رئيس مجلس الادارة

أحمد السيد النجار

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

من تجليات الغيطانى الأدبية
البدايات

عماد عبد الراضى
ربما يتصور البعض أن حياة جمال الغيطانى الإبداعية بدأت مع مجموعته القصصية الأولى «أوراق شاب عاش منذ ألف عام» التى صدرت عام 1969، ولكن الحقيقة أنه قد سبقت هذه المجموعة إرهاصات ابداعية كانت تنبئ بظهور مبدع سيكون له شأن فى المستقبل.. وهو ما كان بالفعل.

قد كتب أول قصة قصيرة عام 1959، وكانت قصة «زيارة» هى أول ما نُشر له، وكان ذلك فى مجلة الأديب اللبنانية فى شهر يوليو 1963 .

الطريف أن أول مقال له نُشر فى نفس الشهر أيضا ولكن فى مجلة الأدب التى كان يحررها الشيخ أمين الخولي، وكان المقال حول كتاب مترجم عن القصة السيكولوجية.

وكان عام 1963 هو عام الانطلاقة الإبداعية للغيطاني، فمنذ أن نُشرت قصة «زيارة» حتى صدور مجموعته الأولى نشر عشرات القصص القصيرة فى الجرائد والمجلات المصرية والعربية، كان أبرزها قصة «حكايات موظف كبير جدا» التى نشرت فى جريدة المحرر اللبنانية عام 1964، ثم «حكايات موظف صغير جدا», ونشرت فى مجلة «الجمهور الجديد» عام 1965، كما كتب ثلاث روايات لم تتح له فرصة نشرها، وكان اسم الروايات الثلاث «رحيل الخريف الدامى»، «محكمة الأيام«، و«اعتقال المغيب».

وقد تحدث الغيطانى عن عدم نشر هذه الروايات، فقال: »هناك 3 أعمال فى بدايتى لم تنشر، منها اثنان أخذا أثناء اعتقالى واختفيا تماما، والثالثة اسمها «رحيل الخريف الدامى»، أعطيتها لزميل لى فى التعاون الإنتاجى ليكتبها على الآلة الكاتبة، وهى موجودة؛ لكن يستحيل أن يراها أحد. أما أول تجربة فكان اسمها «محكمة الأيام»، تخيلت فيها أن هناك يوماً من أيام الأسبوع رفض أن يأتى اليوم التالى له، فحدث سكون وتوقفت الحركة، ومن يدير الأيام أقام محكمة ليحاكم يوم الإثنين الذى يوافق دائما بداية الأسبوع بعد عطلة الأحد، فكانت فيها فكرة الفانتازيا».

«أوراق شاب عاش ألف عام»

وبصدور «أوراق شاب عاش ألف عام» بدأت مرحلة جديدة من حياة الغيطانى الإبداعية، فقد تضمنت المجموعة خمس قصص كُتبت كلها بعد هزيمة يونيو 1967، وتدور أحداث القصة عام 1967 حيث تخيل مرور ألف عام على الهزيمة، وأن هناك أوراقاً وجدوها لشخص عاش تلك الفترة، وكتب فى مقدمتها عبارة دالة وهى: «وكانت توجد دويلة لا نعلم عنها شيئا اسمها إسرائيل»، فهى قصة تؤكد على الأمل الذى يملأ قلب كاتبها فى النصر النهائى.

فالكتاب كان يتضمن كما قيل وقتها- ردا روحيا على هزيمة 67.

وكان للمجموعة صدى قوىً فى الأوساط الثقافية، لدرجة أن محمود أمين العالم رئيس مؤسسة أخبار اليوم قد أفرد لها مقالا نقديا قال فيه إن جمال الغيطانى اكتشف شكلا جديدا من أشكال القصة، وعرض عليه بعد أن قرأها- أن يعمل معه فانتقل الغيطانى للعمل بالصحافة.

«الزينى بركات»

من أهم أعمال جمال الغيطانى وأكثرها ترجمة إلى اللغات الأخري، صدرت الطبعة الأولى منها عام 1974، عاد فيها الكاتب ليستلهم أحداث التاريخ بمعالجة عصرية فريدة، فيختار أحد رموز القمع والاستبداد وهو والى الحسبة «الزينى بركات» ويستخلص العبرة من تلك المرحلة التاريخية، ففى حين يطلق السلطان لقب «الزينى» على موسى بن بركات دلالة على ورعه و تقواه و تفانيه فى خدمة السلطان، إذا بالزينى يقدم أسوأ مشاهد الظلم والقمع والخيانة.

وترصد الرواية مصر إبان سلاطين المماليك فى القرن العاشر الهجرى من 912 هـ إلى 923هـ، وذلك من فترة تعيين الزينى بركات محتسبا إلى زمن هزيمة المماليك ودخول العثمانيين إلى القاهرة للاستيلاء عليها بعد القضاء على المقاومة الشعبية و إخمادها. وترصد الرواية صراع الأمراء المماليك فيما بينهم حول السلطة وتجسس البعض منهم على الرعية والسلطان لصالح الأتراك، وتهافتهم حول جمع المال واحتكار الاقتصاد، وتقوية جهاز البصاصين لخدمتهم و خدمة السلطنة للتحكم فى رقاب الشعب عن طريق الاستبداد والقمع والعنف. وتبين أيضا ذلك الجهاز الذى أنشأه السلطان الغورى للتجسس على الآخرين وذلك لرغبته فى الحفاظ على السلطة عبر إقصاء الآخرين وتصفيتهم، ويقوم بالعمل فى هذا الجهاز الخطير الزينى بركات ونائبه زكريا بن راضى وهما أداة القمع والتصفية بكل الطرق القاسية والوحشية. واعتمد جمال الغيطانى على بناء متفرد للرواية، فقسمها إلى سرادقات وليس إلى فصول- والسرادق هو المكان الذى يشيد لتقام فيه الاحتفالات، فيقسمها إلى مقدمة وخاتمة وسبعة سرادقات، وفى ذلك تأثر واضح بتقسيم ابن إياس لكتابه الشهير «بدائع الزهور فى عجائب الدهور».

ورفض الغيطانى اعتبار «الزينى بركات» رواية تاريخية، كذلك فإنها لم تعتبر رواية تاريخية فى كل اللغات التى ترجمت إليها، لكنها اعتبرت رواية ضد القمع فى أى زمان و مكان، مستعيرة مادتها من التاريخ، ومتكئة على أمور لا تذكر فى التاريخ الرسمى، وإنما يركز عليها التاريخ الشعبى والمجتمعى.

وعن ظروف كتابة »الزينى بركات«،يقول الغيطانى: »عانينا من الرقابة فى الستينيات وأسلوب التعامل البوليسى. وأتصور أن هذا كان أحد أسباب علاقتى القوية بالتاريخ، كنت مهموما بالبحث فى تاريخ مصر, وبقراءة هذا التاريخ، خاصة الفترة المملوكية, التى وجدت تشابها كبيرا بين تفاصيلها وبين الزمن الراهن الذى نعيش فيه، وأنا عندما أقول الفترة المملوكية, أعنى الفترة المملوكية التى كانت مصر فيها سلطنة مستقلة تحمى البحرين والحرمين، وقد انتهت هذه السلطنة فى عام 1517 بهزيمة عسكرية كبيرة فى مرج دابق شمال حلب، وعندما طالعت مراجع شهود العيان الذين عاشوا هذه الفترة, ذهلت من تشابه الظرف بين هزيمة 67 والأسباب التى أدت إليها وبين هزيمة القرن السادس عشر، وأوصلنى هذا فيما بعد إلى ما يمكن أن يسمى اكتشاف وحدة التجربة الإنسانية فى مراحل كثيرة من التاريخ حتى وإن بعدت المسافة، على سبيل المثال: الألم الإنسانى واحد، فالشعور بالحزن هو نفسه الذى كان يعبر عنه المصرى القديم أو البابلى القديم، ومصر نتيجة لاستمرارية تاريخها وعدم انقطاعه تتشابه فيها الظروف من فترة إلى أخرى».

«الرفاعى»

وكانت الفترة التى عمل فيها مراسلا عسكريا إحدى أبرز الفترات التى أثرت فى الحياة الإبداعية للغيطانى، فبعد أن عمل فى الصحافة بدأ يتردد على جبهة القتال بين مصر وإسرائيل بعد احتلال إسرائيل لسيناء، وكتب عدة تحقيقات صحفية تقرر بعدها تفرغه للعمل كمحرر عسكرى لجريدة الأخبار، وظل فى هذا العمل حتى عام 1976.

وقد شهد خلال هذه الفترة حرب الاستنزاف وحرب أكتوبر على الجبهتين المصرية والسورية، وقد أخذ من هذه الفترة مادة ثرية للعديد من أعماله الإبداعية، أبرزها على الإطلاق رواية «الرفاعى».

«جاء إلى الدنيا ليقاتل دفاعًا عن كل الذين مرّ بهم وعرفهم أو مشوا معه وحاوروه فى تلك القرى والمدن، عن كل من يعيشون فى هذه المساحات التى طار فوقها بالهيلوكبتر والأنتينوف وبالأليوشن، كل من رآهم يرشفون الشاى فى المقاهى ويحتفلون بأعياد الميلاد ويهمسون بالنجوي..» إنه العميد أركان حرب إبراهيم الرفاعى، مؤسس وقائد المجموعة 39 قتال، هذه المجموعة الاستثنائية فى تاريخ العسكرية المصرية، والتى قُدر للغيطانى أن يقترب منها ويعايش أفرادها وأعمالهم القتالية عن قرب فى فترة صعبة واستثنائية.

كتب الغيطانى هذه الرواية عام 1976 ونشرت عام 1978، وتناول فيها آخر 13 يوما من حياة العميد إبراهيم الرفاعى، أظهر فيها بطولاته وطريقته فى التخطيط الحربي، ورغبته فى تحقيق النصر.. ولم يكتف جمال الغيطانى بسرد بطولات الرفاعي، بل تعايش من خلال أحداث روايته مع مشاعر البطل، وتسلل إلى داخل نفسه فوصف أفراحه وأحزانه ومواطن فخره وحماسته وارتياحه، كما دخل بالقارئ إلى عالمه الأسرى وطريقة تعامله مع أولاده وعائلته، هذا بالإضافة إلى أسلوبه كقائد فى التعامل مع جنوده من أبطال فرقته كيف كان يخفى آلامه حتى لا يتأثروا بها، وطريقة تفكيره مع عدوه ودراسته لأحواله قبل القيام بعملياته الفدائية.

ويقول الغيطانى عن بطل روايته: «كانت عند إبراهيم الرفاعى موهبة اختيار الأهداف المؤلمة للعدو، فكان ظهوره فى الجبهة يعنى أن الطرف الآخر سيصاب بكارثة، فالنوة فى خليج السويس مثلا- أصعب من المحيط، فيختار الليلة التى لا يتخيل أحد أن يعبر خليج السويس فيها والتى يكون الموج فيها كالجبال، ويعبر الخليج ويفاجئ العدو بضرب مطاره بصواريخ الكاتيوشا، بل ويصر على التقاط صورة تذكارية فى قلب أرض سيناء المحتلة».

«متون الأهرام»

تعتبر رواية متون الأهرام تجربة جديدة فى الكتابة السردية وتتخذ أشكالا مبتكرة فى القص العربي، فالغيطانى فى حوار دائم مع الأشكال الفنية المختلفة للاستفادة منها فى النثر والسرد، وهكذا فإن «متون الأهرام» تعتمد على الشكل الهرمى فى القص، وهى عبارة عن أربعة عشر نصا، تستوحى شكل الأهرام فى البناء، والنص الرابع عشر عبارة عن كلمة واحدة تشبه قمة الهرم، فيقوم بناء العمل على أساس وضع نصوص وكتابات، تحل بدورها محل الفصول فى السرد التقليدي، فيشيد بناء هندسيا يقوم على المتون نفسها، وصولاً إلى خلق تشكيل هرمى مقلوب، قاعدته تبدأ بنصوص كبيرة تأخذ فى الصغر حتى لتنتهى فى المتن الرابع عشر، الأخير، بقمة واحدة فقط. ويستلهم الغيطانى روايته من نصوص الأهرام التى خلفها قدماء المصريين كجزء من الموروث الفرعونى.

«دفاتر التدوين»

هى تجربة فريدة فى الكتابة الإبداعية، فيها تجديد «معتاد» من الكاتب فى أسلوب البناء الروائى، وقد وصل عددها إلى سبعة دفاتر، فاز الدفتر السادس منها «رن» بجائزة الشيخ زايد للآداب. وكتاب «رن» يروى رحلة الكاتب عبر الذاكرة إلى مصر القديمة عبر أساطيرها وتراثها المنسي، والرحلة الروحية تتوازى مع رحلة واقعية يقوم بها الكاتب منطلقاً من هضبة الهرم شطر جنوب مصر.

ورؤية الغيطانى فى هذا العمل المتعدد الأجزاء، تتداعى من خلال فن أدبى لا هو بالقصة ولا بالرواية ولا بالسيرة الذاتية ولا بأدب الرحلات، وإنما فيه شيء من كل هذا. وعن تجربته مع «دفاتر التدوين» قال الغيطانى: «هذا المشروع يستهدف كتابة الذاكرة ويقوم على فكرة النص المفتوح دائماً، ولا ضرر عندى من أن يأتى من يكمل بعدي».

وعن سبب تسميتها بـالدفاتر» وليس بـالروايات»، قال الغيطاني: «أنا متأثر بالأدب الفارسى القديم، يُقال دفتر عشق، كلمة دفتر فيها صون أكثر من كلمة رواية، فأنا أقصد من الدفاتر إعادة ترتيب الذاكرة، وإذا أعيد صياغة الذاكرة فهو تدوين».

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق