رئيس مجلس الادارة

أحمد السيد النجار

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

عبودية جديدة.. بنكهة الجمبرى!

سارة عبد العليم
بعد مرور أكثر من قرنين من الزمان على حظر العبودية، ظن كثير من الناس أن تجارة الرقيق اختفت، لكن الحقيقة أن هناك واقعا جديدا يقول إن تجارة الرقيق ما زالت موجودة فى العصر الحديث ، لكن بصور مختلفة، فالعمل القسرى والسخرة وإذلال البشر من أجل المال هم الأوجه الحديثة لتجارة الرقيق فى العالم الآن، وهو ما يصب على الأرجح فى مصلحة شركات كبرى، وربما حكومات دول.

فبعد فضيحة عمال السخرة الآسيويين العاملين فى بناء استادات مونديال قطر، كشف تقرير انفردت به وكالة "أسوشييتد برس" الأمريكية النقاب عن فضيحة جديدة، وهى وجود علاقة قوية ومربحة جدا بين التطور الهائل لصناعة المأكولات البحرية الفارهة فى تايلاند وعصابات الإتجار بالبشر، حيث ذكر التقرير، بطريقة ساخرة، أن طبق الجمبرى الشهى الذى يقدم على الموائد فى جميع أنحاء العالم هو نتاج عمل شاق قام به عمال السخرة فى تايلاند، وأن عبودية البشر هى السبب الرئيسى وسر الخلطة وراء تطوير صناعة الجمبرى فى هذا البلد الذى يعد أكبر مورد لأشهى المأكولات البحرية التى تملأ أرفف المتاجر الكبرى فى أنحاء العالم.
وقال التقرير إن فقراء المهاجرين البورميين والعمال والأطفال يتم "بيعهم" إلى أصحاب كبرى مصانع المأكولات البحرية فى تايلاند كعبيد أو عمال بالسخرة، ليقوم أصحاب تلك المصانع بتسخير هؤلاء المهاجرين والعمال والأطفال فى عمليات "تقشير" الجمبرى وتنظيف المأكولات البحرية وتعبئتها وإعدادها لتوريدها للمطاعم الشهيرة وكبرى شركات التصدير العالمية.
ويوضح تقرير الوكالة أن بداية المأساة كانت حينما فر عشرات الآلاف من مسلمى الروهينجا تحت وطأة التطهير العرقى الذى ترعاه الدولة فى ميانمار، هاربين إلى البحر أملا فى الوصول إلى بر الأمان، لكن سرعان ما استغلت عصابات الإتجار بالبشر فرصة هروبهم دون أوراق رسمية تفيد انتمائهن لدولة ما، وتم "بيعهم" إلى أصحاب المصانع الكبرى فى تايلاند ليقيموا أكبر صرح لصناعة الأسماك فى العالم ويجنوا من ورائهم أرباحا طائلة.
وفى مقابلة مع أحد سماسرة البشر فى بانكوك، اعترف باستخدام الروهينجا كعبيد فى الصيد التجاري، وحكى كيف أنه باع نحو 100 شخص من مخيمات المهاجرين خلال العام الماضي، مقابل ربح يقترب من 30 ألف باخت تايلاندي، أى ما يعادل نحو 900 دولار للفرد الواحد.
ويقول إن "هؤلاء المهاجرين اشتراهم قادة القوارب التايلاندية، ولم يسمح لهم أبدا بمغادرة القوارب خوفا من فرارهم"، ويضيف أنه سمع ما تردد عن أن المهاجرين العاجزين عن العمل كان يلقى بهم فى البحر حين يصبحون بلا فائدة حقيقية.
وإضافة إلى المهاجرين من الروهينجا، باع أيضا مهاجرين من لاوس وبورما وكمبوديا كعبيد على ظهر سفن الصيد.
ويضيف أن العاملين بالسخرة فى صناعة المأكولات البحرية فى تايلاند لا يعملون فى ظروف عمل طبيعية، وإنما يعملون لمدة ١٦ ساعة متواصلة يوميا، ويستخدمون أياديهم مباشرة فى الماء المثلج لإزالة قشور الجمبرى والمأكولات البحرية الأخرى، بطريقة أشبه بـ"التعذيب"، ومهما كان ذلك مؤلما، المهم الإنتاج والأرباح، ولا يتم الاستغناء عنهم إلا فى حالة الموت!
وتنقل "أسوشييتد برس" عن إحدى العاملات بالسخرة فى تلك المصانع وتدعى إيا هيباو - ١٦ عاما - وتظهر على يديها وذراعيها رقع وجروح من آثار تقشير الجمبرى قولها : "نظل نعمل حتى السابعة مساء، ثم نخلد إلى النوم، ونعاود العمل مرة أخرى فى الثالثة صباحا".
ويقول التقرير أيضا إن هناك من يعمل على تقشير 175 رطلا من الجمبرى يوميا مقابل أربعة دولارات فقط يوميا!
وتتبعت "أسوشييتد برس" سلسلة توريد الجمبرى الذى ينتج عن طريق عمال السخرة، وتبين لها أن هذا الإنتاج يتم تصديره إلى محلات السوبر ماركت البريطانية والأمريكية وكبرى المطاعم الشهيرة فى جميع أنحاء العالم، ويباع بأسعار باهظة، تذهب كلها إلى جيوب أصحاب هذه الشركات والمصانع.
وتقدر قيمة صناعة المأكولات البحرية فى تايلاند بنحو ٧٫٣ مليار دولار سنويا، ويتم تصدير الغالبية العظمى من منتجاتها إلى جميع أنحاء العالم. ويقول تقرير الوكالة إنه على الرغم من الحملة التى شنتها الحكومة التايلاندية ضد استخدام السخرة فى هذه الصناعة، فإنه ما زالت هناك دلائل تشير إلى أن بيع الروهينجا المحتجزين فى الغابات لحساب أصحاب مصانع الجمبرى ما زال قائما حتى الآن.
وتواجه تايلاند ضغوطا جمة لمعالجة مأساة الإتجار بالبشر وتطهير صناعة صيد الأسماك بها، حيث أمهلها الاتحاد الأوروبى – بدءا من شهر أبريل الماضى – ستة أشهر للقضاء على الصيد غير القانونى والانتهاكات بحق العمال، وإلا فسوف تواجه حظرا تجاريا قد يؤدى بها إلى خسارة ما يقرب من مليار يورو سنويا من صادرات المأكولات البحرية إلى الدول الأوروبية.
ما أبشع أن يتحول مخلوق كرمه الله تعالى ليعيش على الأرض بدرجة "إنسان"معزز مكرم" تسخر جميع المخلوقات لخدمته إلى أداة مسلوبة الإرادة يستخدمها مخلوق آخر على نفس الدرجة الآدمية ويتحكم فيها ويحركها كيفما شاء.
إنه هذا هو أبشع أنواع الذل والقهر.
ويفتح هذا الملف عدة قضايا مختلفة فى آن واحد، بداية من قضية عمال السخرة فى الدول والشركات والمصانع الكبرى، وقضية الهجرة غير الشرعية والخبايا التى ترتبط بها، إضافة إلى قضية مسلمى الروهينجا الذين لا تعترف بها ميانمار لا كمواطنين بها، ولا كبشر.

رابط دائم: 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق