رئيس مجلس الادارة

أحمد السيد النجار

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

أوكازيون الهدم فى فيلا شيكوريل

تحقيق: أمــل الجــيار
من هم الملاك الجدد لفيلا شيكوريل؟ ومن اشترى فيلا عبود باشا وهدمها فى ساعات؟ ومن هدم أجيون ؟ ومن تمكن فى ساعات من هدم الفيلا الأنيقة التى كانت تقع بشارع أحمد يحيى ؟

من يملك القوة والقدرة والسطوة والرغبة فى هدم التراث السكندرى؟ 

من الذى يسعى بخطى حثيثة لمحو ذاكرة المدينة «الكوزموبوليتانية»؟ ومن يقف وراءهم؟ ولمصلحة من؟ وهل هى خطة ممنهجة لتفريغ الإسكندرية من عناصرها الجمالية ومحو كل أصيل ليحل القبح محل الجمال والأصالة والعراقة؟

أسئلة تطرح نفسها بقوة على المجتمع السكندرى ولابد لها من إجابة لتشفى غليل السكندريين الغاضبين الذين يفتحون أعينهم كل صباح على خبر لهدم فيلا أو قصر قديم هو جزء من ذكرياتهم وتاريخهم وينتهى الأمر فى ساعات وتتحول الفيلا التى كانت شاهدة على أناقة عصر بأكمله الى أكوام من الحجارة أو مساحة أرض فضاء سرعان ما تصبح جراجا يقف على بابه مجموعة من البلطجية أو عمارة مريعة تتحدى كل القوانين وتقف بثبات على ارتفاعات شاهقة وكأنها تخرج لسانها للمسئولين والمواطنين وكل من يعنيه الأمر ..

 

من المسئول عن الكارثة الجديدة التى تحل على الإسكندرية ، وكأن المدينة ينقصها المزيد من المصائب بعد كارثة الأمطار التى اجتاحتها فخربت وقتلت وشردت؟!.

من سوف يدفع فاتورة خسائر المدينة التراثية؟

الحكاية باختصار هذه المرة تخص فيلا شيكوريل أو الفيلا رقم 404 طريق الحرية رشدى وهى نادرة الطراز كانت تقف شامخة فى شارع أبى قير برمل المدينة، أو المنطقة التى كانت يوماً ما سُكنى الأثرياء والارستقراطية.

ويبدو أن أهمية موقع الفيلا ومساحتها أغرتا تجار القبح فهى تقع على شارعين من أهم شوارع المدينة (أبى قير والترام) فبدأوا يحومون حولها كعادتهم فى اصطياد فرائسهم فى ظل غياب الرقابة وعدم وجود تشريعات قوية للحفاظ على التراث، ثم بدأ الهدم بالفعل فى أحد أيام الاجازات وهو ما استطاعت كاميرا أحد السكان المجاورين للفيلا التقاطه فى خفية من المقاولين الذين بدأوا العمل بهمة فى تدمير الباب الأمامى للفيلا والذى يحمل حليات رائعة تعود لاوائل القرن الماضى بغية اسقاط المبنى برمته وعندما انتبهوا الى إمكانية أن يراهم أحد قاموا بتغطية الجزء الذى يتم تدميره, على أن الرجل المهتم بمدينته أذاع فيديو الهدم على شبكة الإنترنت فهاج السكندريون وماجوا وتعددت البلاغات للنجدة بل وصل بعضها الى رئيس مجلس الوزراء ليتدخل لإنقاذ الفيلا النادرة الطراز من الهدم, لأن التراث والتاريخ المصرى لم يعد لهما ثمن وفى منتصف الليل قام أصحاب الفيلا, الجدد بإحضار معدات ثقيلة ولوادر وأدوات للهدم وحطموا ثلاثة أعمدة فى مدخل الفيلا قبل أن تصل الشرطة وتوقف أعمال الهدم بناء على بلاغات السكان . 

إيقاف الهدم

يقول اللواء سعيد الفوال رئيس حى شرق إن الفيلا كانت تملكها الشركة العربية للملاحة البحرية وقامت ببيعها لمشتر جديد حاول هدمها رغم عدم حصوله على رخصة للهدم من الحى وهو ما دفع الحى لاستخدام الضبطية القضائية برفقة الشرطة وتم إيقاف الهدم وقبضت الشرطة على القائمين بالتخريب وبعض العمال وجار عرضهم على النيابة حالياً تمهيداً للبت فى الموضوع ، كما تم التحفظ على المعدات وفرض حراسة على الفيلا .

ويضيف الفوال أن الفيلا رغم أنها خرجت من مجلد الحفاظ على التراث بالإسكندرية بالقرار الوزارى رقم 86 لسنة 2012 إلا أن هذا لا يمنح أصحابها الحق فى هدمها الا بعد الحصول على ترخيص .

محو التراث

ويقول الأثرى أحمد عبد الفتاح ان الحكاية ترجع لسنوات مضت حينما بدأت المبانى التراثية للإسكندرية تتساقط بفعل معاول الهدم دون أن يتدخل أحد لمنعها، ففى غضون سنوات قليلة فقدت المدينة كثيراً من معالمها الرئيسية وملامحها العمرانية مما ينذر بمحو كل التراث المعمارى المميز الذى شارك فيه البناءون الايطاليون والفرنسيون ، ولهذا السبب صدر القانون رقم144 لسنة 2006 بشأن الحفاظ على التراث المعمارى للمدينة ولكن على الرغم من أن القانون نص صراحة على معاقبة كل من هدم كليا أو جزئيا مبنى أو منشأة بالحبس والغرامة لمدد متفاوتة ومبالغ قد تصل الى أرقام كبيرة، فإن ذلك لم يردع المخربين ولم يقدم أحدهم للمحاكمة وظلت المبانى تتساقط وتنتهى القصة بالقبض على العمال أو المقاول وتحويلهم للنيابة ثم يتم الإفراج عنهم وهكذا دواليك لتتكرر هذه المأساة كل يوم. 

قصة شيكوريل

ويقول الدكتور محمد عوض رئيس لجنة الحفاظ على التراث بالإسكندرية إن فيلا شيكوريل يرجع تاريخ إنشائها إلى العشرينيات من القرن العشرين وقام بتصميمها ثلاثة من أشهر المعماريين الفرنسيين هم ليون أزيمان وجاك هاردى وجورج بارك حيث كان الأخير لديه مكتب هندسى فى القاهرة وقد جاءوا الى مصر بسبب طرح مسابقة لتصميم المحاكم المختلطة (دار القضاء العالى) وبالفعل فازوا بها عام 1925 وبدأوا العمل فى مصر وبدأوا العمل فى الإسكندرية من خلال التعامل مع الكونت فرديناند دبانة وقاموا ببناء مجموعة من أهم المبانى فى الإسكندرية أشهرها مدرسة سان مارك وفيلا شيكوريل التى بنوها على طراز Art Deco الذى كان سائداً فى النصف الأول من القرن العشرين، ويتميز طراز المبنى بالبساطة فى التعبير، والوضوح فى التكوين المعماري، والصراحة فى استخدام المفردات المعمارية واستخدام الزخارف والحليات الهندسية والنباتية الأنيقة المبسطة …وتعود أهمية الفيلا الى جمال بنائها وأهمية من بنوها حيث كانوا من أشهر المعماريين فى هذا الوقت.                                                                    

أما الدكتور محمد عادل دسوقى فيقول فى مدونته «جدران مدينة متعبة» إن الفيلا تم تفريغ محتوياتها وتعرضت لمحاولات هدم فى نهاية عام 2012 بعد إخراجها من قوائم التراث, حيث فوجئ السكندريون بقرار صادر من كمال الجنزورى رئيس الوزراء فى ذلك الوقت برفع فيلا شيكوريل من قائمة المبانى الأثرية بالمدينة وبالتالى لا يوجد ما يحول دون هدمها بعد الحصول على التراخيص  اللازمة ، فتم تنظيم حملة لإيقاف الهدم بواسطة المعماريين والمهندسين والمهتمين بالتراث، وتم تنظيم وقفات احتجاجية لعدة أيام حتى توقف الهدم .. والجدير بالذكر أن الفيلا كانت خاصة بالخواجة شيكوريل وورثته، حتى جاءت قوانين التأميم فى الخمسينيات والستينيات وأممتها ونزعت ملكيتها لتصبح ملكا للدولة المصرية وفى السبعينيات كانت الفيلا مقرا تابعا لرئاسة الجمهورية، بل إن الرئيس الأسبق حسنى مبارك كان مقيما بها أثناء أحداث يناير 1977 أو انتفاضة الخبز، حين كان نائبا للسادات وتجمع المتظاهرون أثناء هذه الانتفاضة أمام الفيلا وحاولوا أن يقتحموها ، وفى الثمانينيات تمت إضافة دور ثالث للفيلا …ويضيف دسوقى أن من حقنا أن نتساءل: كيف ومتى انتقلت ملكية الفيلا إلى الشركة العربية للملاحة البحرية؟ من باعها لهم؟                               

   أنقذوا الإسكندرية

ويقول المعمارى محمد أبو الخير أحد مؤسسى مبادرة أنقذوا الإسكندرية أن المبنى فى حد ذاته تحفة معمارية ويعد من المبانى التراثية الهامة للمدينة وهو مسجل برقم 878 بقائمة الحفاظ على المبانى والمناطق التراثية بالمحافظة والتى صدر بها قرار رئيس مجلس الوزراء رقم 278 لسنة 2008 وإن خروجه من قائمة المبانى التراثية هو خطر كبير يهدده لابد من التصدى له بالوسائل القانونية لعلاج الثغرات الموجودة بقانون رقم 144 لسنة 2006 والذى يدخل من خلاله المقاولون ليتم اخراج المبانى من خلاله.

ويؤكد المهندس محمد عوض أن الحكم بإخراج الفيلا من مجلد التراث تم عام 2009 ولم يطلب أحد رأينا فى لجنة حماية التراث وبالتالى أخرجت الفيلا من قائمة حماية التراث استناداً الى حق الملكية وحق التصرف فى الملكية استناداً الى الدستور فقامت المحافظة بالاستشكال على الحكم عام 2011 وكانت نفس النتيجة ولكن ما يمكن التأكيد عليه أن الحكم ليس باتاً ونهائياً ويمكن الطعن عليه فى المحكمة الإدارية العليا وبالتالى لا يجب هدم الفيلا انتظاراً لقرار القضاء ، ولكن ما يحدث على أرض الواقع مختلف تماماً فالقصة تبدأ ببيع الفيلا تحت جنح الظلام ويتولى الأمر محامون يعلمون جيداً ثغرات هذا القانون فيحصلون على أحكام بإخراج هذه المبانى النادرة من قائمة التراث ويسارعون من خلال مقاولين معتادين على هذه النوعية من العمليات الى هدم المبنى فى ساعات وقبل وصول الشرطة التى تتحفظ على المعدات وتقبض على العمال أو حتى المقاول ويتم عرضه على النيابة التى تفرج عنه خلال أيام وتنتهى القصة بسهولة ونفاجأ بأصحاب الأرض يحصلون على رخص بناء رغم مخالفة ذلك للقانون, كما حدث فى فيلا شارع أحمد يحيى التى تم هدمها بدون رخصة وفى خلال ايام حصلوا على رخصة بناء ولا نعرف كيف؟ ولا من يقف وراءهم؟ والحل كما يقول الدكتور عوض هو فى صدور تشريع قوى أو قرار من رئيس الجمهورية يمنع هدم أى مبنى تراثى بالمدينة وفى نفس الوقت يتم تطبيق قانون البناء ويتم حرمان المبانى المخالفة من الكهرباء والمياه والصرف الصحى فلا تجد من يشتريها وكذلك الامتناع تماماً عن التصالح مع المخالفين لوقف نزيف الهدم الذى يحدث بالمدينة.

عميد اليهود

ويقول الأثرى أحمد عبد الفتاح: مورينيو شيكوريل هو والد سالفاتور شيكوريل الذى اصبح عميد اليهود المصريين فى القاهرة سنة 1946 بعد رينيه قطاوي… ومن الحوادث المؤسفة التى تعرضت لها عائلة شيكوريل مقتل سلامون شيكوريل فى منتصف عام 1927  فقد روع أهل القاهرة بخبر مقتل التاجر سلامون شيكوريل بعد أن اقتحم الجناة بيته وشرعوا فى تخديره فى حجرة نومه وتخدير زوجته وعندما قاوماهم قاموا بقتله…وقد القت الشرطة القبض على الجناة الأربعة. وعلى رأسهم سائق الخواجة شيكوريل وهو يونانى الجنسية يدعى آنستى خر يستو فى الثانية والثلاثين من عمره.وقد كشفت التحقيقات أن خر يستو لم يعمل كسائق لدى الخواجة سلامة شيكوريل سوى مدة شهرين, وطرده بعدها لسوء سلوكه. فعمل خريستو سائقا لدى الكونتس دبانة. لم تستمر التحقيقات فى القضية أكثر من شهر أحيل بعدها المتهمون إلى محكمة الجنايات التى أمرت بإحالة أوراق المتهمين الأربعة, إلى مفتى الديار المصرية بعد أن طالبت النيابة بعقابهم بعقوبة الإعدام شنقا.

ويبدو أنه وبالرغم من أهمية الفيلا وتاريخها وشكلها الجمالى المميز والحكايات التى تدور حولها لكونها تنتمى الى عائلة تنسج حولها الكثير من الروايات الا أن الفيلا البرتقالية ذات الطراز الجميل مازالت تُغرى معاول الهدم .. فهل يستجيب رئيس الوزراء والحكومة والمحافظ وكل من يعنيه الأمر ويتم إنقاذ التراث السكندرى من الضياع؟

هذه استغاثة أو صرخة لمن يهمه الأمر.. أنقذوا الإسكندرية قبل أن نستيقظ لنجدها تحولت الى مدينة للقبح والخراب والمسخ وحينها لن ينفع الندم.

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق