رئيس مجلس الادارة

أحمد السيد النجار

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

توفيق الحكيم يحتفل بـ ١٠٠ سنة أهرام
حياة الأهرام هى حياة مصر

◀ إبراهيم فاروق
هل كانت كل هذه الثروة الفكرية والإنسانية تتحرك هنا فى هذا المبني، مبنى الأهرام بشارع الجلاء ؟!وهل حقا شهد الدور السادس, وبرجه الساحر البناء والتفاصيل, حركة أحد أهم رواد الأدب والفكر فى العالم العربى خلال القرن العشرين، الأستاذ كما كان يلقبه الكثيرون، «توفيق بك الحكيم»؟!.

إنها الحقيقة أو بعض فصولها، فهذه القامة الكبيرة فى تاريخ الفكر والأدب العربي، لم يقترن اسمه، كما يتصور البعض، باسم الأهرام خلال عقدى الستينيات والسبعينيات فقط (تذكر معظم الموسوعات والمواقع حول هذه العلاقة أنه عين مستشارا وعضوا بمجلس إدارة الأهرام عام 1971م)، وتتوقف عن ذكر الجزء الأهم فى سيرة حياة توفيق الحكيم الذى ولد فى 9 أكتوبر عام 1998 ( وفى أوراق أخرى 1902) ورحل عن عالمنا فى 26 يوليو عام 1987، لم تذكر ذلك الجزء الحى فى عالمه وهو ارتباطه حبا و عملا بالأهرام منذ بداية الأربعينيات من القرن الماضى وربما قبلها, ومنذ بدأ يذيع صيته فى الثلاثينات، بعد أن كتب رائعتيه رواية «عودة الروح»، ومسرحية «أهل الكهف»، ومعهما عددا من الأعمال استطاعت أن تضعه على قائمة الكتاب الذين يلتفت إليهم النقاد بانتباه، ويسعى لقراءتهم الصفوة والعامة, ليس من باب الاطلاع على كتابة مختلفة وجديدة على الذوق العربى فحسب, لكن من أبواب متعددة أخرى صنعتها رؤية مغايرة للسائد فى ذلك الوقت، وحملت معها رياحاً جديدة لكتابة عصرية تمزج الواقع بالخيال، والحلم الإنسانى الساخر بالأحوال السياسية والاجتماعية فى البلاد خلال هذه الحقب الزمنية المشحونة فى مصر والعالم.



( المقال المفاجأة )

كانت المفاجأة, حين طلب منى الأستاذ بهاء جاهين تجميع بعض ماكتب «توفيق الحكيم »، ونُشر على صفحات الأهرام, من نصوص مسرحية ومقالات، أن مقالا فريدا كتبه الكاتب الكبير عام 1945، وأعيد نشره بتقديم من الأهرام فى 12 مايو عام 1951، وكان عنوانه (الأهرام فى عام 1975). يتحدث فيه الحكيم بحب وإجلال عن علاقته بالجريدة وعالمها ورئيس تحريرها «أنطون الجميل» فى ذلك الزمان، متخيلا بلوغ الأهرام مائة عام أى بعد 30 عاماً من تاريخ كتابة المقال: كيف سيكون شكلها، وكيف ستكون قيمتها فى عالم الصحافة والوطن، ومن خلال المقال تتعرف على ذلك الرباط التاريخى والمهنى الذى ربط «الحكيم», على مدى يقارب 50 عاما, بالكتابة على صفحات الأهرام حتى وفاته عام 1987 .

ليس هذا فقط, بل تستشعر من خلال هذا المقال القديم الجديد، مساحات الحب المكنون لكل من يدخل عالم الأهرام ويذوب فيه مخلصا وعاشقا، ذلك العالم الذى يصفه «توفيق الحكيم» بحياة زوجية سعيدة وعلاقة حب لا خلاص منها ولا فرار.

وقبل أن نترككم لقراءته، وكتابات أخرى للرائد الكبير «توفيق الحكيم» منشورة على صفحات الأهرام، اخلعوا قليلا ملابس هذا الزمان، وعودوا معنا إلى مبنى الأهرام بشارع مظلوم فى وسط القاهرة وفى عام 1945، لتركبوا مرة أخرى عجلة الزمن مع «الحكيم» حين كان يكتب عن (الأهرام فى عام 1975)!.



بمناسبة عيد الأهرام الماسى

الأهرام فى عام 1975

فى سنة 1945 تخيل الكاتب الكبير الاستاذ توفيق الحكيم بك انه قد انتقل الى عام 1975 حيث تكون الاهرام قد بلغت المائة، ويكون هو قد بلغ الثالثة والسبعين وتصور ما سيكتبه عن «الأهرام» فى مناسبة عيدها المئوى فكتب مقالا وجهه إلى المرحوم أنطون الجميل باشا رئيس تحرير «الأهرام» وقد جاء فيه: صديقى الجليل أنطون (بك) الجميل وقد تكون (باشا)، اسمح لي، وأنا الآن شيخ جاوز السبعين، أن أهنئ «الأهرام» الغراء ببلوغها اليوم قرنا من عمرها الحافل المجيد. وأن حياة «الأهرام» هى فى الحقيقة حياة مصر من أجل مراحل تطورها السعيد. وأن تاريخها هو تاريخ كل رجل، وكل حدث، وكل خطوة، وكل حركة، وكل نبضة، وكل صحوة، وكل فكرة نبتت فى بلدنا وهبت فى شرقنا.

إنها لى كائن عزيز. فى عمرها طويت عمري، وفى صدرها أفرغت ما فى صدري. إنها كتاب حياتى الذى يضم صفحات شبابي، وخطوات كهولتي، وخلجات شيخوختي. إن أصابعى المرتجفة الآن تقلب بعض أعداد بالأهرام ا لثلاثين سنة خلت، فأحس فرحا يدب فى كيانى المتهدم كما تدب الحياة الخضراء فى الكرمة العتيقة.

نعم لقد عشنا ذلك العهد معا ياصديقى العزيز، وكنا مع أصدقائنا نسهر فى حجرة مكتبك ونسمر، ونتابع مايجرى فى البلد من أحداث نعقب عليها أحيانا جادين، وأحيانا هازلين، نرسل ضحكاتنا البريئة الصاخبة فى جوف الليل ترن رنين أقداح الراح بغير إثم.

ياله من عهد! . . لقد كانت السياسة وقتئذ صلاة الناس، وكانت الانتخابات النيابية ملهاتهم، يضيعون فيها كل مالهم وعقولهم ويهتمون لها اهتمام الإنجليز بلعبة كرة القدم. ما من صديق لنا، إذا كنت تذكر، لم يصب بالسياسة، لقد كانت «البرلمانات» يومئذ مثل كرات (التنس) يطيح بها كل قابض على المضرب والصولجان. لعل جيل اليوم يدهش لذلك. فنحن الآن - و«الأهرام» فى عامها المائة - نعيش عصرا أصبح فيه الشعب هو حامل المضرب، والحكومات هى الكرات. إن الأمر كما ترى لم يتغير كثيرا.

فالذى تغير هو البلد الذى تطوح وتقذف ..

نحن لسنا من الشيوخ الرجعيين، ولاتظن أنى ساخط على عصرنا الحاضر، آسف على زوال زماننا السالف، فمشكلة الحكم لايحلها قرن من الزمان ولا قرون. إنها المشكلة الخالدة. إنها من تلك المعضلات التى خلقت بغير حل هناك حجرات مغلقة لن يجد لها البشر مفاتيح. سر الحياة من بينها. وكذلك سر الحكم. لأن الحكم كالحياة: توازن بين القوي.

إن ظهور الحكم الصالح مثل ظهور الحياة: توازن يتم فى فترة بين العناصر. ثم لايلبث أن ينفرط وتعود العناصر إلى التفكك والتضارب والتصادم والنضال، إلى أن ترجع مرة أخرى إلى الانتظام والتوازن فترة من الفترات وهكذا دواليك.

لاتقل إنى شيخ متشائم.. إنى ياصديقى القديم على ماعهدتنى منذ ثلاثين عاما؛ رجل هادئ مبتسم للحوادث والأحداث، بل إنى أستطيع أن أقول لك إنى راض عن مجتمعنا الحاضر. فالشعب قد نال فيه على الأقل حظا وافرا من النضوج السياسى والثقافى صقل شخصيته وأبرزها قوية التكوين واضحة الاتجاه. لقد وُجد الرأى العام الذى كثيرا ما انتظرناه. «الأهرام» تطبع اليوم مليون نسخة تنفد جميعها كل صباح ، عدا الملحق الخاص من مجلتها الأسبوعية المصورة.

إن الشعب اليوم يقرأ ويعرف ويريد, وهو يقدر لذاته قيمه، ويحرص على كرامته الآدمية. كل فرد فى الأمة اليوم يدرك أنه لامعنى لحياته إذا لم يمنحه عمله فيها مستوى من العيش خليقا بمواطن متمدن، هذا جميل حقا. ولو ذكرت حياة فلاحنا فى الماضى لرضيت من حاضرنا بكل ما فيه من عيوب.

على أن الذى يدهشنى هو تشبث كل فرد بحريته الشخصية إلى حد لم يخطر لنا على بال ..

ولا بأس أن أكشف لك أيها الصديق القديم عن جانب من حياتى الخاصة، ألا تذكر قولك لى ذات ليلة منذ ثلاثين عاما أنك لاتظن أنى سأتزوج بعد أن جاوزت الأربعين ؟ .. حقا لقد كنت حصيفا فى رأيك يومئذ.. ولكنى تزوجت مع ذلك بعدئذ، وصرت أبا لفتاة هى اليوم فى الخامسة والعشرين، وقد عنيت بتربيتها وتثقيفها على النحو الذى يرضيني، وأنى لمعجب فعلا بذكائها وطاعتها ومحبتها ليتة ولكنها على الرغم من ذلك تجمح أحيانا وتنفر وتحيد عما رسمته لها من اتجاهات, وتحاورنى وتداورنى بمنطق عجيب يعجز عن تقديره تفكيرى العتيق.

آه أيها الصديق العزيز إنى أغبطك: إنك تعيش دائما مع «الأهرام». تلك الصحيفة التى اقترن اسمك باسمها من قديم كما يقترن اسم الزوج وزوجته، إنها تطالعك كل صباح بوجهها المشرق المتجدد فتحس أن حياتك هى الأخرى تشرق معها وتتجدد. وتنظر إلى بياض ورقها فتنسى بياض شعرك. إنها تكبرك بقليل ولكنك أعطيتها كل حياتك لطالما قلت لى إنك كنت تفضل الانفصال عنها والتحرر منها وتكريس حياتك لنفسك تنفقها كما يحلو لك فى أى أرض شئت, لكنك لم تستطع، لأنك تحبها، ولأنها تحبك. إنها تشدك من أذيالك كلما تحركت، وتجلسك على مقعدك الدائم فى حجرة مكتبك، لأنها تريد منك أن تنظر فى وجهها كل صباح.

أهنئك بهذه الزوجة الوفية، الوفية لك ولمصر وللشرق، وأرجو منك أن تبلغها تهنئتى لها ببلوغ سن المائة، وهى لمثلها سن الشباب ، ولسوف يهنئها التاريخ ببلوغ المائتين ثم المئات .

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق