

ففى الاستطلاع الأوروبى كان أحد الأسباب الأساسية لإهتمام المواطن الأوروبى مبكرا بالانتخابات التمهيدية فى امريكا هو وجود ترامب فى السباق.

ولو سألت أى بريطانى من هم المرشحون فى المراحل التمهيدية لانتخابات امريكا؟ لن يذكر 90% من البريطانيين على الأرجح غير ترامب وهيلارى كلينتون. لكن ليست هذه أنباء سارة لترامب، فالاهتمام الأوروبى به، اهتمام قلق وخوف وعدم ارتياح خاصة فى بريطانيا.

فوفقا للإستطلاع الأوروبي، ينظر 71% من الأوروبيين لترامب نظرة سلبية ويرون أنه سيعقد إمكانيات التعاون والتقارب الأمريكى – الأوروبى بسبب أفكاره التى يراها الكثيرون هنا عنصرية وضيقة.

فخلال مناقشات فى البرلمان البريطانى لبحث منع ترامب من دخول بريطانيا بعدما دعا لمنع المسلمين من دخول أمريكا، وصف أعضاء فى البرلمان ترامب بـ «معتوه» و«مهرج» و«احمق» و«سطحي»، لا يجيد التعامل مع الاختلافات والتعدد الثقافى والدينى واللغوي.

كما يجد البريطانيون تفاخر ترامب بالثروة الطائلة التى جمعها «شيئا متدنيا» و»خالى من الذوق» فأبناء الامبراطوية السابقة دائما ما كانت لهم علاقة معقدة ومحافظة مع إظهار الثراء الفاحش على عكس الأمريكيين. كما أن الكثير من البريطانيين لا يفهمون هوس المرشحين الامريكيين ولا الناخبين بإظهار التدين، و«التزامهم بقيم العائلة».

أما الصحف البريطانية، خاصة ذات التوجهات المستقلة واليسارية مثل «الاندبندت» و«الجارديان»، فلا تخفى هولها من تأثير احتمالات فوز ترامب على العلاقات الخاصة التاريخية بين بريطانيا وأمريكا. فكما يرى البعض جعل ترامب مثلا سباق الرئاسة «تسابقا» بينه وبين مرشح جمهورى آخر هو تيد كروز على «من منهما سيبنى أطول سور حول أمريكا» لحمايتها من العالم.

وعلى عكس ترامب، يتعاطف الكثير من البريطانيين مع هيلاري. وهم سيتعاطفون مع أى ديمقراطى فقط لأنه ليس جمهوريا. فبعد توريط جورج بوش الابن (الجمهوري) لبريطانيا فى حرب العراق 2003 لأسباب أيديولوجية استعمارية باتت واضحة اليوم، تلاشت الثقة تقريبا فى الحزب الجمهورى فى امريكا لدى البريطانيين.

أما هيلاري، فهى أمرأة، وزوجة بيل (شعبيته ما زالت كبيرة جدا فى أوروبا)، وتقدمية والكثير من أفكارها مألوفة للناخب البريطاني. فهى تريد مثلا تأمين صحى شامل لكل الأمريكيين. وقد يبدو هذا لبعض الامريكيين مطلبا راديكالي لأنه يعنى تدخل الدولة فى إدارة برنامج الرعاية الصحية، لكن هذا هو الطبيعى فى بريطانيا، فالدولة تدير برنامج الرعاية الصحية، ولا يجد أى بريطانى فى هذا تناقضا مع كون الدولة رأسمالية.

لكن ربما أكثر مرشح فى هذه الانتخابات يمكن أن يجد صدى جيدا فى بريطانيا وأوروبا إجمالا هو بيرنى ساندرز، فهو المعادل الأمريكى لزعيم حزب العمال البريطانى جيرمى كوربن وزعماء اليسار الأوروبي.

وما يقوله ساندرز حول إنهاء التدخل العسكرى الأعمى فى صراعات العالم، وقيام الدولة بدور أكبر فى إدارة الأقتصاد، وزيادة الضرائب على الأغنياء وزيادة الإنفاق الحكومى لدعم الخدمات الصحية والبنية التحتية، ليس فقط مألوفا لدى الأوروبيين بل أيضا مصدر للإعجاب.

لكن الملاحظ أن مرشحين سابقين فى انتخابات امريكية سابقة مثل رالف نادر مثلا دافعوا عن أفكار مماثلة، إلا أن الآلية الاعلامية الامريكية المحافظة صورتهم على أنهم «شيوعيين» و«إشتراكيون طوباويون» لا يمكن تطبيق أفكارهم على أرض الواقع، فخسروا الدعم وخرجوا سريعا من السباق.

لكن ساندرز ما زال واقفا، بل ويتقدم فى استطلاعات الرأى على هيلارى كلينتون ولا يستبعد أحد أن ينال ترشيح الحزب الديمقراطي. فما السبب؟ ربما أحد مصادر قوته أنه يهودي، وحملته جمعت الكثير من الأموال من داعمين ومؤيدين يريدون أن يروا أول يهودى فى البيت الأبيض، لكن هذا لا يلغى أن أفكاره جذبت أيضا غالبية الشباب والمهمشين وأصحاب النزعة اليسارية.

الاهتمام بالانتخابات الأمريكية ليس فقط ظاهرة أوروبية، بل عالمية. فأمريكا لها نصيب وتأثير على سياسات الكثير من الدول بسبب نفوذها السياسى والعسكرى والأقتصادى والثقافي. ومن هنا الأهتمام الدولى بها حتى فى مراحلها التهميدية. لكن ليس هناك مرشح يريده الكل. فالعرب لا يريدون ديمقراطيا (لن يفعل شيئا فى سوريا)، والإيرانيون لا يريدون جمهوريا (قد يلغى الأتفاق النووي)، والكنديون والبريطانيون والألمان والفرنسيون لا يريدون ترامب (عنصرى ومغلق)، والكوبيون لا يريدون مارك ريبيو (غير متحمس للتقارب بين امريكا وكوبا)، والعراقيون والسوريون لا يريدون جيب بوش (شقيق جورج بوش الابن وهذا يكفي)، والروس يريدون ترامب (المعجب جدا بفلاديمير بوتين)، والإسرائيليون سيرحبون بأى مرشح يعطيهم المزيد من الأسلحة ومعاهدات الدفاع المشترك ولا يتحدث عن عملية سلام أو تأثير بناء المستوطنات (كل المرشحين ديمقراطيين وجمهوريين سيفعلون هذا).

ليس من المبالغة القول أن الكثير من النخب الأوروبية تنتظر مناسبة الأنتخابات الامريكية كى تراقب مقدار ما وصل إليه الهوس الامريكى بالقوة العسكرية، والشعور بالعظمة، والتعصب الديني، والعنصرية، والنظر للعالم من فوق، والحنين للدور الأمريكى المفترض لقيادة العالم الحر، والقيم الامريكية الفذة، والاستثنائية الامريكية الفريدة. أو بإختصار ذلك الوجه القبيح الذى يظهر فى كل انتخابات أمريكية مع أنه لا يعكس حقيقة الواقع السياسى والاجتماعى الامريكي. أنها فقط طقوس الجدال فى أكبر كرنفال انتخابى فى العالم.

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق