رئيس مجلس الادارة

أحمد السيد النجار

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

قليل من البكاء على الاطلال

محمود الورداني
كنت قد أدمنت الخروج كل صباح‏.‏ أتمشي في الشوارع القريبة أكثر قليلا من نصف الساعة‏,‏ ربما أجلس علي أي مقهي يصادفني‏,

أشرب شاياوأقرأفي أي كتاب يكون معي بعد أن توقفت عن قراءة الصحف,ولم أبذل أي جهد في إصلاح اللاب توب الذي تعطل, وكان بالطبع يصلني بالدنيا والحياة وأعرف منه الكثير..تلبسني الضجر, بت ملولا وتجنبت الشوارع البعيدة الواسعة والميادين, كما تجنبت قلاية بولاق وأصحابي ومقاهي وسط البلد, وأدهشني جدا أحلامي التي أمسيت أتذكرها جيدا بكل تفاصيلها, وأدهشني أكثر أحلام الموت,نعم تكررت أحلامي بالموت, موت بلا تعذيب أوسقوط أو ارتطام أو هجوم من أي نوع..لا..موت عادي أرقبه وهويقترب مني في الحلم, وعندما يحاذيني,أغمض عيني وأترك له نفسي.
هل هجرتني دينا ؟وهل فقدتها إلي الأبد؟وإلي متي سأتجنب الدنيا ؟وهل كل هذه الرغبة في النأي والابتعاد بسبب غيابها غير المبرر وغير المفهوم؟ كل هذا الضجر بسببك يادينا؟.. لاأظن أنك وحدك السبب.
قررت أن أخرج اليوم مبكرا عن أي يوم,علي الرغم من أنني لم أنم تقريبا إلا قرب الفجر,فقد حلمت في أول الليل حلما مرعبا لكنني لم أتذكره, لم أكن مرعوبا من الحلم ذاته,بل من أن يكون عقلي الباطن مازال,وأنا في هذه السن, قادرا علي أن يكون خارج سيطرتي إلي هذا الحد.أما الرعب الذي أتحدث عنه فهو رعب صاف بلا أي تفاصيل, رعب مجرد,لذلك شعرت به ثقيلا ومازلت أرزح تحته. قلت لنفسي: مادمت ذاهبا إلي دينا, فعلي أن أبدأ يومي مبكرا, ومن أبلغني بمكانها, طلب مني أن أتأكد من أن لاأحد يتبعني, فتذكرت أيام المتابعات البوليسية والمطاردات وطرق التخلص من المراقبة التي كنت أجيدها منذ مايقرب من ربع قرن. ثم أن هناك ثورة قامت من قبل, وحضرتها وأعرف تفاصيلها جيدا,فما معني أن تطلب دينا أن أتأكد من عدم وجود مراقبة خلفي,ناهيك طبعا عن أن الأمر بكامله كان نوعا من الكوميديا السوداء فمن ذا الذي يراقبني ولماذا وهل أمثل قيمة للدرجة التي تدفع أحدا ما لمراقبتي؟ ربما كانت دينا, تلك التي انتزعوا جناحيها عنوة, هي التي تمثل قيمة,وإن كنت لم أفهم,حتي علي الرغم من ذلك, لماذا يراقبونها.
علي أي حال مادامت دينا هي التي طلبت,فعلي أن أنفذ,وسوف أفهم منها عندما ألتقيها ماهي الحكاية بالضبط,لأنني كنت قد انتهيت إلي أن اختفاء دينا نهائي, علي الرغم من أنه لم يكن هناك أي سبب مطلقالاختفائها, بل علي العكس فقد احتضنتني بقوة قبل أن تستدير باتجاه بيتها عندما أوصلتها إلي سراي القبة, كما أننا كنا قد تخلصنا لتونا من حكم الإخوان, وبدت الدنيا أمامنا تستحق أن تعاش بعد أن انزاح الكابوس.لذلك لم أفهم في البداية سبب اختفائها, وعندما طال وطال, وأغلقت حسابها علي الفيسبوك وتخلصت من هاتفها, شعرت أن الاختفاء هذه المرة نهائي.
لذلك أيضا كانت المفاجأة عاصفة عندما علمت أنني سأقابل دينا, وتلقيت بالتفصيل الطريقة التي أصل بها إليها,ويالطبع دهشت بشدة عندما قيل لي أن أتأكد, وأنا في الطريق إليها, أن لاأحد يتبعني.
رسمت في ذهني خطة الوصول, واستخدمت خبرتي العريضة في المراوغة وتضليل الرقابة.عندما خرجت من بيتي في شبرا, نظرت حولي جيدا هنا وهناك, وأخذت طريقي في اتجاه محطة المترو القريبة من دوران شبرا,وكان اختيارا موفقا, فالسلالم الكهربائية الصاعدة والهابطة والسلالم المعمولة من الرخام أو الحجر,سواء في المحطة التي صعد ت منها, أو محطة الملك الصالح التي هبطت فيها,وأبواب عربات المترو الكهربائية, ثم الأبواب المتتالية..كل هذا مكنني من التأكد من سلامة موقفي.
وعندما غادرت المحطة, كانت خطة الوصول الي دينا قد تشكلت في ذهني,جعلت مبرة محمد علي إلي يساري, وقطعت عدة شوارع في اتجاه ضريح سيدي حسن الأنور, ورحت أستعيد خبرتي القديمة في تأمين طريقي.هذه الشوارع والحواري والعطفات أعرفها وسبق لي أن استخدمتها لذات الغرض,أي تأمين طريقي والإفلات من أي مراقبة محتملة. بالطبع تغيرت وتبدلت وباتت أكثر ازدحاما وقذارة,كانت الرائحة لاتطاق, وكلما توغلت في عمق الحواري, ازدادت رائحة القمامة الملقاة في كل مكان ضراوة,فكرت أن أجلس علي مقهي مثلا وأشرب شايا وأستريح قليلا, لكن رائحة القمامة كانت بشعة,كما أن هناك في الجو- رائحة اخري لاأستطيع أن أحددها بالضبط,رائحة جعلت الحواري التي أقطعها زامتة,ولزجة, ليس بسبب الرطوبة, بل هناك شئ ما لاأعرفه.. النسوة اختفين,وانقطعت صيحاتهن وضحكاتهن وتهتكاتهن التي كانت تميز تلك الحواري تحديدا. أنا أعرف هذه المنطقة جيدا وطالما استخدمتها,فهي مصافي ممتازة لأي مراقبة محتملة.
خرجت أخيرا إلي سور مجري العيون الذي بات الآن مساحات لاتنتهي من القمامة, تلك الأقواس الحجرية التي شيد ت أيام الأيوبيين لتوصيل المياه من النيل القريب إلي قلعة صلاح الدين الرابضة في مواجهة جبل المقطم, تحولت الي مقالب قمامة. كانت الرؤية تهتز أمامي وأنا أغذ السير محاولا الابتعاد عن المنطقة بكاملها,ورحت أقطع الشوارع حتي رأيت توكتوكيحاذيني ثم يتوقف بجواري لتنزل منه امرأة تحمل طفلا علي ذراعها, وتجر آخر كان يصرخ بصوت عال,وخطر لي أن أستقل هذا التوكتوك بعجلاته الثلاث, فأنا لم أجربه من قبل, كما أن هيئته التي تشبه حيوانا يعرج جذبتني. صعدت إليه ووجدتني مضغوطا ومحاصرا بين عدد لم أتبينه من الأطفال والنسوة, وفجأة اكتشفت أن هذه المرأة التي نزلت لتوها بطفليها تشبه دينا.. نعم.. تشبه دينا.. عبرت بجواري وخيل لي إنها حاولت أن تلفت نظري, دهشت قليلا من جلبابها الأسود السابغ ومايشبه منديل رأس أسود خفيف يلم شعرها,وأنا توقفت بيني وبين نفسي لوهلة أتذكر أين رأيت تلكما العينين بكحلهما الخفيف, قبل أن أصعد للتوكتوك.هتفت للسائق ليتوقف, لكن السائق واصل سيره فصرخت فيه عدة مرات حتي توقف,وقاطعني وأنا أسوق أمامه أي سبب لنزولي بهذه الطريقة المتعجلة بعد ركوبي بدقائق, طالبا أن أدفع الأجرة قبل النزول.ومن بعيد كانت تصل إلي أصوات طلقات الرصاص, وتعقبها أصوات انفجارات, ثم يحل الصمت.
استدرت, بعد أن أرسلت له أجرتي مع أحد الذين كانوا بجواري,واندفعت بأقصي مايمكنني من سرعة,بشرط ألا ألفت الأنظار, حسبما أمدتني خبرتي السابقة: مادمت متوجها إلي موعد سري,عليك ألا تلفت النظر إليك علي أي نحو من الأنحاء,سواء بالجري مكشوفا هكذا أوبالتوقف دون سبب. تلك قاعدة تعلمتها وأعرف قيمتها.وعندما وصلت إلي المكان الذي كنت قد ركبت منه لم أجد المرأة التي تشبه دينا, فرحت أدور هنا وهناك باحثا عنها, بل وعبرت الشارع ومضيت في شبكة الحواري المواجهة التي تقود إلي ضريح العارف بالله سيدي حسن الأنور.كنت أرسل عيني في كل مكان باحثا عن المرأة, وكان من السهل العثور عليها, كما كنت أردد لنفسي,فهي تحمل طفلا علي صدرها وتجر آخر يدب بجوارها علي الأرض. ماهذاالجنون؟أي امرأة تلك التي أبحث عنها وكيف تشبه دينا ؟وأي أطفال تسحبهم معها ؟في كل الأحوال لم يمر علي اختفاء دينا إلا بضعة أسابيع, فعلي أن أنتبه وإلافأنا مجنون الآن..
كنت قد وصلت إلي باب الضريح وداخلتني سكينة أعرفها جيدا. كانت رائحة البخور تنتشر علي مهل وتحيط بي, بل وتدفعني للدخول, ودخلت بالفعل بعد أن خلعت حذائي ورحت أبص علي دينا هنا وهناك, دون أن أقدر علي منع نفسي.كنت قد دخلت بالطبع من الباب الذي أعرفه والذي يقود إلي الضريح مباشرة, سرت وراء الرجال والنساء في الممشي الضيق المحيط بالضريح بقبته التي تحيط بها الشبكة المعمولة من الحديد الأصفر المضفور, ومن خلفها عبر الزجاج تبدو العمامة الخضراء الضخمة حيث يرقد سيدي حسن الأنور.في الأضرحة ليس مسموحا لك أن تسير الهويني أو تتلكأ,عليك أن تسير فقط في الممشي لتتيح الفرصة للآخرين, تستطيع أن تمد يدك وتتلمس الحديد الأصفر وأنت تطلب من سيدي حسن الشفاعة ثم تمضي, أما أنا فقد كان مطلبي الوحيد أن أجد دينا, وداخل الضريح لم يكن هناك مطلقا من يشبهها.
عدت أدراجي بعد أن خرجت من الضريح, أبحث عن دينا وأحاول العثور علي رائحتها, لكن زمتة الجو في أول الخريف بسبب الرطوبة كانت أقوي مني ومن احتمالي.هاأنا فشلت, ثم ما أدراني إنها دينا بالفعل؟ربما كانت واحدة تشبهها, فأنا لم أتبينها وهي تحمل طفلا وتجر آخر,كما أن إبلاغي بكيفية الوصول لها لم يتضمن أن نلتقي علي هذا النحو..
تخلصت من شبكة الحواري الضيقة, واتخذت طريقي إلي مجري العيون مرة أخري. أشر ت لأول توكتوك صادفني, وعندما شممت رائحة الدم واللحم والجلد والروث, عرفت أنني وصلت إلي المدبح ونزلت حسب الخطة التي كنت قد رسمتها لنفسي.
كانت المنطقة تعج بالناس والبهائم والعربات والدراجات النارية وأكشاك وشوادر ومبان قصيرة متناثرة. كان الأولاد يرتدون أحذ ية بلاستيكية لها رقبة طويلة تصل إلي الركبتين,وكل منهم يتمنطق بحزام عريض يحمل الأسلحة: سكاكين مختلفة الأحجام ومايشبه البلط والسلاسل وأسلحة أخري لم أتعرف عليها. كانوا يسيرون في جماعات, بعضهم يسوق الحيوانات إلي الذبح في المدبح القريب, كما كان هناك نساء بعضهن يرتدي نفس ملابس الصبية ويتمنطقن بالحزام نفسه,ونساء أخريات كان صوتهن عال جدا يكاد يقترب من الصراخ وهن يدفعن أطفالا صغارا. لم أدر بعد هذا ماحدث بالفعل, فقد اشتعلت فجأة وفي لحظة خاطفة معركة بين الجميع,واندفع, الجميع ضد الجميع. أشهروا الأسلحة, بل وتخلصت أغلب النسوة من قمصانهن التي كانت تكبل حركتهن,وأدهشني أنهن كن يقاتلن دون أن يأبهن للحمهن العاري, أين رأيت من قبل معركة كهذه؟أي معركة تخلع النساء فيها ملابسهن شأنهن شأن الرجال ؟ خيل لي أنني شاهدت معركة كهذه من قبل. كل ماأتمناه الآن أن ألوذ بالفرار, ثم شعرت بضربة جاءتني من الخلف, وغامت الدنيا وهبط الظلام.
عندما فتحت عيني كانت العربة الكارو التي أجلس علي طرفها تتأرجح هابطة من سوق السلاح في الشارع المؤدي إلي باب الخلق. حاولت أن أتذكر كيف قطعت كل هذه المسافة من المدبح إلي سوق السلاح بالدرب الأحمر,لكنني فشلت, وكل ما أتذكره هو المعركة التي اندلعت فجأة. تحسست رأسي وحركت أطرافي وهززت ساقي,واستجبت لكل هذا, أي أنني مازلت حيا وسليما,فبدأت ألتفت للراكبين معي.لم يكونوا مختلفين عمن سبق وركبت معهم في هذا التوكتوك أو ذاك,نسوةيرتدين عباءات أو جلابيب سوداء ورجال وشباب لايميزهم شئ عن غيرهم. قالت المرأة الشابة الجالسة إلي جواري وهي تضم الطفل الذي كان يرضع بنهم من ثديها وهي تحضنه بقوة, قالت لامرأة أخري كانت تجلس بجوارها:
وحياتك الدكتور عالجني من النزيف الذي اصبت به اثناء ولادته....
لم أسمع رد المرأة الأخري الجالسة بجوارها, لكنهما انخرطتا معا في نوبة ضحك متواصلة وخليعة بالطبع.
كان الجميع يجلسون علي طرف العربة الخارجي يتلاصقون تقريبا وقد تدلت سيقانهم في الفراغ, والصبي الذي يقود العربة التي يجرها بغل عفي يبدو مسيطرا علي عربته وهو يوجهها بمهارة حتي وصلنا إلي بوابة المتولي.ومرة أخري اندلعت طلقات الرصاص وأعقبتها الانفجارات التي بدا أنها أقرب من ذي قبل.
وعندما هبط الناس, اضطررت للهبوط مثلهم, وكان كل رجل أو امرأة يمر علي الصبي ويدفع أجرته, فدفعت مثلهم. كان امتداد بوابة المتولي من هذه الناحية يقود إلي الغورية, أما من هذه الناحية فيربض جامع الصالح طلائع, وأدهشني أن اللا فتة القديمة التي تشير إلي موقع مقر لجنة الدرب الأحمر للحزب الوطني لا تزال في موضعها.توقفت لأتأكد مما أراه متسائلا: ألم يقم هؤلاء الناس بثورة,بل وأزالوا أمام عيني لافتة محطة مترو مبارك ووضعوا بدلا منها لافتة الشهداء؟
ومع ذلك واصلت طريقي بحذاء سور جامع المؤيد شيخ متوجها إلي باب الخلق, وعلي الناحية الأخري, وفي المسافات الفاصلة بين الورش والمحلات كانت هناك عبارات أخري مكتوبة باللون الأسود مثل: يسقط دستور الإخوان, و..كنت باقول إرحل يامبارك.. دلوقتي باقول إرحل يامشير.... وغيرها مما لم أستطع قراءته حتي وصلت إلي مشارف سجن الاستئناف.
تذكرت سجن الاستئناف جيدا فقد قضيت فيه عدة أسابيع بعد القبض علي في إحدي حملات الاعتقال الموسمية في ثمانينات القرن الماضي, ثم قاموا بتوزيعي أنا والآخرين علي السجون المختلفة,وحسب العنوان الذي تلقيته للوصول إلي دينا, كان علي أن أدلف إلي اليمين في درب سعادة, وهو الدرب الفاصل بين سجن الاستئناف ومنطقة واسعة أغلبها مخازن ومغالق خشب أعرفها جيدا.سرت قليلا وأنا أرمي بطرف عيني إلي الخلف لأتأكد مما إذا كان هناك من يتبعني, ثم تابعت طريقي. وعلي السور الفاصل بين الدرب والسجن كانت هناك كتابة قديمة جدا شعرت تجاهها بما يشبه التحدي لأنني كنت عاجزا عن فك مغاليقها. نسيت نفسي وتوقفت أحدق فيها وأفككها حرفا حرفاحتي تمكنت أخيرا من القراءة:
إبكي إبكي ياعروبة
ع اللي بناكي طوبة طوبة
ياآلهي.. هذه الكتابة يعود تاريخها إلي أكثر من أربعين عاما خلت, تركت علي سور سجن الاستئناف منذ مات جمال عبد الناصر, وكثيرا ماكنت أصادفها علي الجدران والبيوت والحافلات والأسوار في مطلع الشباب,ثم انتبهت إلي حجم الخطأ الفادح الذي ارتكبته لتوي, فمثل هذه المهمات السرية شبه الحزبية ليس مسموحا فيها بالمسخرة والصرمحة والتوقف دون داع أو لمجرد قراءة كتابة قديمة.
وهكذا لممت نفسي بسرعة وضربت بطرف عيني أعيد استكشاف ماورائي ومابجانبي,ثم مضيت أبحث عن رقم المنزل المتوجب علي دخوله,عدت إلي الخلف عدة منازل حتي وجدت الرقم المقصود,وصعدت ببطء إلي الطابق الرابع,ووقفت قليلا ألتقط أنفاسي وأنصت لأي أصوات خلفي علي السلم قبل أن أدق الباب.خيل لي أنني أسمع أصوات أطفال, ليس أصوات بالضبط بل صراخ متقطع, وعبر النافذة العريضة المفتوحة والمطلة علي الشارع بين الطابقين,كانت تأتيني أصوات طلقات الرصاص. لفت نظري أن كل طابق لاتشغله إلا شقة واحدة, وتذكرت بيت قريبي عم صالح البروجي في الغورية, الذي هربت عنده عندما طاردني البوليس في أعقاب مظاهرات الطعام في سبعينات القرن الماضي, وأدهشني أنني أتذكر أحداثا أعبر بها بين القرون. نعم.. كان ذلك في القرن الماضي. كانت شقته بالغة الاتساع وسقفها شديد الارتفاع, تستريح العينان وهما تدوران وتشعر بالهواء يتدفق من كل مكان,بل وأتذكرأمرأته الطيبة الممتلئة,وابنته المطلقة التي وقعت في غرامها,وظلت عصية علي حتي ليلة رحيلي.
وعندما سمعت تلك الأصوات الغامضة الآتية من باب البيت تقريبا, بادرت بالدق علي باب الشقة بسرعة. فتحت لي امرأة ربما كانت أربعينية وحدقت في لثوان قليلة. كانت ترتدي روبا منزليا من القطن ذي الوبر بلون بنفسجي فاتح جدا, وكان وجهها الأبيض المشرب بالحمرة الخفيفة خاليا تماما من أي ماكياج, ومافتنني في حقيقة الأمر هو قطرات الماء التي كانت تلمع علي رقبتها بعد أن تسللت من الفوطة التي لمت فيها شعرها, وفتنني أكثر ذلك الخف المنزلي علي شكل قطتين صغيرتين ترتديه في قدميها.
كانت هي من تكلم في النهاية بعد أن أرسلت لي تلك النظرة التي لايمكن مقاومتها:
إحنا هانفضل واقفين قدام بعض كده كتير؟.. إنت هاتقعد تبحلق في لحد إمتي ؟ عجبك الروب اللي أنا لابساه.. والا القطتين اللي في شبشب الحمام في رجلي؟مالك ياراجل متسمر ؟..خش.. ماحدش هايقرصك ياراجل.. نسيت محفظتك من المرة اللي فاتت.. والا نسيت فردة شرابك ؟
صعدت الدرجات الثلاث الفاصلة بيني وبين باب الشقة. ما أذهلني أنني شعرت بالانجذاب ورغبت بشدة في تلك المرأة, بعد أن أظهرت لي إنها تعرفني, ثم نظرت خلفها بعد أن تقدمت لتتأكد أنني أغلقت الباب خلفي. والأكثر فداحة أنها قالت لي وهي في طريقها إلي الداخل:
طبعا إنت جيت تسأل عن دينا ؟ مايحكمش ياروحي ماشفنهاش إنما لو جيت تسأل عن محفظتك اللي نسيتها فهي في الحفظ والصون.. شايلاهالك في رموش عينيا..
تبعتها صاغرا, ولم يكن أمامي إلا أن أتبعها. لم أكن أعرف هذه الصالة التي دخلت إليها, كما لم أكن أعرف هذه المرأة التي فتحت لي وسبقتني إلي الداخل, لكنها كلمتني عن دينا, فأي فخ هذا الذي أوقعت نفسي فيه؟.سمعت صوتها يأتي من الداخل تسأل:
أنا باعمل شاي نشربه سواوالا أعملك قهوة سادة.. عندي بن طازة جايباه من الغورية.
لابد أنها في المطبخ, وفكرت للحظة أن أتبعها إلي هناك, لكنني تراجعت لأحاول ترتيب خطواتي القادمة. أنا في فخ لاسبيل إلي النجاة منه إلا بالبطء والتدبر جيدا قبل أن أخطو خطوة واحدة. علي مثلا أن ألوذ بالفرار عند أول فرصة تسنح لي, ولكن علي قبل هذا أن أحصل علي محفظتي التي تقول المرأة أنني نسيتها هنا, وكيف أنسي المحفظة في مكان لم تطأه قدماي من قبل ؟وهل عرفت أنا هذه المرأة من قبل ؟.
رحت أجول بعيني في الصالة المربعة. كانت نظيفة والشقة رائحتها طيبة, وأمكنني أن أميز رائحة بخور خفيفة. كان سقفها عاليا مثل شقة قريبي عم صالح البروجي في الغوريةالتي استيقظت تفاصيلها في ذاكرتي بقوة. كان الفراغ الممتد حتي السقف يجعل الواحد قادرا علي أن يسحب الهواء بعمق. جلست أنا علي كنبة تحتل الجدار المواجه لباب الشقة, وعلي الجدار المقابل كانت هناك كنبة أخري, ومنضدة خشبية متوسطة ومنضدة صغيرة والصالة مفروشة بأكلمة ملونة, ومنح الأثاث القليل الشقة اتساعا ورحابة, وقلت لنفسي إن علي أن أنتبه ولاأترك الأمور للصدفة, بل إن علي ألا أستسلم لمثل هذه المظاهر الخادعة لأنني بصراحة في خطر.
جاءت بعد قليل تسبقها رائحة الشاي بالنعناع.وضعت الصينية علي المنضدة وقالت:
سألتك ياراجل وانا في المطبخ إذا كنت عايزقهوة محوجه مارديتش.. إنت إيه حكايتك؟
لم تعطني الفرصة للرد,ومالت علي قليلا فشممت رائحتها, وذكرتني ا لرائحة برائحة أخري قديمة لامرأة أكاد أستجمع ملامحهاالآن.لكنها قامت نصف قومة ونظرت في عيني مباشرة, وبذلت جهدا مضنيا لأمنع يدي من الامتداد, وعاودني وأنا في هذه السن الارتباك والتوتر,وعندما طال انتظارها وهي في هذا الوضع, استقامت بجسمها المشدود ولمت طرفي الروب من أعلي, وشعرت أنا بالندم فقدفوت الفرصةعلي نفسي.
قالت أخيراوهي تستدير:
هاغير هدومي وارجع لك..
انسحبت ببطءوفتحت باب الحجرة, أظنها الوحيدة فلم يكن هناك باب سواه في الصالة,أما أنا فعدت لمكاني علي الكنبة, واحتسي شايا من أشهي مايمكن, سكره مضبوط ونعناعه بلدي وطازج وطعمه يذوب في الفم. تعودت عيناي علي الضوء الخفيف في الصالة, وأمكنني أن أميزعلي الجدار المواجه صورتين, إحداهما صورة زفاف قديمة لرجل يرتدي بدلة وقد تعلقت بذراعه غادة حقيقية, هانم,بثوب الزفاف الأبيض المحلي بالورود البيضاء المشغولة,وتتطلع إلي الكاميرابعينين فرحتين.أما الصورة الأخري فكانت صورة جماعية فيما يبدو ولم أتمكن من تمييزها جيدا,,تضم عددا كبيرا من النساء والرجال.
عادت الأربعينية بعد قليل ترتدي جلبابا بلديا داكنا و محبوكا علي جسمها,كما سرحت شعرها المبلول وعقصته في ذيل حصان غليظ داكن السواد, ووضعت قليلا جدا من أحمر شفاه وردي بينما كان الكحل ثقيلا علي جفنيها. ولم تكد تشرع في ارتشاف الشاي حتي دق الباب,ودخل رجل وامرأتان توجهوا إلي الحجرة الوحيدة داخل الشقة, غابوا قليلا,ثم سمعت نداءات عالية, وتكرر دخول وخروج الناس و نداءاتهم, وبالمصادفة فهمت ما يجري أمامي, وتذكرت فجأة ماكنت أراه يوميا خلال إقامتي في سجن الاستئناف قبل أربعة عقود,ولطالما استخدمت شرفات بيوت درب سعادة المطلة علي السجن في تحقيق اتصال عاجل بين المساجين وذويهم, ويدفع الأخيرون مايجودون به لأصحاب الشقق,بل كانت هناك حكاية تتردد بين المساجين الجنائيين سمعتها أثناء تلك الحبسة عن مهرب مخدرات شهيرألزم امرأته بأن تسكن مع سكان إحدي تلك الشقق المطلة علي السجن,وألا تخرج من هناك قبل استئذانه. كان سبب الحركة إذن والضجيج والنداءات هوالاتصالات الدائرة من الشرفات المطلة علي السجن. أي أن تلك الشقق لا تزال حتي الآن تقوم بمهمتها في خدمة المساجين وذويهم.كان هناك أيضا قدر من الفوضي التي أقلقتني,فباب الشقة كان مفتوحا الآن, وعندما قمت لأغلقه وأشعر بقدرمن الأمان وأفكر كيف أحصل علي محفظتي وأبادر بالفرار,رفعت صوتها قائلة:
خلي الباب مفتوح.. ده وقت فسحة السجن.. الأهالي داخلين خارجين ووراهم مصالح مع المساجين..ربنا يفك كربهم.
ما أن أنهت المرأة كلامها حتي وقع الانفجارالمدوي, كان أمرا يشبه يوم القيامة,يشبه الحرب التي خضتها من قبل عام1973, يشبه الجحيم,لاأعرف ماذا جري علي وجه التحديد,لكن الجميع كان يجري نحوالخارج, بينما كنت أنا أعاني من اهتزاز كل شئ,المنضدتين في الصالة والكنبتين والزجاج المكسورالمتناثر والناس الذين كانوا في الشرفة يتبادلون الأخبار مع أهاليهم.. كل هؤلاء تدافعوا راكضين نحو الخارج.ركضت مع الراكضين في يوم القيامة,وعلي السلم كان الناس يصرخون وقد خرجوا من شققهم يتدافعون, ومع كل هذاكان علي ألا أفلت الأربعينية, فمعها محفظتي ومعها أيضا مايمكن قوله عن دينا, لكن التدافع أجبرني علي الخروج من باب البيت,أما الشارع فقدكانت تغطيه سحابة هائلة من الغباروالزحام.أيقنت بعدقليل أنني فقدت الأربعينية,فعندما نظرت أمامي,فوجئت بمبني مديرية أمن العاصمة وقد تصدع تماما, بل سقطت أجزاء من أحجاره وعواميده علي سجن الاستئناف المجاور, والذي كنت منذ لحظات أجلس في شقة تطل شرفتها علي فنائه.
جربت أن أركض في اتجاه السيدة زينب أو شارع محمد علي أوعابدين أوحتي شارع الأزهر. كانت كل الشوارع يغطيها الغبار والراكضون والصارخون, ولم أعد قادرا علي أن أستمروسط هذه الأمواج الهادرة و الرائحة التي خنقتني. لم أعد قادرا بالفعل, وخشيت أن أسقط وتدوسني الأقدام, فعدت أدراجي بسرعة إلي درب سعادة.
كان الغبار أقل وكذلك الزحام والصراخ, وبعد قليل عاد كل هذا, وتبينت أن بيوت درب سعادة القديمة قد تصدعت وسقط بعضها, وربما يكون بيت الأربعينية سقط أيضا, إلا أنه ليس بمقدوري أن أتأكد, والمهم الآن أن أجد طريقي إلي الخارج.
توقفت عندما خطر لي فجأة المكان الوحيد الذي يمكن أن أجد فيه ديناالآن. كيف لم افكر فيه من قبل؟كنت أريد أن أركض في اتجاهها, لكنني لم أعد قادرا علي أي شئ. الاختناق يزداد والبيوت تتساقط من حولي وأنا أتفادي المفزوعين الخارجين من تحت الأنقاض,وأحاول أن أجد طريقي حتي وجدتني في شارع الأزهر,قاومت الدواروالاختناق والعرق واللزوجة, وواصلت طريقي.
عندما وصلت إلي مبني المسرح القومي, كان الإعياء قد تمكن مني, وكنت أشعر بالتراب يغطيني وقد اختلط بالعرق الذي بلل ملابسي وجعلني أتقززمن نفسي, وفي الوقت نفسه كنت أشعر بالاختناق يزداد, فالتراب هنا أيضا ينعقد مثل خيمة. لم يتسن لي أن أعرف ماجري بالضبط, يبدو أن انهيار مبني الداخلية, الذي سمعته في البداية وأناجالس بجوار الأربعينية,أدي إلي سلسلة من الانهيارات, وبداالأمر وكأن زلزالا ضرب البلاد.
ومع كل هذا لابد أن أصل إلي دينا, علي أن أتماسك وأقاوم التراب والعرق والاختناق, وأتفادي المخبرين الذين انتشروا كالجراد, وأتفادي أيضا المدرعات وسيارات الداخلية المجنونة التي أطلقت نفيرها الجماعي, والناس يجرون من أمامها. أما أنا فقد اعتمدت علي أنني رجل عجوزولن ينتبه أحد إلي,فسرت بالبطء الذي تسمح به حالتي المتردية بعد كل ماجري.
أفضل طريقة للوصول هي أن أقطع شارع عبد الخالق ثروت,ثم أنحرف في شارع شريف حتي أصل إلي تقاطعه مع ميدان الأزهاروهاأنا أنحدر الآن ببطءوأسير بجوار قهوة الحرية التي كانت مغلقة في اتجاه جراج البستان.لم أنتبه إلا الآن إلي أننا في آخر النهار, والمحال كانت مغلقة أيضا والشوارع مظلمة تكاد تخلو من الناس, بينما سيارات الشرطة وقفت بالعرض ونزل منها العساكربالشدة الثقيلة والأقنعة ووقفوا يمنعون الناس من الاقتراب من المنطقة.
كان لدي حدس أثق فيه تماماأن دينا تقف في المكان نفسه الذي التقينا عنده في أول الثورة. كأنني أشم رائحتها. سأجدها مستندة إلي الدكان المغلق الذي كان يبيع فيما مضي سندوتشات الفول, وآلام انتزاع جناحيها تعصف بها وهي واقفة ترتجف من الألم وذراعاها الخمرتان عاريتين.سوف أ ميل عليها وآخذ رأسها في صدري.أربت عليها متفاديا أن ألمس جروحها الورديةا لملتهبة أسفل كتفيها حتي لاتشهق من الألم كما حدث من قبل.
تقدمت معتمدا علي سني التي لابد ستردعهم عن التحرش بي وسيتركونني أمضي,ورحت أرمي بنظري عبرالعساكر الذين شكلوا حاجزا منيعا.خيل لي أنني شاهدت دينا تسير في اتجاه المحل,لكن الليل كان قد تقدم والمكان كان قدأظلم تقريبا.واصلت طريقي محاولا العبور من بين أجساد العساكرالذين كانت ظهورهم ناحيتي,والتفت أحدهم ثم استدار مرة ثانية وهو يزعق:
ممنوع.. ممنوع..
حاولت عدة مرات أن أعبر الحاجز, لكن العساكر كانوا يكررون نفس الكلمة دون أن يلتفت أحدمنهم في اتجاهي.وحاولت أيضا أن أستعطف ضابطهم معتمدا علي هيئتي كرجل عجوزلايستطيع أن يلف من شارع التحرير, كما قال لي هذا الضابط الذي كرر نفس الكلمة:
ممنوع ياحاج..
استدرت في نهاية الأمروقد شعرت بالهزيمة, نعم شعرت بالهزيمة فبعد كل مابذ لته هاأنا فشلت.
عدت أركض بأقصي مايمكنني من احتمال.أنتزع قدمي محاولاالاحتفاظ بتوازني حتي وصلت إلي شارع التحرير, ثم عبرت أول شارع إلي اليمين لأصل إلي شارع البستان مرة أخري حيث كنت قد لمحت دينا. كان الكردون هنا أيضا يسد الشارع ويمنع الوصول إلي شارع البستان ويحجب عني محل السندوتشات. كانت هناك مدرعات وعربات ولواري شرطة وجيش وجنود بالشدة الثقيلة والأقنعة السوداء والأسلحة المشرعة.حاولت التقدم لأشاهد مايجري خلف هذا الحصار,رحت أتحرك هنا وهناك وأرمي ببصري عبر طوابير العساكر,واستطعت بعدلأي أن ألمح مجموعة من الأولاد والبنات في سن دينا يقفون صامتين في نهر الشارع المغلق من الناحيتين.كانوا يحملون لافتات لم أتبين المكتوب عليها,وفجأة بدأ الهجوم, ووجدتني غير قادر علي الصمود, بل لم يكن في مقدوري حتي أن أتراجع.

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق