رئيس مجلس الادارة

أحمد السيد النجار

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

زلزال أردوغان «انتصار الخوف»

أنقرة: سيد عبدالمجيد
عشرات من استطلاعات الرأى حتى تلك التى أعدت من قبل شركات ومؤسسات مقربة للعدالة والتنمية الحاكم ، جميعها أكدت أن الحزب لن يحصل على أكثر من 43% ، هذا فى أقصى الأحوال تفاؤلا ، وحتى داخل أروقة الحزب كان التشاؤم على أشده بين رموزه وقياداته بشأن المستقبل الذى كان يكتنفه الغموض.


 

ورغم أن أردوغان كان حريصا على الظهور أمام مواطنيه بمظهر الواثق المطمئن ، فإنه كان الأشد قلقا خشية ألا يستجيب شعبه لتحذيراته ــ التى لم يترك مناسبة واحدة إلا وكررها ــ من استمرار الإرهاب إذ لم يصوتوا لصالح الاستقرار الذى وعدهم به.

وفجأة ومع إرهاصات الساعة الثامنة مساء الأول من نوفمبر، وبالتوقيت المحلى وقبل الموعد المحدد بساعة كاملة لبدء إعلان النتائج، انقلبت الموازين رأسا على عقب، وظهر رقم 53٪ بجانب العدالة، وكان هذا مؤشرا على فوز كبير قادم مقارنة بنكسة السابع من يونيو الماضى حيث كانت الانتخابات الاولى تجرى بموعدها. فى المقابل بدا الصمت المطبق وسط علامات ذهول وحزن اكتسى الوجوه باحزاب المعارضة إجمالا دون استثناء.

صحيح أن حزب الشعب الجمهورى لم يتراجع، ولكنه لم يتقدم، وتلك مأساة فى حد ذاتها، ووقف عند نفس النقطة لعوامل لم يكن هو سببها وعموما سنأتى لها فى حينها.

أما حزب الحركة القومية اليمينى فخسارته فادحة والحق أنه يستحقها ، وبالمناسبة فهو الحزب الوحيد الذى كانت التكهنات تشير إلى تقهقره وهو ما حدث وإن كان بصورة تراجيدية مؤلمة.

ومما زاد من خيبته هو أنه رغم حصوله على 12% من الاصوات تقريبا فإن مقاعده لن تتجاوز الـ42 مقعدا، وربما الـ40 فى حين ان عدوه اللدود الشعوب الديمقراطية الكردى الذى تجاوز حاجز الـ10% للتمثيل بالبرلمان بشق الانفس حصد 61 مقعدا، وهذا عائد إلى تركيبة الديموجرافية وفقا لقانون الانتخابات المعيب اصلا والذى لم يسع العدالة لتعديله طوال الثلاث عشرة سنة الماضية مع أنه كان أشد المنتقدين له.

والسبب بسيط، وهو أنه اكتشف مزاياه الجمة لحظة صعوده المدوى فى استحقاق نوفمبر 2002 حينما حصل على 36% فى أول انتخابات له ومع هذا استحوذ على ثلثى مقاعد البرلمان 367 مقعدا، لأن الفائز تكون من نصيبه مقاعد الأحزاب الخاسرة الذين فشلوا حينذاك فى تخطى عتبة العشرة فى المائة، وهى (اليسار الديمقراطى والوطن الأم والحركة القومية).

وانتخابات الأحد الفائت مثال جلى آخر على عبثية القانون الانتخابي، فهو حصل على 49.4% لكن مقاعده قد تزيد على الـ313، أى اكثر من نصف مقاعد البرلمالن البالغ عددها 550 بـ38 مقعدا.

وكان طبيعيا أن يفجر الزلزال، وهو خير توصيف على الحاصل الذى لم يخطر على بال المنتصرين أنفسهم، مجموعة من الأسئلة تمحورت حول استفهام مركزى: ما الذى حدث؟

ففى خلال خمسة أشهر، وهى الفترة التى فصلت ماراثون يونيو وبين أول نوفمبر الماضى، تمكن العدالة من حصد خمسة ملايين صوت اضيفت له، اى مليون لكل شهر، فما الذى فعله ليجنى تلك الثروة التصويتية الهائلة؟ برغم القنابل البشرية المفخفخة فى وضح النهار بالعاصمة أنقرة منذ اربعة اسابيع وقبلها ببلدة سورتش البعيدة الواقعة بفضاء مدينة شانلى أوروفا الحدودية مع سوريا، مما أسفر عن عشرات القتلى ومئات المصابين، وأزمة اقتصادية طاحنة بل ومرعبة والدولار الامريكى الجانح يلتهم ارصدة البسطاء، وهى أصلا ضئيلة وفوق كل ذلك أن اردوغان يدفع البلاد لانتخابات مبكرة.

المثير أن القابع فى قصره الرئاسى الفخيم غير القانوني، أصر على مواصلة حصاره المحكم على وسائل الاعلام التى باتت معظمها ملك يمينه، يوجهها كيفما شاء، بحيث تتحدث عنه وعن إنجازاته ليل نهار، وقبل الحدث الانتخابى بايام قليلة سطت أجهزته الامنية على مجموعة إعلامية بارزة تمتلك شبكتين فضائيتين وصحيفتين، وتمكن من فرض وصايته عليها غير عابئ باية تداعيات قد تنجم عن الاقتراع الذى لم يكن أمامه سوى اربعة ايام.

أذن أنه كان على ثقة بأن الاختبار الذى وضعه هو بيده سيجتازه بنجاح باهر وهو ما تحقق.. كيف؟ أنه انتصار الخوف، فشرائح عريضة من الشعب وبفعل سطوة الميديا الاردوغانية، فضلت الأمن والأمان وتحسين أحوالهم المعيشية ولا بأس من غض النظر لو مؤقتا على الاقل عن الانتهاكات شبه اليومية التى تتعرض لها الديمقراطية.

وللانصاف فإن حزب الشعب الجمهورى حاول جاهدا، وفقا لما هو متاح أمامه من وسائل بعد تحكم العدالة فى مفاصل الإعلام المقروءة والمرئية، ويكفى أن شبكة «تى آر تى» الناطقة بالعربية لم تنقل له خطابا جماهيريا واحدا، وإذا ما جاءت على ذكره استحياء، فهو فقط من باب النقد والتقليل من مكانته، برغم أنها مملوكة للدولة بالإضافة إلى حرمانه من الانتشار على قنوات البث الرقمى التى تصل لعموم البلاد.

ثم أن وعوده سرعان ما اخذها العدالة الحاكم حرفيا لتصبح بندا أساسيا فى برنامجه ، كذلك فالمنافسة لم تكن ابدا متكافئة مع الحزب الحاكم الذى سخرت من اجله كل الإمكانات ووقف رؤساء البلديات أمام المقار الانتخابية خصوصا بعمق الاناضول يشحذون الهمم بعبارات الوحدة والاستقرار والامة التركية الواحدة بعلمها ولغتها الوحيدين دون شريك.

ايضا الشعوب الديمقراطية فما ناله ، هو مكسب بكل المقاييس، برغم أنه خسر مليون صوت و21 مقعدا مقارنة بانتخابات يونيه، صحيح أنه ابتعد قليلا عن منهجه ألا وهو «تركيا أولا» وانحيازه الحزئى للانفصاليين من عناصر منظمة حزب العمال الكردستانى إلا أن الصحيح كذلك هو أنه واجه حملات أمنية منظمة وممنهجة فضلا عن هجمات غضت الشرطة النظر عنها طالت مقراته، وهو ما ساهم بفاعلية فى انحساره وخسارته نحو 3% من الاصوات.

وبرغم كل ذلك فالنجاح الذى حققه العدالة والتنمية كرس، وعلى نحو نهائي، حالة الاستقطاب فى البلاد بين المحافظين والعلمانيين والليبراليين، ضاعت المنطقة الرمادية بين الأبيض والأسود، والحزب المنتصر ذاته يمشى على جملة من الألغام، أولها النظام الرئاسي، ويبدو انه دفن ليس لأنه مطلوب 330 نائبا لتمريره دون عائق، فحسب بل لأن هناك من سيعطله والمقصود هنا رئيس الوزراء أحمد داود اوغلو الذى لم يتفوه بكلمة عنه خلال جولاته الدعائية كى لا يثير حفيظة مناصريه، وسيكون الاخير متسلحا بالمبررات، أهمها أنه قاد الحزب لهذا النصر المبين.

فهو لم يعد مديرا لمكتب اردوغان كما تحلو المعارضة على وصفه. بل رئيسا للوزراء منتخبا كزعيم حزب والأهم أن الرئيس بتدخله فى الانتخابات الماضية كان سببا فى فقدان الحزب الاغلبية وعندما ابتعد نسبيا عادت له وبقوة وحل الظفر وهذا دافع معنوى من شأنه ان يخرج اوغلو من عباءة رئيسه.

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق