رئيس مجلس الادارة

أحمد السيد النجار

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

رئيس قسم الفلسفة الإسلامية بكلية دار العلوم لـ « الأهرام»: تطوير المناهج الدينية فى الأزهر والجامعات ضرورة لا رفاهية

حوار - د. جمال عبد الناصر:
د. عبد الراضى محمد عبد المحسن
تطوير الخطاب الدينى قضية شغلت الأذهان كثيرًا قديمًا وحديثًا، البعض صادقٌ فى دعواه، يريد بحق أن يقدِّم الدين بمفهومه السمح وصورته الحقيقية ويخاطب الناس على قدر أفهامهم، والبعض الآخر يحاول أن يُلبِّس على الناس دينهم عن طريق إثارة نقاط تسبب بلبلة وتشويهًا؛ كى يصرف الناس عن الجوهر الحقيقى لهذا الدين ويدعو إلى توجيه سهام النقد إلى أصول هذا الدين من قرآن وسنة.

كلية دار العلوم العريقة بمنهجيتها المتميزة وأصوليتها المتعمقة ووسطيتها المعهودة، حملت على عاتقها معالجة هذه القضية، وجعل قسم الفلسفة الإسلامية عنوان مؤتمره الدولى التاسع عشر «الخطاب الدينى بين الواقع والمأمول» والذى يجرى الإعداد له حاليا بمشاركة علماء دين من مصر ومختلف الدول العربية والإسلامية. وحول إشكاليات تجديد الخطاب الدينى، وتنقية التراث، وفوضى الفتوى، كان لنا هذا الحوار مع الدكتور عبد الراضى محمد عبد المحسن وكيل الكلية وأستاذ ورئيس قسم الفلسفة الإسلامية ومقارنة الأديان، وإلى نص الحوار..


ما المقصود بتطوير الخطاب الديني؟ هل مضمونه ومحتواه أم وسائله وأدواته؟
المطلوب تجديد المضمون من زاوية، وذلك باختيار الموضوعات المناسبة للعصر التى تُطرح على الساحة، وتجنب القضايا الزائفة والمعوِّقة، لأن طرحها يسبب إشكاليات، مثل قضية العتق وفك الرقاب مثلا، فمثل هذه القضايا ليست من القضايا الملائمة لطرحها فى هذا العصر، وكذلك الانتقاء واختيار الموضوعات المناسبة للعصر ومقتضايته والظروف واحتياجات الأمة، فلو طرحت أمور غير مناسبة سوف تنشأ قضية المشكلات الزائفة المطروحة فى مجتمعنا المعاصر والتى لا يحتاجها العصر، بل والتى يسبب طرحها بلبلة فى أذهان المخاطبين، فهى تعتبر معوقةً لوصول الخطاب وتبلبل أذهان الناس وتشغلهم عن المقصد الأسمى للإسلام. أما الجانب الثانى وهو الوسائل والأدوات، فهذا أكثر ما نحتاج إليه فى هذا العصر، ففى الماضى كانت الوسائل الكتابية وحدها هى المتوفرة، أما الآن فهناك وسائل أخرى تقوم على التكنولوجيا الحديثة وما وفرته من وسائل الاتصال الإلكترونية، فيجب أن نعترف أن الخطاب الدينى مقصر فى مخاطبة المستهدفين به من خلال هذه الوسائل واختيار ما يتناسب معهم.

ولكن البعض يأخذ مفهوم الخطاب الدينى على أنه التخفف من أحكام الشرع والتساهل فيها؟
هذا من الشبهات التى تُطرح لكى تعوِّق فكرة التجديد، فما من أحد ممن دعوا إلى التجديد منذ أيام عصر الإسلام الذهبى وحتى الآن طرح مثل هذا المفهوم، لأن هذا يطعن فى حديث النبى صلى الله عليه وسلم: «إن الله يبعث إلى هذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها»، فكرة التجديد إذن فكرة مطروحة بتوجيه إسلامي، كما أن فكرة الاجتهاد ما هى إلا تجديد، لأن الاجتهاد يتغير بتغير العصر، ولو أخذنا هذه الشبهة سنطعن فى هذا الأصل الإسلامي. وكل وسيلة وكل آلة وكل مجال من المجالات يمكن أن يكون سلاحًا فى صالح هذا الأمر، ويمكن أن يكون سلاحًا ضده تمامًا، فالسكين يمكن أن نستخدمها فى أشياء مفيدة فى المطبخ، ويمكن أن نستعملها فى القتل وهى نفسها الآلة، ولكن المستخدم وأغراضه هى التى تختلف بحسب استخدام هذه الوسيلة.

هل ترى أن منهجية تدريس العلوم الشرعية واللغوية فى الأزهر، ودار العلوم مناسبة لخطاب دينى معاصر؟
مناهج الأزهر أو دار العلوم هى مناهج علمية نتيجة اجتهاد مجموعة من العلماء المختصين رأوا أن هذه المناهج فى هذه الكتب لهذه العلوم مناسبة لتكوين جيل جيد من أبناء المسلمين فى مجال الفكر الديني، وهذه المناهج هى خلاصة اجتهادات، وهناك حاجة لإعادة النظر فى كل مناهج التعليم وليس الأزهر ودار العلوم فقط، وذلك كى تكون مناسبة لطرحها فى العصر الحديث، ولكن كل المناهج التعليمة وخاصة بعد موضوع الجودة ومعاييرها أصبحت هناك حاجة لإعادة النظر فى كل مناهج التعليم الدينى وغيره. لا بد أن نعترف أننا فيما يخص العلوم الدينية مقصرون فى تقديم العناصر الجاذبة والهادفة والمحفزة والعناصر والوسائل التى تقرب هذا الدين السهل البسيط السمح إلى عقول الآخرين والمخاطبين خاصة وهم صغار، هذا الدين سهل ميسور، ولكننا نقدمه فى صورة معقدة مركبة بعيدة عن بساطته، انظر إلى بساطة النبى صلى الله عليه وسلم، وهو يعلم الجارية أهم قضية من قضايا الدين وهى قضية التوحيد فيسألها: «أين الله؟ قالت: فى السماء، قال: من أنا؟ قالت: أنت رسول الله، قال: أعتقها فإنها مؤمنة»، هذا أمر فى منتهى البساطة، واعتمد على الشيء العملى فى عقل هذه الجارية، حيث بدأ بالشيء البسيط كى ينطلق منه إلى إثبات قضية التوحيد الكبرى التى هى أساس الدين كله. وفى دار العلوم تحتاج المناهج أيضا نوعًا من التحديث والتجديد على أسس معرفية من حيث الأمثلة والشواهد والمنطلقات والتقريب إلى أذهان المخاطبين فى عصرنا.

ومن يقوم بالتغيير؟
يقول تعالى (فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون)، ولا بد أن يقوم عليها متخصصون، فأرباب كل صناعة لا يقبلون الدخيل عليهم لكى يجدد ويطور لهم صناعتهم فما بالنا بأهم صناعة ألا وهى صناعة الإنسان وصناعة الفكر الديني.

ما هى أهم مظاهر تجديد الخطاب الدينى من خلال مؤتمركم القادم والذى يعقد تحت عنوان «الخطاب الدينى بين الواقع والمأمول»؟
نحن عزمنا على تصنيف أشكال الخطاب الدينى الموجودة وقسمناها إلى خطاب التكفير الذى تتبناه التيارات والجماعات المتشددة الآن، التى تشوه سماحة الإسلام بل وتهدد الإسلام نفسه، وكذلك لدينا خطاب التنفير، ولدينا كذلك خطاب السماحة الإسلامية الذى يجب أن نبرزه، والسماحة ليس مقصورا معناها على مجال المعاملات الإنسانية بين أبناء الديانة الواحدة، بل هى سماحة بمعناها العام فهى سماحة المسلم تجاه الكون والحيوان والإنسان والزمان.

ولكن كثير من المؤتمرات عُقدت فى هذا المجال وتبقى توصياتها حبيسة الأدراج؟
نحن جهة استشارية سوف نخلص إلى توصيات ونقدمها إلى الجهات المعنية، وأظن الآن أن الأمر سيؤخذ بمحمل الجد فالظروف مواتية لمعالجة هذه القضية والتصدى لها، فالدولة الآن بكافة هيئاتها ومؤسساتها معنية بهذا الأمر، وما لم يتم تجديد هذا الخطاب الدينى ليكون قادرًا على إقناع المتدين الذى يعيش فى وقتنا هذا سوف تواجهنا مشكلات تعوق مسيرتنا. ونسأل الله أن ننجح فى هذا المؤتمر، فى صياغة أصول خطاب دينى قادر على التجميع لا التفريق، وإرساء قيم السماحة والمحبة والعدالة التى هى جوهر الخطاب الدينى لإظهار الصورة السمحة لهذا الدين، وتوصيل الإسلام للمستهدفين به، وقادر على المواجهة والتصدى بحزم لكل مكفر بغير علم ولكل مفجر ولكل منفر.

ما رأيكم فى قصر الخطابة على خريجى الأزهر دون غيرهم من المتخصصين فى الدراسات الإسلامية والعربية؟
الخطابة هى نوع من التواصل والتعليم والتوجيه والإرشاد الديني، والإرشاد الدينى لدينا ليس قاصرًا على جهة من الجهات، بل هو عملية تعليم وتأسيس إذا ما تلقاها الإنسان فى ثوبها الصحيح ومكانها الصحيح وفى وسطيتها المطلوبة فهو كفء لهذا أيا كانت المدرسة العلمية التى يتنتمى إليها. وأبناء دار العلوم تلقوا التعليم نفسه والمنهجية نفسها والقدر من التعليم الذى تلقاه أبناء الأزهر، بل وزادوا عليهم العلوم الحديثة المعاصرة، ودار العلوم عندما أسسها على مبارك باشا قامت على المنهجية التى تجمع بين الأصالة والمعاصرة، فمنع أبناء دار العلوم أمر لا أوافق عليه قط، بل هو يعنى حرمان المتلقى المسلم من طاقة دعوية وسطية كبيرة لا يجب أن تغفل حقيقة.

البعض يزعم أن الدراسة بدار العلوم أكثر تحررية من الأزهر، ولذا جاءها الشيخ محمد عبده بعدما حيل بينه وبين تطوير مناهج الأزهر؟
فى الحقيقة هذا تجنٍّ كبير على مدرسة دار العلوم العلمية المستقلة منذ مائة وأربعين عاما، وهى تقوم على جناحين هما الأصالة والمعاصرة، فكيف تكون دار العلوم ليبرالية؟!! والطالب عندنا يدرس علوم الشريعة بمستوياتها من التفسير والحديث والمواريث وأحكام الأسرة والتفسير وعلوم السنة والسيرة والتاريخ الإسلامى والعقيدة الإسلامية والفكر الإسلامى بمنهجية تجمع بين الأصالة والمعاصرة، كما أرساها على مبارك باشا، كيف تكون هذه المناهج ليبرالية؟!!. أما بالنسبة للإمام محمد عبده رحمه الله، فقد كان شخصية جديرة بأن يفخر بها أبناء دار العلوم، إنه جاء إليها معجبًا بمناهجها، وعنه أُثرت مقولته الشهيرة المعروفة «تموت اللغة العربية فى كل مكان وتحيا فى دار العلوم»، فما أعجبه فى دار العلوم هو رحابة مناهجها وحفاظ دار العلوم على أصوليتها المعرفية والإسلامية لأن محمد عبده كان بداية التنوير فى الفكر الإسلامي، بل كان رائد التنوير فى الفكر الإسلامي، وهل التنوير أصبح ذمًّا، فكلمة التنوير ليست وليدة عصر التنوير ولا الفكر الأوروبى المعاصر بل هى كلمة عربية إسلامية أصيلة، فكون دار العلوم تعد منارة تنويرية كبرى فهذا أمر يستدعى الفخر والاعتزاز بدار العلوم ومنهجيتها الوسطية المعتدلة.

لماذا يتجاهل القائمون على تطوير الخطاب الدينى أبناء دار العلوم العريقة وهى التى خرَّجت قامات علمية؟
دائمًا زامر الحى لا يُطرب، وربما يكون هناك نوع من الحسد تجاه أبناء دار العلوم العريقة، لأنهم يمثلون قامات معرفية صُلبة فى مجال العلوم الإسلامية والعربية فى منهجيتها وتخصصيّتها فى العلوم الإسلامية، لأننا لو وضعنا هذا الكلام بجوار الكلام السابق الذى يتهم منهجية الدار العريقة بأنها متحررة لوجدنا تناقضًا، إذ كيف تمدحها بشيء وتذمها بالشيء نفسه؟!

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق