رئيس مجلس الادارة

أحمد السيد النجار

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

الشائعات الإلكترونية .. أسرع

◀فتوح سالمان
بصوت مؤثر تسيطر عليه نبرات الخوف والهلع وبمخارج حروف تنم عن مستوى جيد من التعليم الأجنبي قالت: أنا اسمى «مى» وعايزة احكى لكم حكاية ابن صديقتى اللى كان حيتخطف امبارح.. ثم راحت تحكى فى رسالة صوتية حكاية الصبى ذى الرابعة عشرة عاما الذى كاد يختطفه أحد الأشخاص من داخل أحد المولات الشهيرة اختتمتها بتحذير لكل الآباء والأمهات بأن ينبهوا أولادهم بالحرص عند التعامل مع الغرباء.

لم تمض سوى دقائق حتى تحولت قصة مى إلى حكاية ورواية على مواقع التواصل الاجتماعى.. الحقوا بيخطفوا العيال فى المولات ومن مواقع التواصل الاجتماعى الى برامج التوك شو ووصلة ساخنة من المناظرات والمهاترات ونداءات ارحمونا والحقونا واحمونا.

الله أعلم ما هى دوافع صاحبة الرسالة.. لكن ما يعنينا إنه بعد هذه الرسالة المؤثرة والمخيفة اضطرت الداخلية (المشغولة بمعارك أكبر) للتحقيق فى الأمر وإصدار بيان يوضح أن القصة لا أساس لها من الصحة وخرج مدير المول الشهير ليقول إن الأمر لا يعدو كونه نوعا من الشائعات المعتادة..

انتهت القصة لكن لم ينته تأثير القنبلة الصوتية التى أشعلتها..

قبل شهور تناقلت مواقع التواصل الاجتماعى صورة لسيدة سكندرية مع أربعة أطفال وقيل إنهم مخطوفون وأن السيدة تستغلهم فى التسول.. (وهات يا كلام وشير) ثم اتضح أن الأطفال أبناء أخت للسيدة صاحبة الصورة وليس هناك أى خطف ولا تسول.

الأمر نفسه يتكرر مع حملات التحذير من أشخاص يدعون أنهم من مصلحة الغاز أو وزارة الصحة ويقتحمون المنازل ويخدرون السيدات ويخطفون الأطفال ويسرقون المنازل..

الأعوام الخمسة الأخيرة شهدت حديثا متواترا عن جرائم خطف الأطفال وذهبت التفسيرات الى التسول بهم أو بيعهم للنساء العاقرات او تهريبهم للخارج، بل ووصلت لحد ذبحهم على أبواب المقابر الأثرية فى صعيد مصر، وتحدث البعض عن أنها أصبحت ظاهرة فى المجتمع المصرى.. ولا يمر اليوم الواحد دون أن تأتيك على حساب الفيس بوك صورة لطفل تائه أو مخطوف ولا تعلم إن كان هو كذلك فعلا أو أن صاحب الصفحة لا يهدف إلا لجمع اللايكات والشير ليس أكثر.. وزارة الداخلية رفضت مرارا وتكرارا اعتبارها ظاهرة وقالت إن معدلات الإبلاغ عن اختفاء الأطفال لاتزال فى إطار النسب العادية للجريمة ولم يحدث أى زيادة فيها.

المجلس القومى للطفل رفض التعليق على الأمر وأوضح مسئولوه أنهم بحاجة إلى مزيد من الدراسة للتأكد من صحة المعلومات، ولا يوجد ما يشير حتى الآن إلى اعتبار الخطف ظاهرة او منتشرا انتشارا يدعو للقلق.. الأرقام الرسمية الصادرة عن المجلس قالت إن الجرائم ضد العنف ضد الأطفال خلال العام الماضى يجئ على رأسها حالات الإهمال والتى نتج عنها قتل أو إصابات للأطفال، تلتها حوادث عنف الأطفال وحالات الاغتصاب.. وجاءت جرائم الخطف، والإتجار فى المركز الثالث.. لكن من يطالع صفحات الفيس بوك يتصور أن خطف الأطفال جريمة شائعة ومتكررة على نحو قد يدفع الآباء والأمهات لحبس أطفالهم فى المنازل.

الشائعات تؤدى الى التهلكة

ربما كانت الشائعات موجودة فى أى مجتمع، لكنها تشتد مع أوقات الكوارث والحروب والأزمات وفى بلدنا.. الشائعات تزحف وتطير. تعدو وتمشى على أقل من مهلها.. وبسرعة الصاروخ.. تنتشر وتتوغل كما الأنفلونزا..

كم من شائعة أقلقت أبرياء وحطمت علاقات وخربت بيوتا؟ وكم من شائعات هددت دولا وزلزلت عروشا.. الشائعة أقوى من رصاصة.. الرصاصة تقتل واحدا.. أما الشائعة فتقتل ملايين..

ومن عصر الحمام الزاجل إلى عصر السماوات المفتوحة والشبكات العنكبوتية.. هناك دائما وسيلة ما لنقل الشائعات.. من أيام (أمنا الغولة) التى تخطف الأطفال فى قصص الرعب الشعبية.. إلى الشائعات المقصودة وبالونات الاختبار، مرورا بالاغتيال المعنوى الممنهج وتلويث سمعة الشخصيات العامة.

هناك دائما من يصدق ومن يضيف ومن ينشر.. هناك دائما اللى «بيقولك» (وعمرك ما قابلته ولا حتقابله).. هناك من يطلق الشائعة وهناك من يصدقها، وهناك من يستفيد منها وهناك من يدفع ثمنها.. لأننا فى الأصل عقول مهيأة لتصديق الشائعات كما تقول د.هبة عيسوى أستاذ الطب النفسى، والتى تصف الشائعات بأنها السلاح الأكثر خطورة فى حياة المصريين وهى مرتبطة ارتباطا شرطيا بزيادة مساحة الضبابية والقلق من المستقبل ومرتبطة بغياب الوعى والجهل، الشائعات موجودة فى كل المجتمعات لكنها فى مجتمعنا أصبحت خبزنا اليومى.. نتعاطاها صباحا ومساء وعقولنا فى إجازة دائمة.. وتوصف الشائعة بأنها إحدى العمليات النفسية التى تهدف الى التأثير المباشر على عقول الناس فى مختلف المجتمعات، ومن أخطر الحروب المعنوية والنفسية التى تنتشر فى ظل أجواء مشحونة بعوامل اجتماعية واقتصادية وسياسية متعددة.

كلمة واحدة تتحول إلى كرة ثلج تكبر كل يوم.. شائعات يتحول بعضها إلى أخبار وأخرى تبنى على أخبار، يختفى الحد الفاصل بين الحقيقة والخيال. ويحولها الإنترنت إلى كلام موثق.. وفى غياب المعلومات تبقى الشائعة مزمنة ومتجددة.

ليس المصريون هم الشعب الوحيد الذى يصدق الشائعات لكنها تتكاثر كفيروس خطير وتصيب كل يوم ضحايا أكبر..

للأسف لم تساعدنا التكنولوجيا الحديثة فى الحد من انتشار الشائعات بل كانت سببا لانتشارها.. مادام العقل لايزال يعيش فى القرون الوسطى والثقافة سمعية.. والوعى غائب ومغيب.

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق