رئيس مجلس الادارة

أحمد السيد النجار

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

المداوية

د‏.‏ عزة بدر
خيالات جارها كانت أكثر ضلالة مما تتصور فقد كان دائما غريب الأطوار‏,‏ كانت تشاهده يرسل غير مرة بقبلات في الهواء‏,‏ تتلذذ فيها شفاهه ويتكور فمه‏,‏ وترقص خلجات وجهه في حالة من النشوة مغمضا عينيه وهو يرسل إشارة توق وشغف إلي الجميلات‏,‏ كانت رسالة ملتاثة إلي المرأة التي يتعشقها في تلك اللحظة‏!.‏


كان ابن ساعته بل ابن لحظة المتعة حتي ولو لم تكتمل بالحصول, تفر النساء من أمامه النساء خائفات من إغماضة عينيه وتكورات فمه, وخلجاته التي تهتز عميقا وطويلا وهي ترقص مثل
سرب كامل من النحل حول خلية من شمع العسل, كان فمه ذكر النحل الذي يود أن يلقح النحلة الملكة حتي ولو لمرة واحدة وبعدها يموت.
لاتدري حقا لماذا لم تستجب لخيالاته تلك ؟, أخوفا من أعين الجيران ؟ أم هي بالفعل تخاف علي حياة ذكر النحل في خلية عسل فمه ؟, كان إحساسها ملتبسا, ولكنها بالتأكيد كانت تبادله متعة الخيال, ولكنه عندما استوقفها ذلك اليوم لم يكن ليغمض عينيه, ولايرسل قبلاته في الهواء, كانت خلية فمه بأختام شمعها الصباحي لم تتسلل إليها امرأة ولم تحوم حولها فتاة.
كان وجهه صارما وهو يتأمل فمها عن قرب... وكان يحكي وكأنه يهذي: رأيته في شرفتك, فر إليها بعد قطع الشجرة الخضراء الوارفة التي سكن بين ضلوعها طويلا,... آه الثعبان رأته قططك وحاولن مهاجمته فتسلل إلي حجرتك.. صدقيني.. الثعبان.. الثعبان!.. رأيته بعيني رأسي.
لم تكن لتصدقه, هل تصور له له خيالاته أن الكون كله تفاحة كبيرة تحوم حولها الثعابين ؟, بل لقد سمعته يسب جيرانه صاعدا من السلم إلي السطح وهو ينعتهم: يا أولاد الأفاعي!.
شيء واحد كانت تصدقه.. جنونه اللذيذ, وشهوته العارمة التي كانت تجعلها تعيد النظر في قيمة حياتها نفسها بعيدا عن عينيه المغمضتين, وقبلاته التي يرسلها في الهواء, وخلجاته التي ترقص مليا أمام الجميلات.
لكنها بالطبع لن تصدق حكاية الثعبان وقططها.. أمثل هذه القطط الناعمة الوديعة أن تهاجم ثعبانا ؟!
ستملأ جفنيها بالنوم شاردة عن شواغلها, ولكن هاهي تستيقظ علي صرخة أختها التي تجمدت إصبعها وهي تشير إلي رأس الثعبان التي تطل بهدوء من جانب المروحة الكهربائية في ليلة حارة وبعد منتصف الليل بعد قطع الشجرة الضخمة الخضراء بعدة ليال.
تجمدت مكانها, وفكرت أختها بالاستعانة بجارهما الذي يسكن في الدور الأرضي, صحيح أنه غريب الأطوار ايضا, ودائما يشاهدونه مرتديا كورتة هندية مكونة من قميص طويل منقوش بورد أحمر كبير, وسروال واسع بورد أكثر دكنة يشبه قماش كريتون الطقم الأسيوطي المنجد الذي يحتل بكراسيه الصالة الواسعة.
استدعت أختها الجار الذي صعد ملبيا نداء الشهامة في منتصف ليل بلا قمر, ووطأة صرخة أنثي.
شمر عن ساعديه, وطلب عصا ضخمة لمواجهة الثعبان فمنحاه عصا الغلية التي تقلبان بها الملابس في قروانة صغيرة علي البوتجاز مع كم لابأس به من المنظفات والبوتاس!.
العصا القصيرة الهزيلة أثارت ضيقه وغضبه وخاصة عندما فاجأته رأس الثعبان الكبيرة التي تشي بحجمه الضخم خلف المروحة المسنودة علي الحائط في مكانها الثابت منذ وقت طويل.
رفع الجار يديه إلي رأسه خالتيا الوفاض وقد وضع العصا جانبا ثم انحني مبتسما:
آسف.. آسف جدا.. لايمكنني مواجهة ثعبان بهذا الحجم بتلك العصا!.
تراجع للخلف بعد أن منيت الفتاتين بخيبة أمل ونوبة من الإشفاق من فكرة خروجهما في هذا الليل هاجرتين البيت إلي بيوت الأقارب او الجيران خوفا من الثعبان.
عادت إحداهما تطرح فكرة الصراخ من الشباك أو الصوات حتي يفزع إليهما أي إنسان نبهتها الأخري إلي احتمالات فرار الثعبان واختبائه في أي مكان لايدركانه, وهنا ستكون النتيجة هجرة البيت أيضا.
رفع الجار ذو الثوب الهندي يده ثانية ليقول بأدب أنا معكما تماما.. ودائما حتي تحل المشكلة فانظرا ماذا تريان ؟!.
خرجوا جميعا إلي البلكونة التي تسلل منها الثعبان إلي الداخل, وانطلقت إحداهما لتطلق العنان لصواتها الذي شق سكون الليل ولم يخرج إليهم أحد, ولافتحت نافذة ولااهتز إنسان, ولكنها عندما هتفت بصوت عال يتنزي برغبة امرأة علي حافة الهاوية:
راجل... عاوزين راجل.
هنا انفتحت النوافذ عن آخرها, وشق صوت الفتاة طريقه إلي الأجساد قبل القلوب, وأرهفت النساء الاستماع إلي صيحة حارة ماتزال تضع الرجال علي أبواب سقيفة الحل والعقد, وعلي أولوية هتافات النساء..
راجل.. راجل!
دوت الصيحة هائلة فأخفي الجار وجهه بيديه متعجبا من النداء وخرج من البلكونة!.
وانشقت الأرض عن هراوات كثيرة, وعصي وأسلحة.
صعد الجميع إلي الشقة التي لايقيم فيها سوي الفتاتان اليتيمتان.
كانت هناك نسوة أيضا يبتسمن وهن يمصصن شفاههن بنات اليومين دول بلا حول ولا قوة, آخر دلع, في زماننا نحن, كانت الواحدة تصطاد الثعبان علي الزعافة( فرشاة التراب), كنا نصطاد الثعابين.. تغمس الواحدة رأس السعافة في الجاز, وتشعل قطعة القماش بعد أن تلفها علي رأس الزعافة وتطارد بها الثعبان في أمكنة اختبائه فإذا أحس بالنار خرج من وكره ملتفا حول عصا الزعافة التي اشتعلت رأسها خوفا من النار, وطمعا في النجاة فتنفضه الواحدة في سرعة علي الأرض طعنا وطرقا فيفقد حياته ثم تلمه في ملاءة, وتطوح به في حمأة الفرن.
قال أحد الجيران: الفرن ؟!, حرام لايعذبن أحدكم روحا, الثعبان لابد من دفنه.
وقال آخر: في زماننا القديم لم نكن نقتل الثعابين أبدا, كان لكل بيت ثعبان حام, يقوم علي حمايته من شر الأفاعي الأخري, وكان أمينا علي أهل البيت, أذكر أن الشيخ محمد جدي دخل علينا ذات مرة وكنا نلهو بالثعابين الصغيرة التي وجدناها بجانب( الزير)- إناء الماء الكبير- فغضب غضبا شديدا وقال: أتريدون أن تسببوا لنا الأذي والبلوي ؟, لو عرف أبوهم الثعبان الأكبر مافعلتم بصغاره لآذانا جميعا..
وصار يتلفت حوله, وهو يقول: العفو والسماح ياثعباننا الكبير, ياحامي البيت!.
وعندما سمع الثعبان ماقاله الشيخ محمد فهم أن ماجري لأولاده الثعابين الصغار لم يكن مقصودا فندم لأنه سمم الزير الذي يشربون منه جميعا في لحظة من لحظات غضبه, وندم فيما بينه وبين نفسه علي رغبته في إيذاء الشيخ محمد وأسرته فاتجه الثعبان إلي الزير والتف حوله بكامل جسده, وتمني لوكان للزير روحا فيزهقها ثم جره جرا حتي تهاوي الزير علي الأرض, وتكسر فخاره وانثال الماء المسموم فنجت أسرتنا من موت محقق.
هز أحدهم رأسه أول مرة نشوف ثعبانا يحمي أو يخاف علي أهل الدار!, أنت راجل طيب.
أفتي آخر: تنبهوا إذا قتلتم هذا الثعبان فلابد أن تتذكروا أن انثاه وصغاره سيتتبعون أثره ونفخه في الأرض, من الشجرة حتي البلكونة والحجرة حتي يصلوا إلي المروحة بل حتي يصلوا إلي هذا الشبر الذي نقف عليه من الأرض.. استعدوا لمواجهة المزيد من الثعابين.
لم يوهن هذا الذي قاله من عزم الشابين العشرينيين اللذين انقضا بعصيهما علي رأس الثعبان فتهاوي وأخذ يتلوي وهو ينظر باتجاه إحدي الفتاتين بعينين دامعتين.. عرفتهما.. كانتا الأقرب شبها إلي أعين الجار الذي يرسل القبلات في الهواء, ويختلج جسد وجهه كله بالشهوة العارمة.
كان ذيله لايزال يتحرك, كان يحاول النهوض ويكاد يرفع رأسه عندما صاحت بهم الفتاة:
لاتقربوه.. إنه فتي أحلامي, قسيم ليلي ونهاري.
جاء اعترافها ليتوتر المشهد كله, يرونها وهي تقرب فاها من فمه الذي تحول إلي فم بشري كخلية نحل بأختامها من شمع العسل, فمه الذي يشبه وردة كبيرة حمراء, ولسانه الذي يتحرك في فمه كزغرودة شهوة لاتفني, كان يتقطر عسلا وهو يغني: توبة توبة يا اهل الهوي توبة!.
فتقول الفتاة: توبة.. توبة, أصل الفؤاد انكوي م الحب كام نوبة!.
الثعبان يتهيأ للنهوض, والفتاة تتثني وتتهيأ للرقص.
لأول مرة يرون فعل الحب صاخبا علي مرأي من الجميع, يهتز نهداها وهي تقربهما من الثعبان الذي اتخذ نهرهما بيتا, وصعد حثيثا بين فقرات عنقها كما لو كان يتسلق شجرة خضراء وارفة, يقبل رقبتها في شغف,
كانت تتلهف إليه وهي تغني بصوت احتوي موسيقات الكون كلها: فحيح الثعابين, وصوت لسعات العقارب والزنابير, وهديل الحمام, وبغام اليمام, وزئير الأسود, وتقلب السباع علي السباع, وحنين الضباع إلي الضباع في كهوف سرية الشهوة, كان صوتها عميقا أخاذا يسلب السامعين القدرة علي الكلام خرست الأصوات المنتقدة, والمتقدة, وأخذت الملاحظات الرديئة, والحكايات البالية عن الحب طريقها إلي الخفوت والنسيان.
وصارت الفتاة تغني: دلوني يا المداوية
دلوني ياالمداوية, عشمني هوايا وخلي بيا!
وهنا انفطر قلب الثعبان, رق وتحنن, وملأ قلبه الشجن فعطف عليه الحاسدون والشامتون وقساة القلوب, وكادوا يقبلون رأسه ولسانه,
وقال أحدهم: والله لن يخرجه من هنا علي خير إلا واحد أعرفه من الرفاعية, سيقول له كلاما يفهمه, وسيعقله الثعبان وينصرف تاركا البيت والحارة وفتياتنا في هدوء وسلام.
إنه متحول.. مسحور.. بشري في صورة ثعبان.
لو جئنا بأحد الرفاعية فسيقول له كلاما حتي لو كان بربريا سيفهمه الثعبان, رجلان يدركان ما ألم بهما, وليس لقاء رجل بثعبان بل لقاء رجلين وجها لوجه, كل منهما يحمل قلبا أبيض جميلا, سيسحبه الرفاعي في كيس من القماش أو حتي في كيس مخدة, وسيحل الثعبان فيه ضيفا عزيزا كريما, ويمضي الرفاعي به بعيدا, ويادار ما دخلك شر.
وعندما انبروا يبحثون عن أحد الرفاعية, وجدوا أحدهم يسكن في الشارع المجاور, ولكنه كان قد نسي مايعرف الأجداد من الكلام مع الثعابين, والتفاهم مع الحيات, ولايحفظ شيئا من الكلمات بربرية ولاغيرها, ولاأي لغة يتفاهم بها مع الثعابين.
وفي غفلة من الجميع انقض علي البيت مجموعة من الثعابين الضخمة التي أحاطت بالبيت كله وحاصرته, والتفت حول الجدران وأنشبت أجسادها في كل مكان, وسيطر علي الجميع خوف عارم, وسكون مخيف.
وهمس من بينهم صوت هاديء حكيم قائلا بروية: ياله من سكون, إنه ذاك الذي يسبق العاصفة.

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق