رئيس مجلس الادارة

أحمد السيد النجار

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

فى ذكراه..
العم نجيب محفوظ.. أحلامك أم كوابيسنا

◀ شريف الشافعى
نجيب محفوظ
العمّ محفوظ، كل عام وأنت نجيب. كل ديسمبر وأنت مشرق وممطر فى آن. أما زلت تحلم؟ ولِمَ لا؟ لطالما أطلّتْ عليكَ القرون، وهى تضرب كفًّا بكفّ.اعذرنا، نحن أسرى أحلامك الأولى، لم نتخطها بعد، سنرجئ إلى حين أحلامك الجديدة، حتى ثبوت الرؤية، والرؤيا. «يبدو أن ما ننكوى به نحلم به!»، هكذا أنت تصف أحلامك، وهكذا هى كوابيسنا. تلك هى قصصك القصيرة جدًّا، وهى نيران واقعنا الممتدة، إلى حيث لا سقف، ولا قرار.

«هى أشياء صغيرة لا تزيد على حجم الكف يقول بعض الكرماء إنـها قصص»، يا له من وصف! أنتَ قصدتَ به أنها ربما تخالف السرد المألوف بكسرها قوانين الطبيعة وقواعد المنطق، فلا تكون قصصًا بشطحاتها ولا معقوليتها ونقلاتها المفاجئة. العم نجيب، ماذا بعدما جاوزتْ حركةُ الحياة ذاتها أراجيحَ الخيال فى جنونها، وقفزاتها الصادمة؟ كيف يمكننا تسمية ما جادت به الكفّ القارئة للحاضر، المستشرفة للمستقبل؟

"أحلام فترة النقاهة"، قصص محمّلة بالشعر، شعر ممزوج بالحكمة، ذكريات متنقلة بين الوعى واللاوعي، جسر ممتد بين المعيش والفانتازيا، أحلام "حقيقية"، بالوصف العجيب لصاحبها، وكأن اليقين يمكن أن يراه النائم فيما يرى. الهندسة لا تتخلى عن القول المحفوظي، حتى فى تجلياته الحلمية. الفكرة، بظلالها ومعادلاتها وتوزاناتها، حاضرة فى قلب الإعصار، الضارب بالعقل ذاته أحيانًا عرض الحائط.

الحالم بـ"فن القتل"، وبـ"المعهد العصرى للجريمة" هو ذلك المتعاطى الراهن للموت المجاني، الذى لم يعد يخص أحدًا بذاته، هذا هو حلمه اللامعقول، وكابوسنا الذى بات طبيعيًّا. الموت بجودة عالية، وبعلامة تجارية، تعنى "صناعة محكمة" بالتأكيد. يقول:

"فى الصباح الباكر اكتشفت الجريمة الوحشية. وما لبثت وحشيتها أن صارت حكاية على كل لسان. ولكنى لم أجد موضعاً للاختباء إذ أن المكان كله يتقاسمه رجال الشرطة وطبيبات المرض النفسي. وأصبحت فريسة للقلق، حتى استدعتنى إلى حجرتها كبيرة الطبيبات. وقالت لي: الأكثرية هنا يفسرون وحشية هذه الجريمة بالقسوة الكامنة فى طبيعة القاتل، أما أنا فأفسرها بقلة خبرته وجهله للأصول العلمية الحديثة لفن القتل، لذلك قررت إلحاقه بالمعهد العصرى للجريمة. والله ولى التوفيق!".

أيها الحالم الجميل، وكم من جمال تلده القسوة، أنتَ فى حلمكَ كلُّ مواطن تفزعه الفظاظة والدموية والنزعة الإجرامية، وشعوره بأنه مستهدف دائمًا من القوى الخارجية والداخلية التى تتهدده، وترغب فى سحقه بدون رحمة. هو فريسة لا محالة أمام السباع الضارية فى البلاد المستضعفة المغلوبة على أمرها، فالفرد يحمل هزيمته فى قلبه، ويتوقع الموت والغدر فى أية لحظة.

وبحسب الحلم المحفوظى الثاقب، فكتائب جيوش القوى العظمى قد طوقت "قطار الحياة"، واستولت عليه، وشنت الحرب بلا هوادة على ركابه من المدنيين والعسكريين على السواء. ووفق الحالم الأعظم، فإن الهجوم العسكرى الذى تقوم به الجيوش العملاقة ضد بلاد مسالمة بكاملها، وحالات القتل الجماعية، قد باتت كلها أمورًا عادية لا تحتاج إلى عقد محكمة أو حتى مساءلة! يقول:

"وقف القطار دون وجود محطة فتساءلت صاحبتى عن السبب، ولكنى لم أدر كيف أجيبها. وإذا بكتائب من الجيش تطوّقه وتقتحمه شاهرة أسلحتها. وقُبض عليَّ فيمن قُبض عليهم، فتركت صاحبتى منزعجة خائفة. وجدنا أنفسنا فى صحراء. أمرنا الجنود المسلحون بخلع بدلنا والبقاء بملابسنا الداخلية، ولكنهم وضعوا العسكريين فى ناحية والمدنيين فى ناحية. وأخذنا نتهامس أننا ضعنا وانتهى الأمر. وجاء قائد الجنود ونادى علينا..كل واحد باسمه، وتساءل صوت منا: هل تقتلوننا بلا محاكمة؟ فأجاب القائد بصراحة: الأمر لا يحتاج إلى محاكمة. وتحرك القطار، فتذكرتُ صاحبتي".

الحالم بالإنسانية، يصطاد كهوف البربرية، التى ينبت فيها ما هو غير إنساني, ويرى صور السلبية والتغييب، ويلمس بشاعة أن يجد الإنسان لذة فى الاستمتاع بحياته، فى حين أن أخاه ينـزف دمًا ويتضور ألمًا على بعد سنتيمترات قليلة منه:

"سألت عن صديقى فقيل لى إن الموسيقار الشيخ زكريا أحمد يسهر فى بيته كل ليلة شاديًا بألحانه حتى مطلع الفجر، فقلت: يا بخته. ودعيت لحضور سهرة، فذهبت إلى الحجرة الواسعة المزخرفة جدرانها بالأرابيسك، ورأيت الشيخ زكريا جالسًا على أريكة محتضنًا عوده وهو يغني: هوه ده يخلص من الله، وفى حلقة جلست الأسرة نساء وأطفالاً وبينهما رجل معلق من قدميه وتحت رأسه على مبعدة ذراع طست مليء بمية النار. ذهلت. وضاعف من ذهولى أن الجميع كانوا يتابعون الغناء دون أدنى التفات إلى الرجل المعذب".

والحالم قديمًا بما آلت إليه الحال، وضع يده مبكرًا على الجرح، فليس سواهما "الثقافة" و"التعليم"، قادا إلى هذا المنزلق. إنها الضحكة الأعلى، حين توكل الأمور إلى غير أهلها:

"على سطح بيت قريب رأيت أثاثًا يرتب وينمق، فسألت، قيل لى إن صاحب ذلك البيت حول بيته إلى معهد ثقافى بالمجان قانعًا بالمعيشة فوق السطح، فأعجبت به وأكبرته وعزمت على حضور بعض دروسه، ووجدت المكان غاصًّا بالبشر، وقال الرجل إن درس اليوم سيكون عن الثور الذى يحمل على قرنه الأرض، وصدمنى قوله بشدة، ففرت منى ضحكة ساخرة، فاتجهت نحوى الوجوه شاخصة بالغضب. أما الرجل فرمانى بنظرة عابسة وهو يشير إلى باب الخروج".

وتنقلب الضحكة الكبرى إلى قهقهة أكبر، حيث يصير الحلم مركبة فضاء تبلغ عصرنا بسرعة "الضوء" (ذلك الضمير الغائب، إذا جاز لنا التعبير)، فإذ بالحالم تطأ قدماه كوكب السيرك المقام ليل نهار، بألاعيبه وأحابيله وشراكه وأقفاصه، فيما كل واحد منا بلياتشو أو مهرج، شاء أم أبى. يقول:

"أسير على غير هدى، وبلا هدف. ولكن صادفتنى مفاجأة لم تخطر لى فى خاطري، فصرت كلما وضعت قدمى فى شارع انقلب الشارع سيركًا. اختفت جدرانه وأبنيته وسياراته والمارة، وحل محل ذلك قبة هائلة بمقاعدها المتدرجة وحبالها الممدودة والمدلاة وأراجيحها وأقفاص حيواناتها، والممثلون والمبتكرون والرياضيون.. حتى البلياتشو. وشد ما دهشت وسررت وكدت أطير من الفرح. ولكن بالانتقال من شارع إلى شارع، وبتكرار المعجزة، مضى السرور يفتر والضجر يزحف، حتى ضقت بالمشى والرؤية، وتاقت نفسى للرجوع إلى مسكني. ولكم فرحت حين لاح لى وجه الدنيا وآمنت بمجيء الفرح. وفتحت الباب، فإذا بالبلياتشو يستقبلنى مقهقهًا!".

العم نجيب، أحلامُكَ افترستْ كوابيسَنا، وكوابيسُنا نَهَبَتْ أحلامكَ.

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق