رئيس مجلس الادارة

أحمد السيد النجار

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

طرق فريدة للموت

محمد محمد مستجاب

1 السبيل
في اليوم الأول جاءته امرأة من بيت معوض, غطت رأسها وأخفت فمها وهمست له: لا تذهب إلي الجامع الليلة, وياسمين الغجرية تلقي الودع قالت: إنك ابن موت,وفي اليوم الثالث عشر جاءه صبي من أولاد حافظ وقبل يده ونظر في عينيه وتمتم: لا تمر في شارع العوامر صباحا,وقابله المقدس في السوق وضغط علي يده واعظا: الإنسان موعظة متحركة, وفي اليوم الخمسين دلفت إليه ضريرة من آل الجاحر, وبكت بين يديه.

وقالت: لا تقترب من نخل أبو غزلي بعد العصر, والعمدة يسحب أنفاس نرجيلته ضاحكا:لا تخف, وفي اليوم الرابع والسبعين, هرول خلفه فانوس المختل, ووخزه بعصا, ولعابه يسح علي جلبابه وقال: لا تؤد صلاة المغرب في المسجد, وأثناء عودته من مأتم, اعترض طريقه رجل يتدثر بعباءة أبناء الليل مبتسما:نحن في الخدمة, وفي اليوم التاسع والسبعين, أطل المراكبي بنصف نظرة بعيونه الرملية وهو ينقله إلي البر الغربي ومال ناحيته ساخرا: لا تذهب إلي الطاحون, ومحصل القطار يقطع له تذكرة: لا تعد من شرق البلد, وفي اليوم الثامن بعد المائة:لا تجلس علي المصطبة في الظهيرة, وفي اليوم الأربعين بعد المائتين, اجتمعت القرية محذرة: لا تخرج من الدار إطلاقا.
........................
...أزاح ناصحيه جانبا, وقف صامتا, ألقي بحرامه الصوف من فوق كتفيه, خلع عمامته, تحرك, فتح مصراعي باب الدار, تحرك, تنسم الهواء, ظل يتنسمه, تحرك, رفع رأسه, وأغلق عينيه, تحرك, رفع ذراعيه, وانطلق الرصاص, تحرك, ثم أنكفأ علي وجهه, وانبثق الدم...
........................
2
الثأر

علي أن أتماسك, فأحضروا لي مقعدا فجلست قريبا من منضدة التحقيق, كان ضابط النقطة قد أمر بإفساح مكان لي, فاقتربت أكثر, كانت الجثة مسجاة بجوار الحائط, وقد غطيت بملاءة نشع خلالها الدم, حاولت أن أستند علي ظهر المقعد, فتبين أن المقعد بلا ظهر, كدت أسقط, أسرع إلي أقارب, فربتوا علي كتفي وبكوا.
نهرهم الضابط المحقق, فازدادوا بكاء, بكيت أنا الآخر, فتقلص الضوء وتشابك في عيوني ثم انداح عني, احتضنني شيخ الخفراء وقبلني, فانهمر الناس بكاء وصراخا, مسحت التراب من وجهي, واستعاذ الآخرون بالله.
طلب الضابط المحقق من العساكر والخفراء أن يبعدوا الناس عن المكان, مازالت جثة أبي مسجاة بجوار الحائط مغطاة بالملاءة, والتراب يتراكم معذبا فوق سحنتي, قال شيخ الخفراء:
إن الأمر هذه المرة لن يمر ببساطة.
أيده الضابط المحقق, وقدم لي أحدهما سيجارة لم أستطع الإمساك بها, ومال علي إمام المسجد فطلب مني أن أكون رجلا, وقال إنه رأي كل شيء, وإن الله معي.
فأيده الضابط وشيخ الخفراء, وكان رجال الشرطة يطاردون الناس ليبعدوهم عن دائرة التحقيق, أخذت شهيقا طويلا مرتجفا, شدت أشعة الشمس حرارتها, الذباب يحوم ويتجمع علي بقع الدم, فازدادت رغبتي في البكاء, أحزنني أني لم أكن موجودا, وأني لم أسبل عينيه وأقرأ علي رأسه الشهادة...
تذكرت أبي وهو يأخذني إلي أرضنا ليلا كي نسقي الزرع, ويشدو بسيرة أبي زيد الهلالي ودياب بن غانم, ذات مساء أرسلني أبي لآخذ جوال كيماوي من أحد الجيران, كنت ألهو وأجري متلويا كالقطار في الشارع المظلم عندما اصطدمت بعفريت كان يلهو مثلي في خطوط متعرجة, صرخت وعيون العفريت تنطلق انزعاجا عاويا, خرج الجيران منزعجين ودثروني بآيات حامية من القرآن الكريم, بدأ أحدهم في صفق جسدي بيديه كي يخرج العفريت مني, وظللت أنتفض وأرتعد إلي أن جاء أبي واحتضنني وظللت أبكي وأرتجف للصباح.
أزلت بعض الغبار من فوق عيوني, في النهاية فأبي قد قتل بثلاث رصاصات في صباح يوم الجمعة, أحسست برغبة تجتاحني أن أجلس علي الأرض, سمعت صوت أمي يشرخ الدنيا مولولا ملتاعا, جري إليها شيخ الخفراء وأسندها حتي اقتربت من الضابط, لم أكن قد رأيت أمي منذ أسابيع, البكاء والحزن دكها, انهمكت أنا أيضا في البكاء.
........................
نظرت إلي الجسد المسجي, في- لحظة- تحول من مخلوق ينصح, ويعاتب, ويزكي, ويتمعن في النجوم لتحديد الوقت, ويصاهر, ويتسوق, ويقوم مبكرا, وينام فور صلاة العشاء... إلي جثة مفتتة الرأس, مثقوبة الصدر, يتجمع حولها الرجال, باكين ملتاعين غاضبين, معفرة رءوسهم بالوحل, وتلتف حولها النساء, ملتاعات, مشويات الفؤاد, منتحبات معفرات رءوسهن بالطين والنيلة.
........................
كان نشع الدم فوق الملاءة قد أسود وكلح, وظهر التبرم علي وجه الضابط, قالت أمي المستندة علي ذراع شيخ الخفراء وأحد أبناء عمي:
إن أبي اغتيل, وإن أبي قد قتل بطريقة لم نرها من قبل, بل وأضافت أن يوم مقتل أبي كان يوما تشيب له الولدان, فقد قام مبكرا ليودع ضيوف مجلس صلح, أتوا في المساء من قرية مجاورة, ليضعوا حدا لخلاف قائم بينهم وبين جيران لنا, وأدي ركعتي الضحي, وقرأ بعض الآيات, وهش الكتاكيت من ساحة الدار, وشرب من الزير, ثم اتجه فتوضأ خوفا من أن يكون قد نقض وضوءه, ثم جلس يتناول طعام الإفطار, وانفتح باب الدار بعنف, ووقف( صابر) علي العتبة, نظر إليه أبي واللقمة في منتصف المسافة بين الطبلية وفمه, صوبصابر بندقيته, وانهال بالرصاص في الرأس والرقبة, صرخت أمي رعبا, وانكفأ أبي علي الطبلية, فجذبه صابر من ملابسه وألقاه علي عتبة الدار, وأطلق دفعة أخري من الرصاص في صدره, ظلت أمي مذهولة مفتوحة الفم والعيون, ثم سقطت بجوار الحائط.
........................
في التحقيق, بدا واضحا أن الناس يحبون أبي, وظلت- الزنابير تطن في الجو, والنخل محملا بأكداس الرطب الأسود, والضابط جالسا في البقعة الدائرية التي صنعها للتحقيق في مدخل البيت, والشمس تفح بالغبار والنار, والناس يتجمعون, والموت راقد علي جسد أبي, والحزن جاثم فوق الصدور, وملاءة الموت تغلف الجسد المسجي, والعفريت يلهو, وعيونه تنطلق انزعاجا عاويا, والضابط يحقق ويلعن, وشيخ الخفراء والعساكر يبعدون الناس, وأقاربي يبكون, والحرارة أصبحت سعيرا, والذباب يحوم ويتكاثر, ودخان السيجارة يصنع في الجو زرقة كابية, وصراخ أمي يشرخ الدنيا ونظراتها تطالبني بالثأر, فظللت أبكي وأرتجف.
........................
3
أغنية لقصة حب

بعد الانتهاء من ذبحه
جلست علي الأرض, اخرجت علبة السجائر, وأشعلت سيجاره, ظل جسده ينتفض, والدم بدأ في التجلط.
اعلم ان الروح تظل عالقة بالجسد مدة إلي أن تغادره نهائيا.
انفتح الباب, وأطلت المرأة, كانت عيونها متسعة, أشرت لها بألا تنظر لجسده علي هذه الصورة, لأنها ستظل عالقة بذاكرتها فترة كبيرة من الزمن, إلا أن المرأة, ظلت تطل علي الجثة وهي تنتفض, كان يبدو عليها كل البؤس والكراهية..
قالت: دعني أراه علي هذه الهيئة..لقد أذاقني المرار لسنوات..
طلبت منها كوبا من الشاي..
قالت: انها تعد طعام الغذاء..
رفضت وانا أشعل سيجارة اخري من السيجارة الأولي, وقلت لها: يجب ان ألحق طعام العشاء في البيت.
غابت المراة داخل الدار, مددت يدي باتجاه الراديو المعلق علي رف, وفتحته, خرجت منه شوشرة وكلمات متناثرة, إلي أن استقر المؤشر علي صوت رجل يلقي نشرة الأخبار.
جاءت المرأة بكوب الشاي, نبهتها إلي باقي اجرتي, وضعت يدها في صدرها واخرجت النقود, ثم قالت: اريد خدمة..؟
قلت لها: تحت أمرك..!
قالت: اريدك ان تخلصني من الجثة..
أشرت لها إنني قاتل فقط, وكان اتفاقنا ان اذبحه هنا, أما التخلص من الجثة, فهذا ليس من اختصاصي, كما ان هذا سوف يرفع التكلفة..
تحدثت المراة, عن قلة المال لديها الآن, وألمحت إلي أن اقضي الليلة معها, فالاولاد ذهبت بهم إلي احد اقارب زوجها في بلده اخري, وأن البيت خال لهما.
رفضت مطلبها, لأنني رجل ملتزم وهذا ليس سبيلي, كما أنني أحب زوجتي, وإنها تنتظزني وأبنائي علي طعام العشاء.
غابت المراة داخل البيت فترة, وعادت وهي تحمل بعض الحلي الذهبية, وقدمتها لي ثمن التخلص من الجثة.
اخذت منها النقود فقط, وقلت لها, سأخلصك من الجثة, أما الحلي فيجب ان تقومي ببيعها بنفسك, وسوف أمر عليك قريبا لسداد باقي المبلغ.
اطلت ابتسامة علي وجهها, وقالت: لن نختلف.
أمرتها بأن تأتي بجوالين كبيرين بالاضافة إلي جردل من الماء..
وقفت المرأة تفكر لحظات, ثم عادت بالجوالين والجردل, أمرتها بأن تتركني بمفردي مع الجثة.
هزأت رأسها بالموافقة, وقالت: انها ستقوم بإعداد كوب آخر من الشاي. ثم انصرفت.
بدأت في تقطيع الجثة لأجزاء كي يسهل حملها, وتنظيفها من الدماء, ووضعت كل نصف في جوال.
عندما عادت المرأة بكوب الشاي, كنت قد انتهيت من عمل.
جلست, اشرب الشاي, والجوالين بجواري, والمرأة سحبت مقعدا صغيرا وجلست, نبهتها إلي عدم جدوي أن تنام الليلة في البيت بمفردها, لأن روح زوجها ستظل عالقة لفترة من الزمن هنا.
قالت في خشونة: وماذا سيفعل لي؟
قلت لها: لأ أعرف, ولكنه من المؤكد سيبدو غاضبا, وربما يثير بعض القلق لك.
قالت: لا تقلق, ثم اكملت: وأين ستخفي الجثة..؟
قلت لها لا أعلم إلي الآن, ربما القي بها في أقرب مصرف, أو ربما أدفنها في إحدي الأراضي البور المنتشرة بالمنطقة.
قالت: إن عملك هذا يبدو عملا صعبا.
قلت لها: انني أحب عملي, لذا اتيت بي..
ابتسمت, ونهضت, ثم نهضت أنا وحملت الجوالين, واتجهت لباب البيت للانصراف, بينما تناثر من شوشرة الراديو صوت أغنية لقصة حب..
........................

4

الحبل

•متي ستقتله؟

•غدًا، وربما في نهاية الأسبوع.!

•لماذا..؟

•أه، في الغد سأذهب بزوجتي إلى منزل والدها، وهو مشوار مرهق جدًا، ويأخذ معظم ساعات اليوم، لذا فإن نهاية الأسبوع، هو ميعاد مناسب للقتل.

اعطيته سيجارة، ظل يطرق مؤخرتها، كي يكتمها ثم لعقها بطرف لسانه، وأشعلها بعود ثقاب، بينما نهضت أنا كي ألحق صلاة المغرب، قبل أن تداهمني صلاة العشاء والتى أحب ان أوديها في المسجد.

وضعت زوجتي الغذاء، وبدأ عليها الضيق نظرًا لعدم تنفيذي بعض من متطلباتها، جاء ابني الوسط وهو يمسك بقلم رصاص وورقة بيضاء وطلب مني أن أرسم له حمامة تطير وبعض السحب وشجرة.

ترك باقى سيجارته في المنفضة تموت في بطء، بينما انهمكت أنا في رسم الحمامة والسحب والشجرة، تحدث في الهاتف مع أحد أقاربه، اطلت زوجتي من باب الغرفة وهي تحمل ابني الاصغر، كان يبكي بشدة، أخذته منها، وعدت لأكمل رسم جناحي الحمامة، انتهي من مكالمته الهاتفية، وقال لي: أي الأدوات التى يستخدمها..؟

أخبرته إن السكين سوف يضعه في مواجهة مباشرة معه، كما انه سيسمح بالدماء أن تغرقه، وان صوت المسدس المدوي سيلفت الانتباه بقوة، ولا أحد يريد أن يسمع طلقات رصاص، وأن الحبل جميل..

هز رأسه، موافقا، ويبدو انه استراح لهذا الحل.

اخذ يحرك ساعديه في الهواء، ويقوم ببعض الحركات الرياضية، كي يصبح جسده في حالة مناسبه للقتل.

دخلت زوجتي ووضعت على المائدة بعض الاطباق، وخرجت، نبهتها أن تزيد السلاطة في الاطباق، أومأت برأسها بالموافقة دون ان ترد.

امرته أن يجلس، فهذا يربكني وانا احاول أن انتهي من رسم باقي جسد الحمامة، كانت السماء خالية دون سحب ودون أي طائر آخر .

جلس، وبدأ في مد يده في الأطباق، نبهته إلى عدم حب زوجتي لتلك العادة، كما أننا سوف نأكل دون أن يقلقنا أو يزاحمنا أحد، وان الخير كثير والحمد لله.

جاءت زوجتي بطبق تصعد منه الابخره، اخبرتها إنها امهر طاهية في العالم.

قالت: إنها تعلم ذلك.

نظر لنا وحاول أن يمد يده لطبق الدجاج، إلا انني تركت جسد الحمامة غير المكتمل وغرزت سن القلم في يده، سحب يده سريعا وقد وضعها في فمه، وبدأ يكتم الألم بلعاب لسانه.

دخلت زوجتي وقالت: تفضلوا، اشرت له ان يجلس، واعطيت باقي الرسم لابني، إلا أنه نبهني إلى عدم ترك السماء خالية بهذا الشكل، وأن هذا يجعل الرسم يختل ويربك كل شيء، وربما تقع السماء على الأرض، وقال : أين الشجرة؟

سحبت طبقا ووضعت فيه بعض الأرز والخضار والسلاطة وقدمتها له وقلت له: يجب أن تستلم منه مبلغ المال قبل أن تقتله، لا تنسي ذلك

أخذ الطبق وابتسم في هدوء وكانت نظراته تخبرني انه يعلم ذلك جيدا.

•الله اكبر..

•جاء من الخارج صوت أذان العشاء،

قلت له يجب ان ننتهي من الطعام سريعا كي نلحق صلاة العشاء.

انتهينا من تناول الطعام، كان ابني الاوسط يبدو غاضبا، قلت له: سوف اذهب لصلاة العشاء واعود كي اكمل الرسم.

في الشارع اخبرني أنه على ميعاد مع أحد الأصدقاء، سلمت عليه واخبرته انجاز ما اتفقنا عليه في الميعاد.

ذهبت لصلاة العشاء، ثم عدت للمنزل، استقبلني ابني وهو يمسك القلم الرصاص والورقة، قلت له إن الهروب منه شيء لا مفر منه.

طلبت من زوجتي كوبا من الشاي، جاء صوتها من الداخل بالموافقة، وقالت هل أضع عليه نعناعا، لم ارد وانهمكت في استكمال الرسم.

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق