رئيس مجلس الادارة

أحمد السيد النجار

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

لماذا لا يريد الغرب تصعيدا عسكريا فى سوريا الآن ؟

لندن ــ منال لطفى
جانب من الإجتماعات
تتغير الحقائق على الأرض فى سوريا بشكل متسارع وتدخل مراحل حاسمة تفتح الباب أمام احتمالات عدة, من بينها إنهيار مشروع المعارضة السورية عبر توجيه ضربات عسكرية قاضية لها، أو تحويل الصراع السورى من حرب بالوكالة إلى حرب مباشرة إذا ما قررت بعض الأطراف الإقليمية التدخل بريا لمنع سقوط مشروع المعارضة الإسلاموية السورية.

فمنذ دخول روسيا وإيران وحزب الله بزخم على الأرض وفى الجو، باتت المتغيرات تصب فى صالح الحكومة السورية. واليوم يتقدم الجيش السورى على جبهات عدة بعد سيطرته على مدن هامة فى الشمال والجنوب، لكن أهم إنجازاته التقدم الأخير داخل حلب شمالا، إذ بات اليوم يبعد نحو خمسة كيلومترات تقريبا عن بلدة تل رفعت الخاضعة لسيطرة المعارضة وهو ما يجعلهم على بعد نحو 25 كيلومترا فقط من الحدود التركية. وإذا استعادت القوات الحكومية بلدة تل رفعت ومدينة أعزاز التى تبعد بضعة كيلومترات عن معبر باب السلام الحدودى مع تركيا فستحرم المعارضة السورية عمليا من معقلهم الرئيسى فى شمال غرب سوريا، وستؤدى إلى قطع خطوط الامدادات بين المعارضة الإسلاموية بدءا من «أحرار الشام» وحتى «جبهة النصرة» ومموليها وداعميها داخل الحدود التركية وخارجها.

خطورة إستعادة الجيش السورى لحلب والمناطق الحدودية مع تركيا على المعارضة تصبح مضاعفة إذا وضعنا فى الاعتبار أن المعارضة السورية خسرت قبل أقل من أسبوعين فقط مدينة الشيخ مسكين الإستراتيجية فى درعا جنوبا، والتى تقع على مفترق طرق يربط محافظات السويداء والقنيطرة ودمشق بالأجزاء الجنوبية للبلاد. إذ باستعادة مدينة الشيخ مسكين قطعت الحكومة السورية طرق امدادات المعارضة بين شرق درعا وغربها. ومع قطع خطوط أمدادات فى الجنوب، يصبح قطع خطوط إمدادات الشمال مسألة مصيرية بالنسبة للمعارضة السورية، التى وصفت التقدم الأخير للجيش السورى فى حلب بإنه مسألة «حياة أو موت» بالنسبة لها.

وردا على تقدم قوات الجيش السوري، طلبت المعارضة السورية من الخليج وتركيا امدادها بصواريخ مضادة للطائرات لتحييد سلاح الجو الروسي، وزيادة صواريخ التاو المضادة للمدرعات، كما طالبت بدخول قوات عربية للضغط على روسيا وإيران.

ويقول دبلوماسيون غربيون إنه من غير المتوقع أن تقدم دول الخليج أو تركيا للمعارضة السورية صواريخ مضادة للطائرات بسبب خطورة الخطوة، لكنها يمكن أن ترسل المزيد من شحنات التاو التى تبطئ تقدم دبابات الجيش السوري.

أما إرسال قوات برية فهى مسألة أكثر تعقيدا بكثير. ويقول دبلوماسى غربى قريب من الملف السورى إن الدول الغربية لا تريد تصعيدا عسكريا فى سوريا، ومن هنا كان رد الفعل المتحفظ من قبل أمريكا والدول الأوروبية على مقترح ارسال قوات عربية.

وتابع موضحا لـ»الأهرام»:»أى قوات سترسل من عدة دول عربية لن تغير المعادلات على الأرض بسهولة. فتغيير المعادلات يستلزم إرسال قوات برية كبيرة. ودول الخليج تشترط لإرسال قوات برية أن تكون تحت القيادة الإمريكية، لكن واشنطن لا تريد قيادة قوات عربية برية فى سوريا لأنها لا تريد التورط على الأرض».

أما السبب الثانى وراء الاستقبال الغربى المتحفظ على الفكرة فمتعلق بالهدف الحقيقى لإرسال قوات عربية إلى سوريا. فبينما تقول دول خليجية إن السبب وراء الفكرة هو تعضيد التحالف الدولى لمحاربة داعش تحت قيادة امريكية، إلا أن المسئولين فى عواصم أوروبية عدة لا يستطيعون فصل الفكرة عن التطورات الأخيرة على الأرض.

فخسارة المعارضة السورية لمراكزها فى الجنوب والشمال يهدد بانتكاسة وتقويض لا رجعة فيه لكل فصائل المعارضة السورية. وما تريده تركيا ودول خليجية هو إستباق سقوط المعارضة السورية بإرسال قوات خاصة أو قوات برية محدودة العدد عبر الحدود التركية تحقق هدفين: أولا ضمان استمرار فتح منافذ وممرات لتسليح وتمويل ودعم المعارضة السورية. وثانيا الأشتراك مع القوات التركية لمنع استفادة الأكراد من انتصاراتهم على داعش فى الشمال، ومنعهم من تشكيل منطقة حكم ذاتى. فهذا هو الهدف الرئيسى لتركيا ولا تعارضه دول خليجية أو المعارضة السورية التى تقول إن الأكراد ساهموا بشكل غير مباشر فى تقدم الجيش السورى بعدما استولوا على مدن وقرى فى حلب من مقاتلين اسلاميين مما أضعف مقاومة المعارضة السورية أمام تقدم الجيش السوري.

وبالتأكيد لا تريد الدول الأوروبية أو أمريكا انهيار المعارضة السورية، ولا تريد أن تحقق روسيا والحكومة السورية وإيران نصرا عسكريا على الأرض يغير كل المعادلات. لكن الخيارات أمامهم صعبة. فمع عدم وجود شهية لأى تدخل عسكرى غربى حقيقى فى سوريا، تبقى كل الرهانات معلقة بالحل السياسي. وفى هذا الصدد يوضح مسئول فى الخارجية البريطانية أن الحل المنطقى هو «العودة فورا» إلى مائدة المفاوضات، مع ضمان وقف القصف الروسى وتسليم مساعدات إنسانية عاجلة للمدنيين. وترى لندن أن المعارضة السورية تحتاج إلى حوافز للمشاركة فى العملية السياسية. فتعزيز الضغوط العسكرية عليها وخسارتها للأراضى التى كانت تسيطر عليها، وتوقف أو تقلص الدعم الدولى لها عسكريا وماديا وسياسيا قد يدفعها لخيارات راديكالية من بينها أنضمام عناصر من «أحرار الشام» أو «لواء الحق» أو «جيش الشام» إلى داعش وهو ما سيعقد الوضع أكثر بكثير.

ووفقا لأكثر من مصدر بريطانى مطلع فإن العواصم الغربية منهمكة حاليا فى ترتيبات اجتماع جديد من المقرر أن يعقد فى مدينة ميونخ الألمانية يوم 25 فبراير الجارى لإنقاذ العملية الدبلوماسية. وفيما تريد المعارضة السورية وقف الضربات الروسية قبل أى مفاوضات، تريد أمريكا وأوروبا من دول الخليج تقليص إمدادات الأسلحة للمعارضة السورية كى تجد نفسها مضطرة للمشاركة الفعالة فى مفاوضات سياسية. كما تريد واشنطن من المعارضة السورية ودول الخليج المؤثرة قبول أو مناقشة فكرة السماح لبشار الأسد بإعادة ترشيح نفسه فى اطار انتخابات تحت إشراف دولي، ضمن أتفاق سياسى شامل لتشكيل حكومة وحدة وطنية.

لكن وجود ترتيبات لعقد مفاوضات جديدة فى ميونخ لاتعنى تفاؤلا على أى مستوي. فالحقيقى أن هناك «حالة يأس» غربية من التطورات الأخيرة فى سوريا خاصة مع الانتصارات المتوالية للقوات السورية.

وكما يقول دبلوماسى غربى مطلع، شارك فى جنيف قبل نحو أسبوع، فإن أحد الأسباب الرئيسية وراء انهيار مفاوضات جنيف حتى قبل أن تبدأ فعليا هو إدراك المعارضين السوريين منذ اليوم الأول أن الحكومة السورية لا تتعجل المفاوضات و”لن تقدم تنازلات سياسية على مائدة التفاوض، لم تخسرها فى ميدان المعركة». بعبارة اخرى تريد الحكومة السورية أن تعكس المفاوضات موازين القوى على الأرض. وإذا كان هذا هو الحال، فإن المعارضة نفسها سيكون أول من يهرب من المفاوضات لان موازين القوى ليست فى صالحها.

كان الغرب يأمل خلال جنيف أن تتوافر فرصة لحوار حقيقى بين الأطراف الاقليمية والدولية الفاعلة فى الملف السوري، مع إدراك الجميع أن حوار الحكومة والمعارضة ما هو إلا أداء شكلى. فالقوى الدولية والإقليمية هى من يحدد مصير سوريا اليوم. لكن انهارت محادثات جنيف بدون أى حوار حقيقى بين الامريكيين والروس والسعوديين والإيرانيين والأتراك على خطة سياسية.

ومع الأفكار حول إرسال قوات عربية لتقليل خسائر المعارضة عمليا ومحاربة داعش اسميا، يرى جوشوا لانديز المتخصص فى شئون الشرق الأوسط فى جامعة اوكلاهوما الامريكية أن المخاطر الإقليمية قد تتضاعف، وقد تحول الحرب بالوكالة إلى حرب مباشرة.

ويوضح أنه بسبب الفجوة الهائلة فى مواقف الحكومة السورية وروسيا وإيران من ناحية، ومواقف امريكا والخليج وتركيا والمعارضة السورية من ناحية أخرى، فإن إحتمالات التوصل إلى «الصفقة الكبرى» لإنهاء هذا الصراع سياسيا «ضئيلة جدا»، مشيرا إلى أن كلا من الطرفين، الحكومة والمعارضة، يعتقد أنه يمكنه تحقيق أهدافه بشكل كامل. فالمعارضة تعتقد أنها يمكنها إطاحة الأسد والاستيلاء على دمشق وتطبيق نظام حكم إسلامى يقوم على الشريعة، والحكومة تعتقد أنها يمكنها تحقيق إنتصار كامل واستعادة السيطرة على كامل الأراضى السورية كما كان عليه الوضع قبل مارس 2011 وكلاهما لا يستطيع استيعاب أو هضم المتغيرات على الأرض. وهذه هى المعضلة الكبرى، فكل طرف يريد تحقيق 100% من أهدافه، بغض النظر عن الحقائق على الأرض وبغض النظر عن خسائر السوريين أنفسهم.

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق